الحسكة:كيف تنفذ”الإدارة الذاتية” التغيير الديموغرافي؟

قال مدير المديرية الزراعية في الحسكة، إن المديرية قامت بتأمين ما يلزم للمزارعين في المحافظة من أجل البدء بعملية حصاد محصول القمح. وتعد الحسكة الخزان الاستراتيجي للنظام في إنتاج القمح، لكن مصادر خاصة، أكدت لـ”المدن”، أن مديرية الزراعة الحكومية لم تقدم أي شيء، بل إنها عاجزة تماماً عن مساعدة المزارعين، بسبب فقدان النظام سيطرته على معظم المحافظة.

في المقابل، عممت سلطات “الإدارة الذاتية” التابعة لحزب “الاتحاد الديموقراطي” عدداً من القرارات مؤخراً، متعلقة بنقل المحاصيل الزراعية إلى مراكز تسلم خاصة بها في صوامع متعددة؛ أبرزها صوامع المبروكة في ريف رأس العين التي أعيد تأهيلها مؤخراً، ليتم تخزين المحصول فيها. وتحاول “الإدارة الذاتية” منافسة النظام على شراء القمح، ومنع بيعه في السوق السوداء.

ويعاني مزارعو الحسكة من إجراءات صارمة تفرضها “الإدارة الذاتية” خاصة بعد تمكنها من بسط سيطرتها على معظم ريف المحافظة الذي يعتمد بشكل شبه كلي على زراعة القمح. ومنعت سلطات “الإدارة” مؤخراً عدداً من المزارعين من حصاد محاصيلهم، إلا بعد التعهّد بدفع اتاوات تصل إلى 30 في المئة من قيمة الانتاج. وحدث ذلك في قرية الخازوق، بالقرب من ناحية تل براك، بحجة أن تلك الأراضي هي “أملاك للدولة”. كما قامت “الإدارة الذاتية” بتحديد سعر كيلو القمح بنحو ربع دولار، مع أنها تبيعه للنظام بسعر مضاعف.

الناشط الإعلامي أحمد العواد، أكد لـ”المدن”، أن “وحدات حماية الشعب”، الذراع العسكرية لحزب “الاتحاد الديموقراطي” والقوة التنفيذية لـ”الإدارة الذاتية”، قامت بمنع عائلة الذيابات في تل براك للسنة الثانية على التوالي، من حصاد محصولها، لأن عدداً من أبناء هذه العائلة في صفوف الجيش الحر. وتقوم “الإدارة” بزراعة أراضي الذيابات التي تبلغ مساحتها أكثر من 600 دونم، ومصادرة محصولها.

الأمر تكرر أيضاً في تل حميس ورأس العين، حيث قامت “الإدارة الذاتية” بمصادرة آلاف الدونمات لعوائل في المنطقة ولشخصيات معارضة. وكشف المعارض السياسي صدام الحلو، لـ”المدن”، أن سلطات “الإدارة الذاتية” قامت بمصادرة ما يقارب 3000 دونم لعائلته، كما أنها قامت بمصادرات واسعة خلال العام الماضي لآلاف الدونمات في منطقة رأس العين وتل تمر وجبل عبدالعزيز، واستولت على الأراضي رغم أنها مزروعة، وقامت بحصدها ومصادرة المحصول. وتوقّع الحلو أن يصل عدد العوائل المتضررة لأكثر من 1000 عائلة، فقدت أرضها بعدما تمّ ضمّها تعسفياً لأملاك “الإدارة” بقرارات رسمية تصدر عن مؤسسات تم انشاؤها لهذا الغرض، كـ”اللجنة الزراعية” و”لجنة إدارة أملاك الغائبين” بالإضافة إلى ما يُعرف بـ”مؤسسة عوائل الشهداء”.

وقال الحلو، إن “الإدارة الذاتية” تسوق أسباباً لا تمت للواقع بصلة، فهي تصف أصحاب تلك الأراضي بأنهم “إرهابيون” أو “داعمون للإرهاب”، بينما تثبت الوقائع أن المستهدف من تلك الإجراءات كل شخص أو عائلة نشطت في الحراك المعارض لنظام الأسد، سياسياً أو من انتسب إلى الجيش الحر حين دخل المنطقة.

وتستند “الإدارة الذاتية” في مصادراتها للأراضي في أرياف الحسكة، إلى قانون أقرّه “المجلس التشريعي لمقاطعة الجزيرة” مطلع العام 2015. وسمي القانون بـ”قانون إدارة أملاك الغائبين”، الذي أعطى “الإدارة الذاتية” السلطة للاستيلاء على أملاك المُهاجرين والغائبين من أبناء الجزيرة، سواء أكانت عقارات أم أراضٍ زراعية، والتصرف بها وفق ما أسماه القانون “المصلحة العامة”.

وبالإضافة إلى تشريعها عمليات المصادرة، تقوم أطراف محسوبة على “الإدارة الذاتية” ببث شائعات تسيء للمالكين الأصليين، وتلصق بهم تهماً مختلفة كـ”التعاون مع الإرهابيين” أو معارضة سياسة “الإدارة الذاتية”. واتهمت تلك الأطراف معارضاً من المنطقة يقيم في تركيا بـ”التآمر على التجربة الديموقراطية في الجزيرة” لتبرير مصادرة أراضيه.

ويبدو الهدف من المصادرات، للوهلة الأولى، بمنع هذه العوائل من العودة، ولكن المساحات الواسعة للأراضي المصادرة تدل على سياسة ممنهجة، كما يشير ناشطون، إذ تم الاستيلاء على أراض واسعة في معظم ريف الحسكة؛ من القامشلي إلى الشدادي، ومن ديريك إلى جبل عبدالعزيز. وتستفيد “الإدارة” اقتصادياً من هذه المساحات المزروعة، في تدعيم خزينتها المالية، كما أنها تقوم ببيع محصول القمح بشكل علني للنظام، إذ يتم نقله بشاحنات إلى محافظات الداخل والساحل السوري، ليقوم النظام بتصديره إلى الخارج عبر حلفائه، وذلك بعد إغلاق تركيا وإقليم كردستان العراق، الحدود في وجه “الإدارة الذاتية” وحزب “الاتحاد الديموقراطي”.

عضو “تجمع الحسكة لقوى الثورة والمعارضة” مضر حماد الأسعد، قال لـ”المدن”، إن هذه التصرفات الممنهجة التي تتبعها سلطات “الإدارة” من حرمان آلاف العوائل من أراضيهم والاسهام في التهجير القسري، تهدف بشكل مباشر لإحداث تغيير ديموغرافي في المحافظة، خاصة أن معظم سكان الريف في الحسكة هم من أبناء العشائر العربية. وحمّل الأسعد المسؤولية في ذلك كله لـ”التحالف الدولي” والولايات المتحدة التي تدعم هذه “الإدارة” وجناحها العسكري لترهيب السكان ومصادرة املاكهم بحجة “محاربة الإرهاب”. وتتغاضى الولايات المتحدة عن مئات الانتهاكات التي يقوم بها مقاتلو “الوحدات” بحق سكان الجزيرة السورية، على الرغم من توثيقها بتقارير صادرة عن منظمات دولية.

ولا تقتصر معاناة المزارعين في الحسكة على تصرفات “وحدات حماية الشعب”، بل يعاني العشرات من ممارسة ضباط قوات النظام في مناطق جنوبي القامشلي. وتم الاستيلاء على عدد من الأراضي في وقت سابق بحجة كونها “خط اشتباك”، وكان الضباط يكلفون أشخاصاً محسوبين عليهم بزراعتها وحصادها، رغماً عن أصحابها. كما تقوم حواجز النظام في مدخل القامشلي بأخذ مبالغ مالية ضخمة على شكل إتاوات من المزارعين مقابل السماح لهم بالدخول والخروج من المدينة لشراء مستلزمات الحصاد أو بيع جزء من المحصول في السوق السوداء. كما أن تنظيم “الدولة” كان خلال تواجده في المحافظة قد أثقل كاهل المزارعين بتصرفات عناصر “ديوان الزكاة” والاتاوات الكبيرة المفروضة على أصحاب الأرض.

ويعاني سكان الجزيرة بشكل مضاعف بسبب اعتمادهم بشكل شبه كلي على زراعة القمح، وخضوعهم لسلطات الأمر الواقع التي تعرف قيمة هذه الثروة الاقتصادية، وتحاول الضغط على السكان لإجبارهم على قبول مشاريعها المختلفة.
المدن

اترك رد

Translate »