داعش يحتسب و”لا أصدقاء الرقة” يحتسبون أيضاً

النتيجة التي لا تحتاج إلى برهان أن أصدقاء سوريا ساهموا في خراب ثورتها على قدم المساواة مع النظام الأسدي وداعش. وهذان ساهما بشكل مباشر، وبما استطاعا في الوقت الممنوح لهما من ما يدعى “أصدقاء سوريا”، في تشتيت القوى الحية للثورة، وإماتة كل شيء سوى الأمل الذي يحتاج إلى تربية لتعود الثورة ثورة من جديد

وعلى الأقل، لا يصح هنا المثل “عدو عدوك صديقك” في ما يتعلق بعلاقة داعش بالنظام الأسدي، فكل منهما يدَّعي العداوة للآخر، لكنه يقاتل ما تبقى من الثورة فقط، أو روح تلك الثورة التي لم تعلن موتها. يصح ذلك الوصف على قوى أخرى أعلنت العداء للنظام الأسدي، لكنها ساهمت بقدر كبير في خراب الثورة السورية، وأبرزها جبهة النصرة المتغيرة الأسماء الثابتة الأثر الكارثي.

وفي العراق ما يشبه ذلك، فالموصل تحررت بمساندة كبيرة من “الحشد الشعبي”، الشيعي في معظمه، بعد تدمير الموصل، ونزوح معظم سكانها، بعد قتل حوالي 40 ألف مدني فيها خلال أكثر من ثمانية أشهر.

هذا بينما نشر داعش فيديو لرتل من السيارات الخارجة من الموصل في اتجاه ديرالزور على الطرف الآخر من الحدود الدولية، لكن دون تأكيد على تاريخ تصوير الفيديو.

وإن صح ذلك، فهو تأكيد على المؤكد، ففي مدة الفيديو (2.19 دقيقة)، يمر رتل من أكثر من 24 سيارة تسير بهدوء، مع أصوات تردد “الدولة باقية بإذن الله”، بعيداً عن استطلاع أمريكا، وأقمارها الصناعية، واستخباراتها.

أصدقاء سوريا أنفسهم مكنوا بغفلتهم داعش العراق من الموصل قبل ثلاث سنوات، وخلال ساعات. قبل ذلك، مكنوا داعش سوريا من الرقة بتجاهلهم خطر التنظيم على المدينة، ثم المحافظة التي تعادل مساحتها ضعفي مساحة لبنان. وبتراخيهم في محاربة داعش، وبالإعلان عن أن القضاء على داعش يحتاج إلى سنوات، استمرت طائراتهم في قتل المدنيين، وما تصادف وجودهم من عناصر داعش وقت الغارة.
الأصدقاء، أيضاً، لقموا الفصائل الإسلامية مالاً كثيراً كي ينفذوا ما يأمرهم به صاحب المال، فتقاتلت الفصائل في ما بينها، أو تقاعست عن قتال النظام الأسدي، وأبدلت شعار ثورة الحرية بشعار “ما خرجنا إلا لنصرة هذا الدين”.
في الرقة، وبينما لا يزال النزال البري مؤجلاً بين “قوات سوريا الديمقراطية” و”قوات النخبة” من جهة، وبين داعش من جهة أخرى، ترسل طائرات الأصدقاء كل أنواع الموت للمدنيين كل ساعة، بالتزامن مع القصف المدفعي من القوات البرية. وننتظر بعد وقت لن يطول صور دمار مطابقة للدمار الذي رأيناه في الموصل، وفي حمص قبل ذلك.

وإذا كان تدمير النظام الأسدي لحمص مفهوماً، بعد تشريد أعداءه منها بين نزوح ولجوء، فغير المفهوم أن يقتل “صديقك” أهلك، ويدمر بيتك. وحتى لو ادَّعى “صديقك” أن داعش هو العدو وهو الهدف، وأنَّ قتل المدنيين، وتدمير بيوتهم، جاء عرضياً، وأن سبب مقتل نسبة من المدنيين هو تمترس داعش وراءهم، يبقى أن أعداد القتلى فوق الاحتمال، خاصة أن استخبارات الأصدقاء، وطيرانهم الصديق، لم يقدم إحصائية واحدة عن عدد قتلى داعش. والخوف كله أن يدعي “الأصدقاء” أن كل القتلى هم دواعش، فإعلام “قسد” ينشر أخباراً عن القتلى المدنيين بألغام داعش، متجنباً الإشارة إلى القتلى المدنيين الهاربين من الرقة برصاص قناصته.

وحتى اليوم، يبدو أن بداية معركة الرقة ستكون أبطأ من معركة الموصل التي انتهت، أو أوشكت، مع الفارق الكبير بين المدينتين من حيث المساحة وعدد السكان. فعدد سكان الموصل كان يصل إلى 1.2 مليون نسمة عام 2014، نزح منهم تباعاً قبل المعركة وبعدها عدد يصل إلى 925 ألفاً، بينما لا يصل عدد سكان الرقة إلى 600 ألف نسمة، نزح أو لجأ أكثرهم إلى دول الجوار وأوروبا. والتقديرات كانت تشير، قبل معركة الرقة، إلى أن ما تبقى منهم لا يتعدى 150 ألف مدني. وتزامناً مع الإشاعات حول بدء المعركة، ومنذ نهايات مارس (آذار) الماضي، نزح أكثر من 50 ألفاً من المدينة. لكن ما لم تقله تلك التقديرات هي نسبة النازحين إلى الرقة من مدن ومحافظات أخرى (حمص، ديرالزور، السخنة، تدمر، ريف دمشق… إلخ) إلى عدد من تبقى من السكان في الرقة.

وبعد حوالي شهر من بدء “لا معركة الرقة”، لم تحصل اشتباكات سوى التي بادر بها داعش في المناطق التي خسرها في اليوم السابق، ليعيد نقاط الاشتباك إلى لحظة الصفر، ويبدأ الطيران والمدفعية بالقصف من جديد، تمهيداً لتقدم القوات البرية في اليوم التالي، مع ما يعنيه ذلك من مزيد الدمار والقتل العشوائي للمدنيين.

في الموصل، تم التمهيد للمعركة بتطويق المدينة من ثلاث جهات حتى لا يحاصروا القط الشرس في غرفة مغلقة. أما في الرقة فتم تطويق المدينة من جهاتها الأربع، بعد شهور من ترك جهتها الجنوبية حرة لهرب قادة داعش.

ستنتهي معركة الرقة، كما انتهت معركة الموصل، وكما انتهت معركة عين العرب – كوباني، ومعركة منبج، دون أن يجد المهاجمون أثراً لداعش، حياً أو ميتاً، بعد أن أمر الناس، في زمن قوته، بإطالة اللحى وتقصير الثياب، وحجب وجه المرأة وجسدها وراء نقاب.

ما أسهل ذلك، فحين يدرك داعش أن حكمه انتهى في الرقة، سيحلق عناصره اللحى، ويرتدون ثياباً تشبه ثياب البشر! مع التذكير هنا أن إحدى استعدادات داعش لمعركة الرقة كانت بإجبار الناس على ارتداء الجلابية الرجالية “دشداشة”، أو اللباس الأفغاني المعروف، حتى لا يميز “أصدقاء الرقة” المهاجمين بين الداعشي وغير الداعشي.

على كل حال، كان “أصدقاء الرقة” أذكى من داعش، فقصفوا كل شيء من بعيد، ودمروا كل مبنى يقع على مسار الصواريخ، دون أن يقتربوا بما يكفي لتمييز الناس من ثيابهم، فقتلت القذائف الناس بالظن، أو الاحتساب، حسب اللغة الاصطلاحية السلفية لداعش.

24

اترك رد

Translate »