تقاسم النفوذ في سوريا:روسيا ترفض حلفاً مع إيران

بلغ الصراع على سوريا مرحلة يجد كل طرف نفسه فيها ملزماً بتحديد مناطق نفوذه ومصالحه، والدفاع عنها، وتوسيع جغرافيتها لتتطابق مع طموحاته السياسية. وتشير تطورات الأيام الأخيرة إلى استعداد سائر هذه الأطراف للذهاب إلى حدود المواجهة المباشرة مع “الخصوم”، وتضييق “مسافات التراجع” معهم إلى أدنى حدودها، منذ أن انخرطت جميعها في المقتلة السورية.

تقول صحيفة الكرملين “فزغلياد” في تعليق لها على تحذير موسكو لطيران التحالف الدولي من التحليق فوق غربي الفرات في سوريا، إثر إسقاط المقاتلة السورية ووقف روسيا العمل بمذكرة التفاهم مع أميركا، بأن هذا التحذير قد أجبر البنتاغون على “تضييق جغرافيته” في سماء سوريا. وتضيف أن الفضاء الجوي السوري قد تم تقسيمه بدقة بين القوات الأميركية والروسية وفق مسار نهر الفرات، حيث يشرف التحالف الدولي على شرق سوريا، بينما تشرف روسيا على غربها. وفي هذا المعنى قد يتحول الفرات إلى الحدود السياسية الفاصلة بين مختلف أجزاء سوريا، التي لا تزال “موحدة شكلياً” حتى الآن. إلا أنه لم يتحدد حتى الآن مصير جنوب سوريا، الذي كانت تدور فيه معارك أقل حدة من تلك التي تدور حتى الآن في الشمال الغربي والشمال الشرقي للبلاد.

وتقول الصحيفة، إن موسكو، وبعد إسقاط الطائرة الإيرانية من دون طيار في جنوب سوريا، قد أدانت بشدة تعزيز الولايات المتحدة الأميركية لقواتها في جنوب سوريا، حيث عمدت إلى نقل منظومات صاروخية جديدة إلى قاعدة التنف، وأنشأت قاعدة جديدة لها هناك.

وتنقل الصحيفة عن المتخصص في شؤون الشرق الأوسط أنطون مارداسوف قوله، إن جنوب سوريا تسيطر عليه قبائل سنية بإشراف الأردن، ويدرب خبراؤه مقاتليها. كما يفترض مادراسوف، أنه قد جرى نقل مقاتلين من “القوات الديموقراطية السورية” من الشمال إلى المنطقة الجنوبية هذه.

وتؤكد الصحيفة، أن مناطق النفوذ السياسي الأخرى في سوريا قد تم تحديدها في الواقع. فشمال غرب البلاد تسيطر عليه دمشق، كما هو معروف، بمساعدة القوات الروسية والإيرانية. أما في الشرق، في محافظة الرقة وقسم من ديرالزور، فتنشط فيه قوات التحالف العربي-الكردي (قوات سوريا الديموقراطية)، الذي يشتد وسطه النفوذ الأميركي. ويرى مارداسوف، أن الولايات المتحدة قد تخفض لاحقاً من تواجدها هناك وتضعها تحت قيادة القبائل العربية، إلا أنها لن تترك هذه المناطق من دون أي إشراف. وهو يرى، أنه كلما انخفض عدد المناطق، التي تسيطر عليها “الدولة الأسلامية”، كلما برز السؤال حول الطرف الذي سيحكم هذه المناطق بوضوح أكبر، وكيف سيحكمها.

ولهذا يعتبر مارداسوف أن مناطق النفوذ ضرورية في سوريا، وإلا سوف تعم الفوضى بدونها. وتشاطره صحيفة “فزغلياد” الرأي وتقول، إن الخبراء الغربيين يعتبرون أن على روسيا والولايات المتحدة الأميركية أن تتقاسما “مناطق المسؤولية” في سوريا، وأن سوريا “لا تستحق المواجهة بين الدولتين النوويتين”.

من جهة ثانية، نقلت وكالة “نوفوستي” الرسمية عن الخبير في قضايا الشرق الأوسط والقفقاز ستانسلاف تاراسوف قوله، إن الولايات المتحدة حددت مناطق نفوذها في سوريا، ولا تسمح لأحد بالإقتراب منها. وليس لهذه التقسيمات علاقة بمناطق خفض التوتر، التي تحددت في أستانة وأيدتها الولايات المتحدة، من دون أن تنضم إليها. وهو يعتبر أن الولايات المتحدة تعد سيناريو محكماً لتجزئة سوريا، وسوف تستخدم معركة الرقة من أجل ضم هذه المدينة لاحقاً إلى منطقة نفوذها.

من جانبها، وفي تعليق آخر لها على تطور الحرب السورية في الأيام الأخيرة، تقول صحيفة “فزغلياد” في مقالة نشرتها في 19 حزيران/يونيو، أن العالم الشيعي يتحرك كله الآن؛ فالجيش العراقي شارف مع التحالف الدولي، على إنهاء معركة الموصل، ويلتقي “الحشد الشعبي” العراقي على الحدود مع سوريا مع قوات النظام السوري، وتتفرد قناة “العالم” الإيرانية بنقل الصور الأولى لمشهد اللقاء هذا، مما يشير، مرة إضافية، إلى ولاء المجموعات الشيعية في العراق وسوريا لطهران. ولم تكن القيادة الأميركية مستعدة لمثل هذا المشهد، حيث يظهر أمامها ببطء، لكن بثبات، “الممر الشيعي” الشهير من إيران حتى حدود إسرائيل.

وتمضي الصحيفة بالقول، إن معركة الموصل سوف تنتهي عاجلاً أو آجلاً، وينتهي التحالف العراقي-الأميركي من مشكلة، لكن المشاكل الأخرى سوف تبقى، وستنزلق الحرب، بصورة متزايدة، إلى “سباق مناورات على الأهداف الإستراتيجية على الحدود مع سوريا وفي داخلها”.

في السياق، تساءلت صحيفة “نيزافيزيمايا” الناطقة باسم القوميين الروس، ما إذا كانت “قد بدأت المرحلة النشطة في الحرب الأميركية-الإيرانية”. وقالت الصحيفة، إن إسقاط الطائرة السورية والقصف الصاروخي الإيراني دفع قسماً من المحللين لاعتبار أن الحرب ضد “الدولة الإسلامية” تصبح تدريجياً ستاراً للصدام المسلح بين إيران والولايات المتحدة على الأراضي السورية. وتستشهد الصحيفة بالـ”غارديان” البريطانية، التي قالت إن ترامب يشرع الباب أمام الصراع مع إيران، وأن القوات الجوية الأميركية فتحت النار على القوات الإيرانية في التنف ثلاث مرات خلال الشهر الأخير، وإن الجزء الشرقي من الصحراء السورية يتحول إلى مكان المجابهة بين إيران والولايات المتحدة. كما تنقل الصحيفة عن روب مالي، مساعد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لشؤون الشرق الأوسط قوله، إن “الأمكنة الثلاثة الأخطر على الأرض اليوم توجد في اليمن، وفي المنطقة الواقعة بين شرق سوريا وغرب العراق، وفي قاعات الكونغرس الأميركي”.

وتضيف الصحيفة، إنه حتى كلمات وزير الخارجية ريكس تيلرسون، التي ركز فيها على التغيرات السلمية في العلاقة مع إيران، لم تفهمها طهران سوى أنها عودة إلى كلام جورج بوش عن التغيير السلمي للنظام، بل وأثارت لديها ذكريات انقلاب عام 1953 في إيران.

أما موقف روسيا من الصراع المتفجر بين إيران والولايات المتحدة في الشرق السوري، فقد عبرت عنه وكالة “نوفوستي” في مقالة نشرتها في 19 حزيران/يونيو، نقلت فيها عن سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي شمخاني قوله، إنه “انطلاقاً من إمكانيات الطرفين (روسيا وإيران)، فإنه يمكن الحديث عن إقامة إئتلاف إقليمي فعال يضمن الأمن، ليس في المنطققة فحسب، بل وفي العالم أجمع”. وعلقت الوكالة على قول شمخاني هذا، بأن إيران وروسيا، صحيح أنهما حليفان الآن في التسوية في سوريا، إلا أن تركيا حليف في هذه “الشراكة الإضطرارية” أيضاً. وقالت، إذا وقَّعت روسيا مع طهران إتفاقية عسكرية شكلية، فهي تأخذ على عاتقها حماية إيران من الولايات المتحدة الأميركية، إذ لا تخشى إيران جانب أي طرف آخر سواها في الشرق الأوسط. وتحت مثل هذه المظلة سوف تشعر إيران والتشكيلات الشيعية الموالية لها بحرية أكبر. فإذا كانوا يحاولون الآن عدم إثارة مواجهات مباشرة مع العسكريين الأمركيين، فإنهم إذا ما حصلوا على التزام من جانب موسكو بخوض الحرب إلى جانبهم، فسوف يصبحون اقل صبراً.

إضافة إلى ذلك، فإن كلاً من تركيا وإيران تطمحان إلى دور الزعامة في المنطقة. فإذا ما وقعت روسيا إتفاقية عسكرية مع إيران، فإن موسكو سوف تدفع بتركيا، بشكل تلقائي، إلى معسكر خصومها. وعدا عن تركيا، ثمة العامل العربي أيضاً، الذي يرى في كل من تركيا وإيران قوى مختلفة إثنياً، ويرى في الحالة الإيرانية الشيعية، محاولة لبسط السيادة على العالم العربي. فالعرب كانوا ويبقون مركز القوة الثالثة في الشرق الأوسط، وهم يعادون تركيا وإيران على حد سواء، وفق “نوفوستي”.

كما يوجد أيضاً مركز قوة رابع في المنطقة هو إسرائيل، التي تمكنت من إقامة “علاقات بناءة، إلى حد ما، مع البلدان العربية المجاورة”. أما إيران فهي لا تخفي نواياها في تدمير دولة إسرائيل. وبالتالي، فإن إقامة تحالف شكلي مع إيران يجعل، ليس تركيا فحسب عدو روسيا، بل وإسرائيل ودول الخليج أيضاً، أي الشرق الوسط برمته.

وتمضي “نوفوستي” بالقول، إن روسيا ليست بحاجة إلى زعيم إقليمي جديد، حتى لو كان صديقاً حتى الآن، بل هي بحاجة إلى سلام راسخ في الشرق الأوسط، يأخذ بالإعتبار مصالح جميع اللاعبين الإقليميين. ودور الوسيط النزيه غير المنحاز، يوفر لروسيا في المنطقة مواقع أكثر ثباتاً مع تكاليف أقل، مما يوفره دور شرطي بخدمة زعيم إقليمي.

المدن

اترك رد

Translate »