الرئيسية / دراسات / ما بعد الرقة ودير الزور السيناريوهات المحتملة
ما بعد الرقة ودير الزور السيناريوهات المحتملة

ما بعد الرقة ودير الزور السيناريوهات المحتملة

تمهيد

كانت الرقة أول محافظة تخرج بالكامل عن سيطرة النظام، كما كانت المحافظة الأولى التي تسقط بالكامل تحت سيطرة تنظيم داعش، وربما ستكون أول محافظة ستدار من قبل الأمريكيين بالكامل!
وبغض النظر عن الوقت اللازم للسيطرة على كامل مدينة الرقة، فإنّ هذه السيطرة هي مسألة وقت قريب، حيث يتهاوى التنظيم بسرعة هناك، وهو ما يجعل الأنظار تنتقل إلى محافظة دير الزور، والتي ستكون معركتها أكثر أهمية وتعقيداً من الرقة.
ويصرّ حزب الاتحاد الديموقراطي وذراعه العسكرية قوات سورية الديموقراطية على أن أهالي الرقة هم من سيحكم الرقة بعد إخراج تنظيم داعش منها. لكن هذه التعبيرات لا تحمل الكثير من المعاني سياسياً، وتستهدف عادة الاستهلاك المحلي المحدود، وتجنّب الحديث الفعلي عن نوايا الحزب الحقيقية في هذا الإطار.
وتظهر المؤشرات أن الحزب قد قام بعدد من الخطوات العملية التي تضمن سيطرته على الحكم في المدينة بعد السيطرة عليها، أو على الأقل تضمن جاهزيته للحكم إن سمحت المعطيات الدولية والإقليمية له بذلك. فيما لا تزال استعدادات الأطراف الأخرى المقابلة ضعيفة أو معدومة.
وترتبط معركة الرقة وآلية الحكم فيها بشكل حثيث مع المعركة التالية في دير الزور، حيث ستنعكس المعركة في الرقة على توقيت وشكل المعركة في دير الزور، كما سيؤثّر شكل الحكم في الرقة على طبيعة وشكل الاتفاق الذي سيتم في دير الزور.
ورغم الفاعلية الكبيرة للولايات المتحدة في كل من الرقة ودير الزور، إلا أن المستقبل السياسي للمحافظتين بعد التخلص من داعش يبقى غامضاً، لعدم وضوح السياسة الأمريكية تجاه سورية والمنطقة أولاً، ولأن القرار الأمريكي الحالي في المنطقة الشرقية منوط بوزارة الدفاع دون الجسم السياسي، بما يعني أن التركيز الأمريكي في ملفي الرقة ودير الزور هو عسكري بالدرجة الأولى، ويركّز على إخراج تنظيم داعش دون اعتبار كبير لما بعد داعش.
ويحاول هذا التقرير قراءة السيناريوهات المتوقعة والممكنة لشكل الحكم في كلا المحافظتين بعد إخراج تنظيم داعش، واستقراء مواقف الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين في كل سيناريو.
وتتحدّد السيناريوهات المذكورة في هذا التقرير ضمن المدى القصير، بما لا يزيد عن عام من تاريخ السيطرة على الرقة ودير الزور.

أولاً: المسار الميداني
مسار معركة الرقة
بدأت معركة الرقة بإعلان رسمي من قوات سورية الديموقراطية يوم 6/6/2017، رغم أن التجهيزات للمعركة قد بدأت من قبل فيما عُرف بعملية غضب الفرات بمراحلها الأربعة.
وكانت الولايات المتحدة قد حسمت على ما يبدو قرارها في اقتصار المعركة على الميليشيات الكردية كحليف وحيد على الأرض، رغم الاعتراضات التركية وتوجّس القبائل العربية في المنطقة الشرقية من هذا السيناريو.
وتشارك عدد من المجموعات العربية تحت مظلة قوات سورية الديموقراطية أو بالتحالف معها، لكن مشاركة هذه القوات رمزية إلى حدّ كبير في عددها وفاعليتها، ولا تتجاوز في أفضل الأحوال 10% من مجمل القوات البرية المشاركة في المعركة.
وقد حققت القوات الكردية على الأرض مدعومة من قوات التحالف تقدماً كبيراً في داخل مدينة الرقة، ويعتقد أن المعركة قد تنتهي بشكل كامل قبل نهاية شهر تموز/يوليو.

مسار معركة دير الزور
تشكّل معركة دير الزور مرحلة تلقائية تالية لمعركة الرقة، حيث يتوقع أن ينتقل معظم عناصر تنظيم داعش ممن سيكتب لهم النجاة في تلك المعركة إلى دير الزور.
وقد بدأت المراحل التحضيرية الأولى لمعركة دير الزور بالتزامن تقريباً مع المراحل الأولى لمعركة الرقة، حيث شنّت مجموعات معارضة مدعومة من قوات التحالف هجمات على مدينة البوكمال في منتصف عام 2016. إلا أن التصعيد الأساسي لمعركة دير الزور بدأ في شهر نيسان/أبريل 2017، بعد تحوّل البادية السورية إلى منطقة ساخنة عسكرياً، حيث شهدت البادية معارك بين المجموعات المعارضة وتنظيم داعش، وأخرى بين المجموعات المعارضة وقوات النظام والميليشيات الإيرانية، وخمسة أعمال استهداف أمريكية لقوات النظام والميليشيات الإيرانية التي تحاول التوغل في البادية.
ويعتقد أن المعركة الأساسية في دير الزور لن تبدأ قبل نهاية معركة الرقة، وهو ما يعني أنها قد توجّل حتى نهاية الصيف الحالي.

ثانياً: السيناريوهات الممكنة لحكم الرقة

لم يتّضح إلى الآن شكل الحكم الذي سيتم تطبيقه في الرقة؛ رغم أن المعركة مرشّحة للانتهاء خلال وقت قصير.
ويمكن حصر السيناريوهات الممكنة ضمن ما يلي:
1. حكم كردي برعاية أمريكية
في هذا السيناريو تُسلّم المدينة إلى قوات سورية الديموقراطية، والتي ستقوم بحكمها من خلال هيئة تتحكم بها.
وكانت قوات سورية الديموقراطية قد قامت يوم 18/4/2017 بتنظيم اجتماع لحوالي (100) شخصية عربية وكردية، وانتهى الاجتماع إلى إعلان “مجلس الرقة المدني”.
وتشبه طريقة تأسيس المجلس تشبه طريقة تأسيس (مجلس منبج المدني) الذي تأسس في 5/4/2016 قبل أن تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على منبج في 12/8/2016، وقد تطور مجلس منبج المدني فيما بعد إلى (المجلس التشريع في منبج) و(المجلس التنفيذي في منبج) في 12/3/2017. وسيكون “مجلس الرقة المدني” في الغالب نواةً لمجلس تشريعي وتنفيذي تخطط قوات سوريا الديمقراطية مع حركة المجتمع الديمقراطي ومجلس سوريا الديمقراطية تأسيسه بعد السيطرة الكاملة على الرقة.
وكانت ليلى مصطفى الرئيسة المشتركة لمجلس الرقة المدني هي الرئيسة المشتركة للإدارة الذاتية في تل أبيض، بما يُظهر رغبة حزب الاتحاد الديموقراطي باستنساخ التجارب المماثلة في المناطق الكردية.
ويمكن في هذا السيناريو أن يقوم مجلس الرقة المدني بضمّ الرقة إلى الإدارة الذاتية في وقت لاحق. وكان عمر علوش، مسؤول الاتصال في مجلس الرقة، قد قال في وقت سابق بأن هذه المسألة “سوف تترك للمقيمين في الرقة بعد التحرير”، بما يشير إلى أن هذه النية موجودة لدى الحزب(1) .
وقد قام المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط بريت ماكغورك بزيارة علنية إلى مجلس الرقّة المدني يوم 29/6/2017، ورافقه نائب قائد قوات التحالف في الشرق الأوسط الجنرال روبرت جونز، ومندوبين عن وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون الإنسانية. وشكّلت هذه الزيارة أول اعتراف عملي أمريكي بالمجلس.

معيقات السيناريو
رغم توفّر الواجهة العربية في مثل هذا السيناريو، إلا أنّها ستكون واجهة هشّة لا يمكنها أن تكسب رضى العشائر العربية في المحافظة. كما أن هذا الحل سيُعزّز من حالة الانقسام العربية-الكردية في المنطقة الشرقية، والتي ستؤثّر على معظم المناطق المختلطة في المنطقة الشرقية.
كما أن هذا السيناريو سيلقى معارضة شديدة ومستمرة من تركيا، وسيدفعها للضغط المستمر على هيئة الحكم في الرقة.
لكن حظوظ هذا السيناريو ستبقى مرتفعة رغم التحفظات العشائرية والتركية، وستعمل الولايات المتحدة على تحسين شروط المشاركة العربية في الحكم، وتدفع باتجاه الانتقال إلى السيناريو الثاني.

2. حكم كردي-عربي مشترك
في هذا السيناريو يتم تسليم المدينة إلى هيئة حكم عربية-كردية، على أن يكون فيها الحضور العربي حقيقياً ومؤثراً لا شكلياً كما في السيناريو السابق.
ومن أجل تحقيق ذلك يتم اختيار ممثل قوي للطرف العربي، بحيث يمكن أن يقف نداً إلى ند في وجه الطرف الكردي الذي يملك السلاح، وفوقه شرعية تحرير المدينة.
ويمثل أحمد الجربا مرشحاً قوياً ليكون الطرف العربي المقابل، حيث يحظى سياسياً بدعم روسي-أمريكي وآخر إقليمي، كما بدأ في مشروع تفاهمات مع قوات سورية الديموقراطية في الزيارة التي نظمها تيار الغد الذي يرأسه وحركة التجديد الوطني إلى القامشلي في 11/6/2017.
كما يمكن أن يُمثّل الكيان العربي بهيئة تجمع عدد من الشخصيات العشائرية القوية بالإضافة إلى شخصيات سياسية مثل الجربا، بحيث يتمكن هذا الكيان من تمثيل أوسع طيف عربي ممكن، ويوفّر له الكوادر البشرية التي يحتاجها لمعادلة قوة الطرف الكردي.
وفي حالة الاستعانة بهيئة مشتركة، فإنّه يمكن إشراك فاعلين عرب لديهم علاقات جيدة مع تركيا من أجل إرضاء أنقرة، بعد منعها من المشاركة في معركة الرقة، ومنحها ضمانة بعدم سيطرة الأكراد على المحافظة.
ولن يتمكّن الطرف الكردي في هذا السيناريو من ضمّ الرقة إلى الإدارة الذاتية، ولكنه سيضمن مشاركة قوية في حكم الرقة، وبالمقابل سوف لن يكون بإمكان الطرف العربي فرض خيارات اندماجية مع مناطق أخرى أو إدخال فاعلين جدد دون موافقة الطرف الكردي.

معيقات السيناريو
لا تملك أي مجموعة عربية عسكرية في محافظة الرقة القوة التنظيمية والعددية التي تملكها قوات سورية الديموقراطية، بما في ذلك مجموعة الجربا، وبالتالي فإنّ التفوق العسكري الكردي سيبقى طاغياً على المشهد، وسينعكس على شكل وطبيعة الحكم الذي ستُمارسه هيئة الحكم المشتركة.
لكن وجود مجموعة عربية تحظى بغطاء إقليمي ودولي يمكن أن يُساهم في الحدّ بشكل كبير من استخدام فائض القوة الكردي، حيث لا يرغب حزب الاتحاد الديموقراطي بدوره باستعداء المكونات العربية، كما لا يرغب بخسارة أي من حلفائه الدوليين والإقليميين، والذين سيحتاج لاستمرار دعمهم ومؤازرتهم بعد خروج تنظيم داعش أكثر مما احتاجها أثناء وجوده.
وعليه فإنّ هذا السيناريو سيكون من السيناريوهات الأقوى. وربما يأتي كتطور للسيناريو الأول، والذي سيطبّق في المرحلة التي تلي خروج تنظيم داعش مباشرة على أن يأتي هذا السيناريو من بعده.
3. حكم عربي برعاية إقليمية
في هذا السيناريو يتم التوافق أمريكياً مع قوات سورية الديموقراطية على الخروج من مدينة الرقة بعد إخراج تنظيم داعش، بمقابل ثمن سياسي تحصل عليه الإدارة الذاتية في مناطق أخرى. كما يمكن أن يتم هذا السيناريو من خلال رفع الغطاء الأمريكي عن القوات الكردية، وفتح المجال للقوى الأخرى المناهضة لها باستهدافها، بما سيدفع حزب الاتحاد الديموقراطي إلى سحب قواته من الرقة، نظراً لغياب الحاضنة الشعبية له هناك.
وسيشكّل هذا السيناريو الخيار الأمثل بالنسبة لتركيا، والتي ذكرت في أكثر من مرة أنها حصلت على تعهدات من الطرف الأمريكي بأن لا يستمر الدعم الأمريكي لقوات سورية الديموقراطية أبعد من المعركة مع تنظيم داعش.
وإضافة إلى تركيا، فإنّ العراق وإيران سيفضّلون هذا السيناريو أيضاً، لأن السيناريو الأول والثاني يعني توسّعاً للنفوذ الكردي في سورية، وهو ما لا تفضّله هذه الدول. كما أن النظام السوري بدوره سيفضّل هذا السيناريو لأنه يحدّ من النفوذ المتضخم لحزب الاتحاد الديموقراطي، والذي أخرجه عن نطاق سيطرة دمشق.
معيقات السيناريو
سيشكّل إخراج قوات سورية الديموقراطية من الرقة بعد الجهود والتضحيات الكبيرة التي قدّمتها قوات سورية الديموقراطية خلال معركة السيطرة عليها عمليةً معقّدة، وسيتطلّب إخراجها ثمناً سياسياً كبيراً من إجل إقناع الأكراد بالتخلي عن هذه الورقة المهمة.
كما أن المشهد في المحافظة يخلو في الوقت الراهن من أي قوة عربية منظمّة بما يكفي لتسليمها إدارة المحافظة من النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية، في الوقت الذي تبدو فيه الإدارة الذاتية متقدّمة بأشواط كبيرة على كل الفاعلين الآخرين في هذا المجال.
ثانياً: السيناريوهات الممكنة لحكم دير الزور

تختلف سيناريوهات محافظة دير الزور عن نظائرها في محافظة الرقة لعدّة اعتبارات، من بينها ارتفاع تأثير فاعلين إقليميين وانخفاض تأثير آخرين. حيث يمتلك الأردن تأثيراً أكبر على المعركة، فيما ينخفض التأثير التركي هناك.
كما تُظهر إيران وميليشيات الحشد الشعبي العراقية المدعومة منها وقوات النظام السوري رغبة بالمشاركة في المعركة، وبالتالي الحضور في منظومة الحكم المستقبلية للمحافظة.
وتشترك المحافظتان في وقوعهما ضمن منطقة النفوذ الأمريكي، وبالتالي فإنّ الرؤية الأمريكية لمستقبل هذه المنطقة ستؤثّر كثيراً على حجم ونوع الفاعلين الذين يمكن أن يُشاركوا في معركة إخراج تنظيم داعش، وشكل الحكم الممكن.
كما تشترك المحافظتان في أهميتهما الاقتصادية من ناحية الموارد الطبيعية، وخاصة النفط، بما يجعل السيطرة عليهما مطلباً لكل الفاعلين الإقليميين والدوليين.
ويمكن حصر السيناريوهات المتوقعة لحكم محافظة دير الزور بعد إخراج تنظيم داعش منها فيما يلي:
1. حكم كردي-عربي
يُشكّل الأكراد نسبة محدودة ولا تذكر من سكان محافظة دير الزور، وبالتالي فإنّ إمكانية الحكم الكردي المنفرد للمحافظة تبدو ضعيفة بشكل مطلق، حتى لو انفردت قوات سورية الديموقراطية بالسيطرة عليها.
لكن الفاعلية العسكرية للقوات الكردية والدعم الأمريكي يمكن أن تضمن لحزب الاتحاد الديموقراطي مشاركة فاعلة في هيئة حكم عربي كردي مشترك، لا تكون للحزب فيها اليد العليا، لكنه يضمن من خلالها تمدداً نحو الجنوب الشرقي الذي كان خارج خارطته تماماً حتى الآن.
وبالمقابل، ستكون مجموعة من الأطراف العربية ممثلة في هيئة الحكم، مدعومة بغطاء أمريكي وآخر إقليمي. وستشمل هذه المجموعاتُ الفصائلَ العربية المشاركة في المنطقة الشرقية أو ممثلوها السياسيون والعشائريون. ومن أهم هذه الفصائل جيش المغاوير وقوات النخبة وجيش العشائر.
معيقات السيناريو
رغم الدور العسكري المطلوب لقوات سورية الديموقراطية، فإنّ قدرة الطرف الكردي على المشاركة في حكم دير الزور سوف تكون محلّ رفض محلي وإقليمي أكثر بكثير من حالة نظيرتها في الرقة، وبالتالي فإنّ حزب الاتحاد الديموقراطي سيحتاج إلى تقديم تنازلات كبيرة للأطراف العربية المحلية والأطراف الإقليمية مقابل السماح له بالمشاركة في هيئة الحكم.
2. حكم عربي برعاية أمريكية
في هذا السيناريو يتم تشكيل مجلس للحكم من شخصيات عربية، فيما يتولى الطرف الأمريكي إدارة المشهد في المحافظة، في استعادة لسيناريو برايمر العراقي في عام 2003.
في هذا السيناريو لن يحصل الطرف الكردي على حصة وازنة في حكم المحافظة، وربما تحصل قوات سورية الديموقراطية على تمثيل رمزي في هيئة موسعة من الشخصيات العربية.
وسيساعد مجلس الحكم على تمثيل كل الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بملف دير الزور، بما يحفظ مصالح هذه الأطراف بشكل نسبي وفقاً لأوزانها السياسية والعسكرية. وستكون الكفة راجحة لصالح التمثيل الذي تختاره واشنطن، وشركائها في المنطقة، وخاصة الأردن. فيما ستحصل إيران وروسيا على وجود في داخل المجلس دون إمكانية التحكم فيه.
معيقات السيناريو
واجهت المشاريع التجميعية القائمة على المحاصصات السياسية بين الدول فشلاً كبيراً في سورية خلال السنوات السابقة على المدى المتوسط والبعيد، وإن كانت قد حصلت على درجة محدودة من النجاح في امتصاص أزمات المواجهة بين الفاعلين على المدى القصير أو القصير جداً.
وعلى خلاف الأجسام التوافقية التي شهدتها المعارضة السياسية منذ عام 2011، فإنّ مجلساً لحكم دير الزور سيكون أمام استحقاق التعامل مع واردات مالية ضخمة نتيجة لبيع النفط الموجود في المحافظة، وبالتالي فإنّ الوصول إلى آلية توافقية لتوزيع هذه الموارد سيكون مهمة شاقة قد تؤدّي بالمجلس للعودة إلى المربع الأول للخلاف على حكم المحافظة.
3. تقسيم المقسّم
في هذا السيناريو لا تتمتّع دير الزور بحكم موحد كوحدة إدارية واحدة كما كانت قبل عام 2011. ويتم تقسيمها بين عدد من الفاعلين، بما يضمن توزيع الثروات فيها عليهم، ويمنع تغلّب أحدهم بشكل مطلق.
تسيطر قوات النظام، ممثلةً للطرفين الروسي والإيراني، على شرق الفرات، مقابل قيامها بالمشاركة بفاعلية في معركة دير الزور، مقابل سيطرة أطراف عربية مدعومة أمريكياً وإقليمياً على غرب الفرات.
ويمكن في هذا السيناريو أن يتم دمج الطرف العربي الخارج عن سيطرة النظام مع محافظة الرقة. ويتم تقسيم النفوذ في المنطقة الموسعة بين عدد من الأطراف العربية، مدعوم تركياً أيضاً.
ويضمن هذا التقسيم محاصصة أولية بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى، ويؤجّل المواجهة بين الطرفين إلى المدى المتوسط على الأقل.
معيقات السيناريو
يتطلّب هذا السيناريو توصلاً إلى اتفاق لتقسيم النفوذ بين واشنطن وموسكو وطهران في المنطقة الشرقية، وبشكل تتنازل فيه الولايات المتحدة عن جزء كبير من المحافظة لصالح الطرف الروسي والإيراني.
ورغم اللقاءات المستمرة بين الطرفين، إلا أنهما لم يتوصلا بعد إلى اتفاق حول دير الزور، نظراً لارتباطه بتوافقات حول ملفات أخرى أهمها المنطقة الجنوبية، والتي تحتاج روسيا وإيران إلى تقديم تنازلات فيها قبل الحصول على موطئ قدم في معركة دير الزور.
4. حكم كردي برعاية أمريكية
في هذا السيناريو يتم تسليم المحافظة أمريكياً إلى قوات سورية الديموقراطية، والتي بدورها ستشكّل مجلساً مدنياً لحكم المدينة، على غرار مجلس الرقة المدني، يضم في غالبيته شخصيات عربية، على أن تبقى السيطرة الفعلية لحزب الاتحاد الديموقراطي.
وسيحظى هذا الكيان بحماية أمريكية مباشرة من خلال قواعد عسكرية أمريكية دائمة في المحافظة. ويمارس ضابط عسكري أمريكي دور الحاكم الفعلي الأعلى للمحافظة.
وسيُساعد هذا السيناريو في دعم الوجود الأمريكي لمدى طويل في المنطقة، حيث ستحتاج قوات سورية الديموقراطية لهذا الوجود بشكل مطلق لضمان سيطرتها على المحافظة التي لا تملك فيها أي حاضنة شعبية، وبالمقابل فإنّ المجموعات العربية ستجد في القوات الأمريكية حماية لها من عسف الميليشيات الكردية، رغم حالة عدم الرضا التي يعتري العشائر العربية من شكل الحكم المعتمد.
وإلى جانب العشائر العربية، فإنّ القوى الإقليمية في المنطقة، وخاصة تركيا والسعودية والأردن، سوف ترفض هذا السيناريو بشكل كبير، إلا أنّ الولايات المتحدة لن تستجيب لمطالبها بتعديل شكل الحكم، حيث يوفر هذا الشكل للسياسة الأمريكية فرصة تحييد هذه القوى في المنطقة الشرقية، ويحدّ من قدرة أي طرف من الأطراف المحلية أو الإقليمية على تغيير قواعد اللعبة منفرداً.
معيقات السيناريو
لا يتمتع هذا السيناريو بفرص حقيقية، ولا يتوقع أن تقوم الولايات المتحدة باعتماده إلا في حالة رغبتها بتكرار السيناريو العراقي بكل تفاصيله، وهو ما لا يبدو ضمن الرغبات الأمريكية حالياً.
سيؤدّي تسليم المحافظة بكل مواردها إلى حزب الاتحاد الديموقراطي رغم غياب أي مكون كردي في المدينة إلى حالة من السخط والغضب لدى العشائر العربية في المحافظة، وسوف تقوم دول الجوار، جنباً إلى جنب مع النظام السوري وإيران، بتأجيج فكرة الاحتلال الأمريكي-الكردي لدير الزور، على غرار الحملات الإعلامية التي شهدتها المنطقة العربية بعد عام 2003.
كما ستقوم عدد من الأطراف بدعم العشائر في المحافظة لتشكيل مجموعات مقاومة لاستهداف القوات الأمريكية والكردية، بما سيدخل المحافظة في دوامة عنف جديدة، ويسمح لتنظيم داعش والمجموعات المتطرفة الأخرى بإعادة التشكّل داخل المحافظة، خاصة وأن تنظيم داعش سيكون لديه عدد كبير من المتعاطفين أو حتى الخلايا النائمة داخل المحافظة، وبالتالي فإنّ إعادة تشكّله فيها سيكون أسهل من المناطق التي لم يقم بدخولها من قبل، ولم يقم بتنفيذ برامجه التعليمية على أطفالها لعدة سنوات.

الهوامش:

1- When IS group reign ends, who will rule Syria’s Raqa?, The Daily Mail, 8/6/2017

جسور للدراسات

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: