لماذا انهارت “حركة أحرار الشام”؟

عقيل حسين
عندما سخر بعض قادة حركة “أحرار الشام الإسلامية” من انتقاد طال الحركة، بسبب خلاف طرأ بينها وبين بعض المنضمين إليها من فصائل “الجيش الحر” التي هاجمتها “جبهة فتح الشام” في شباط/فبراير 2017، بالقول: “إن هؤلاء يهرلون إلى الحركة من أجل حمايتهم، ثم يقومون بالتهجم عليها”، لم يخف الكثيرون في ردهم أن “أحرار الشام” لن تستطيع الصمود أمام “هيئة تحرير الشام” في حال قررت مهاجمتها، أكثر مما صمد من سخرت منهم.
طبعاً لم يكن هذا التصور مجرد رد فعل أو تحليل طارئ، بل كان تصوراً يلقى تأييداً متصاعداً لدى كل مطلع على واقع الفصائل وتفاصيل حالها. داخل “الحركة” نفسها، لم يكن مثل هذا التصور غائباً، وإن لم يكن بالمستوى نفسه والتقديرات ذاتها.

أحد الكتاب المرتبطين بـ”الحركة”، وفي سياق تعليقه على الضربة القوية الأخيرة التي تلقتها “أحرار الشام” على يد “هيئة تحرير الشام”، أكد أن “أحرار الشام تم إضعافها أو السعي لإنهائها بقرار دولي واضح المعالم”. وبحسب الكاتب، فإن أسباباً متعددة تقف خلف هذا القرار؛ فـ”أحرار الشام حركة إسلامية وسطية مقبولة شعبياً واجتماعياً، وتمكنت من إقامة علاقات دولية متزنة ومقبولة مع الكثير من الدول، فلم يستطيعوا إيجاد مأخذ يمكنهم من تصنيفها بالإرهاب، كما ولم يستطيعوا ترويضها لتكون أداة وظيفية لهم، حيث لم تعلن عداوة المجتمع الدولي و الحرب عليه، ولم تتخلَ عن ثوابتها الشرعية والوطنية التي أرادوا أن يفرضوا عليها التنازل عنها”.

تعليق يتفق مع ما غرد به الناشط في الثورة السورية، الكاتب أحمد أبازيد، في “تويتر”، بالقول: “‏عندما قررت الأحرار أن تتجه للشعب والجيش الحر أول مرة، قُتِلَ قادتها جميعاً، ‏وعندما تبنت أهداف وعلم الثورة والقانون الموحد، قضي عليها.. ‏مصادفة غريبة!”. وأبازيد لا يكتفي بالطبع بإعادة ما حدث لـ”الأحرار” إلى “نظرية المؤامرة الدولية”، فقط، خاصة أن الأسباب التي بررت بها “هيئة تحرير الشام” هجومها الأخير والشامل على “الحركة” بهدف انهائها، تتوفر وبدرجة أكبر لدى ما تبقى من الفصائل الأخرى، الإسلامية وتلك التي ترفع شعار الجيش الحر شمالي سوريا. كما ولا تزال ملابسات حادثة الاغتيال الجماعي لقادة “الأحرار” التي وقعت في ريف إدلب في أيلول/سبتمبر 2013 غامضة. إلا أن ذلك يجب ألا يغفل الأسباب الداخلية والموضوعية التي أدت بـ”الحركة” إلى الموقف الذي باتت عليه اليوم.

أكثر المتحدثين في هذه الأسباب، حتى من داخل “الحركة” ومؤيديها، لا يتحرجون من الإشارة إلى جملة معطيات وأسباب قريبة وبعيدة، أفضت بـ”أحرار الشام” إلى النتيجة الحالية، التي بدت في النهاية منطقية، بل وحتمية، في ظل عجز “الحركة” عن معالجة بعضها أحياناً، أو عدم الاهتمام ببعضها الآخر، ناهيك عن قسم آخر كان قد فات الوقت على امكانية معالجته، وأصبح خارج السيطرة فعلياً.

واذا كان هناك من يذهب بعيداً ليعود إلى لحظات البداية والتأسيس، نهاية العام 2011 على يد الراحل حسان عبود “أبو عبدالله الحموي”، انطلاقاً من منطقة سهل الغاب في ريف حماة، المنطقة التي تحصنت فيها آخر قوات “الحركة” المتبقية اليوم، وما سجلته تلك اللحظة من بداية للتمايز عن “الجيش الحر” باسم “الإسلامية”، وما أفضى إليه ذلك ختاماً، فإن “أحرار الشام” قد لا تكون الوحيدة في هذا السياق، إذ شهد الفضاء السوري، ابتداءً من تلك اللحظة، ولادة العديد من القوى الإسلامية السلفية، وغير السلفية أحياناً. “الحركة”، كما يرى من يرفض تحميلها هذه المسؤولية بمفردها، كانت السباقة إلى تسجيل المراجعات القوية على يد الجيل الراحل من قادتها، بينما تأخر غيرها كثيراً كـ”جيش الإسلام” على سبيل المثال.

وكذلك الأمر على صعيد احتضان “جبهة النصرة” وتقويتها، قبل وبعد انفصالها عن تنظيم “الدولة الإسلامية”، إذ يرى هؤلاء أيضاً أن “أحرار الشام” لم تكن الوحيدة التي قامت بذلك، بل قد لا يوجد فصيل لم يفعل ذلك تقريباً، بشكل أو بآخر، ولأهداف متعددة.

لكن إذا كان بالإمكان تجاوز ذلك فعلاً، فإن ما لا يمكن تجاوزه بالنسبة لـ”الحركة” هو موقفها البراغماتي من قضية الهجمات المتتالية التي شنتها “جبهة النصرة” منذ العام 2014 على بقية الفصائل. وتراوح موقف “الحركة” ما بين السكوت والرضى، إلى المشاركة أحياناً وإن بشكل غير مباشر في هذه الحملات، عبر بعض قطاعاتها، ما أتاح لها وعلى الدوام، تحقيق فوائد مختلفة، توجت بالاستحواذ على المعابر الحدودية مع تركيا في محافظة إدلب، ناهيك طبعاً عن أسلحة وبقايا قوات هذه الفصائل. “الحركة” عادت وفقدت معظم تلك المكتسبات في المواجهة مع “هيئة تحرير الشام”، منتصف تموز/يوليو 2017.

لكن كل ذلك لم يكن ليحدث، بحسب الكثيرين، لولا سلسلة القيادات الضعيفة التي توالت على “الحركة” بعد رحيل القادة المؤسسين، نهاية العام 2013، الحدث الذي لا يكاد يختلف اثنان على أنه كان السبب الرئيس والأهم الذي أفضى بـ”الأحرار” إلى هذه النتيجة، إذ إن غياب القيادة القوية يعتبر عاملاً حاسماً.

فمن هاشم الشيخ “أبو جابر” 2014-2015، إلى مهند المصري 2016، إلى علي العمر 2017، عاشت “حركة أحرار الشام” سلسلة طويلة من الانقسامات والصراعات الداخلية، التي لم تجد قائداً يمتلك الكاريزما والحزم للسيطرة عليها. ما جعل حتى من صيغة العمل المؤسساتي التي سعت الحركة لتعميقها، كي تكون بديلة وحامية، أمراً غير ذي جدوى، نتيجة افتقاد هذه المؤسسات القوة التي تحميها، وكذلك القناعة الذاتية بها، وهي مشكلة عموم قوى الثورة والمعارضة السورية على أية حال.

وبعد أن دفعت “أحرار الشام” ثمن إحجام آخر من تبقى من قادتها المؤسسين عن التصدي لمهمة قيادتها، بعد حادثة أيلول/سبتمبر 2013، (خالد أبو أنس، وهو أحد الثلاثة المتبقين من جيل المؤسسين، المرشح المنتظر لهذه المهمة) تصدر أبو جابر الشيخ وفريقه المشهد. والشيخ كان معارضاً للكثير من المراجعات التي أطلقتها “الحركة” سابقاً، وما استتبع ذلك من نكوص نسبي عن تلك الخطوة المشجعة بالنسبة للكثيرين، حتى بدأت “أحرار الشام” بمواجهة الخلافات الداخلية والانقسامات.

وبينما يعتقد الكثيرون أن أول هذه السلسلة بدأت مع فشل هاشم الشيخ في العودة لمنصب قائد الحركة في أيلول/سبتمبر 2015، فإن هذه الانقسامات كانت قد بدأت فعلياً في فترة ولايته الأولى، حيث أعلن بعض القادة، وإن كان من دون ضجيج كبير، خروجهم من “الحركة” وتأسيس “جيش الشام” منتصف العام 2015، قبل أن يعودوا إلى “أحرار الشام” مجدداً، بعد انتخاب المهندس مهند المصري خلفاً للشيخ.

لكن فترة الوئام التي تلت هذه الخطوة، لم تكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة، التي انفجرت بالفعل مع اقتراب موعد انتخاب قائد جديد للحركة نهاية العام 2016، وما شهدته من خلافات بين الفريق المحسوب على قوى الثورة، وبين الفريق المحسوب على التيار الجهادي، بقيادة كل من أبي جابر الشيخ، وأبي صالح الطحان، وأبي محمد الصادق. هذا الخلاف الذي بلغ ذروته مع تشكيل هذا الفريق كتلة عسكرية متمايزة داخل “الحركة” للضغط على قيادتها، باسم “جيش الأحرار”، بهدف إعادة انتخاب أبي جابر رئيساً لها، قبل أن يقع الاختيار على المهندس علي العمر كرئيس توافقي بين الفريقين. ومع ذلك لم يتم حلّ المشكلة، إذ انفصل “جيش الأحرار” عن “الحركة” في شباط/فبراير 2017، لينضم إلى “هيئة تحرير الشام”، التي اختارت مكوناتها أبو جابر الشيخ قائداً لها.

وبعد رحيل هذا الفريق بشكل نهائي عن “أحرار الشام”، توقع الكثيرون أن تستعيد “الحركة” عافيتها، وتعود لممارسة دورها على الأرض كأكبر فصيل عسكري في المعارضة، خاصة بعد استفادتها للتو من قوات خمسة من الفصائل الأخرى التي هاجمتها “جبهة النصرة” وانضمت إلى “الأحرار” مطلع العام 2017. لكن الزمن والتراكمات كما بدا، قد فتكا بـ”الأحرار” بأسرع وأقوى مما يمكن معالجته خلال أربعة أو خمسة أشهر.

وعلى الرغم من أن القيادة الجديدة لـ”الأحرار” قد وجدت كل الظروف مهيأة لها من أجل إعادة التنظيم والهيكلة، حيث لا انقسامات ولا خلافات، وحيث الموارد والأعداد الكبيرة، والأهم، حالة الهدوء عسكرياً على الجبهات مع قوات النظام بعد الخروج من حلب، إلا أن ذلك كله لم يكن كافياً على ما يبدو لإعادة الحيوية والحضور لـ”الحركة”. وظهر ذلك جلياً عندما انهارت “الحركة” خلال ثلاثة أيام فقط من المواجهة مع “هيئة تحرير الشام”، فخسرت معظم مواقعها، وجزءاً كبيراً من قواتها، ما بين مستسلم أو معتزل للقتال أو مبايع لـ”الهيئة”. الأمر الذي جعل الكثيرين يعودون لطرح السؤال الحائر: أين المشكلة إذاً بعدما عاد الانسجام لـ”الحركة” وتخلصت من الانقسامات، وكان لديها أكبر عدد من القوات، وأضخم ترسانة أسلحة بين جميع الفصائل؟

سؤال صادم كان من البديهي أن يطلق العنان لنظرية المؤامرة الدولية، خاصة وأن أثر الصفعة ما زال قوياً، لكن ذلك، ومع عدم اغفال هذه النظرية بالمطلق طبعاً، لا يعني القفز على جملة من الأسباب الموضوعية الداخلية، التي كان لها في النهاية التأثير الحاسم في ما آلت إليه واحدة من أكبر الحركات الإسلامية المسلحة.

يبدو لافتاً هنا ما كتبه الناشط في الثورة السورية ورد فراتي، في تعليقه على ما جرى، عندما أشار إلى عامل مهم غاب عن الكثيرين في الواقع، وهو عامل الانتماء المناطقي. ويؤكد فراتي على أن “هيئة تحرير الشام” نجحت، وعلى المدى الطويل، بتعطيل جزء كبير من قوات “حركة أحرار الشام” المنتشرة على مساحات واسعة، من خلال اللعب على العامل الاجتماعي، وذلك بوضع قدم لها في كل تجمع سكاني تواجدت فيه “أحرار الشام”، بينما غاب عن الأخيرة مجاراة خصمها الحتمي في ذلك.

ويرى فراتي في منشور مطول له في “فايسبوك”، أن “جبهة النصرة”، ومنذ ما قبل فك ارتباطها بتنظيم “القاعدة” وتغيير اسمها، عملت على تأسيس مجموعات لها في معظم المدن والبلدات والقرى التي كانت فيها “حركة أحرار الشام” ذات النفوذ الأقوى، حتى إذا ما جاءت لحظة المواجهة، لم يكن بإمكان قوى الحركة في هذه التجمعات على غلبتها العددية، إلا الرضوخ لضغط العامل الاجتماعي، وإعلان الحياد منعاً للاقتتال بين أبناء المنطقة الواحدة، بل وحتى العشيرة أو العائلة الواحدة، الأمر الذي حيّد عدداً كبيراً من مقاتلي “أحرار الشام”، مقابل أعداد يسيرة من “الجبهة”، التي استفادت بالمقابل من كتلها المتماسكة الكبيرة في القتال، كتلة صلبة وفرها لها استحواذها الكامل على مناطق عديدة لا ينازعها فيها منافس، بالإضافة طبعاً إلى عدد غير قليل من الوافدين إلى الشمال، من النازحين من مناطق سورية أخرى، وكذلك من غير السورين (المهاجرين)، المتخففين من هذا العبء في النهاية.

وإلى جانب هذا، وغير بعيد عنه من حيث المبدأ، يأتي العامل الإيديولوجي، الذي كان طليعياً في حسم المواجهة، كما يتفق الكثيرون، إذ استفادت “الجبهة” وشركاؤها دائماً، وفي كل مواجهاتها مع الفصائل الأخرى، من قدرتها على حشد المقاتلين باستخدام المصطلحات والشعارات الدينية، والدعاية الإيديولوجية المكثفة، بشكل جعلهم أكثر إقداماً وجاهزية على مواجهة مقاتلي تلك الفصائل، والتي افتقدت بدورها هذه الميزة، منذ مرحلة القتال مع تنظيم “الدولة”.

هنا يطرح البعض مسألة الهوية والمشروع الواضح الذي افتقدته “حركة أحرار الشام” وهي تعيد صياغة نفسها المرة تلو الأخرى دون اتمام للمهمة، مثلها مثل عموم فصائل الثورة والمعارضة، التي لم تستطع، رغم سقوطها في فخ المزاودة الدينية مع غريمين متمرسين في هذا المجال، من الوصول إلى معادل ناجز، بين الهوية الإسلامية والمشروعية الثورية إلا بمواجهة قوات النظام وحلفاءها، لكن ليس بمواجهة حلفاء الأمس أعداء اليوم من التنظيمات الجهادية، حتى في حالة الدفاع عن النفس، إلا ما ندر.

لكن هذا لا يعني أن الفرق يكمن في هذه الناحية وحسب، بل يجب الإقرار بأن التنظيمات الجهادية تفوقت على بقية الفصائل، وأولها “أحرار الشام”، من الناحية التنظيمية والانضباطية والأمنية، بينما عانت “الحركة” وغيرها، من التضخم العددي وتدنى مستوى الانضباط والشعور بالانتماء الجمعي للفصيل، الأمر الذي جعلها غير قادرة على التحرك والتحكم المرن في اللحظات الحرجة. وحدهما حركة “نورالدين زنكي” في الشمال، و”جيش الاسلام” في ريف دمشق أثبتا عكس ذلك، وهذا طبيعي نتيجة تمايزهما عن بقية الفصائل المحلية على هذا الصعيد، الأمر الذي يفسر إلى حد كبير استمراريتهما، رغم كل التحديات التي واجهتهما.

بالتأكيد هذه ليست كل الأسباب التي أتت في النهاية على قوة حركة “أحرار الشام الإسلامية”، بعد نحو ست سنوات من تأسيسها وانتشارها وتوسعها، وبالطبع يتداخل التنظيمي مع المحلي مع الدولي في كتابة الفصل الأخير، على الأقل حتى الآن. فأنصار “الحركة” الكثيرين، وبعض قادة الصف الثاني منها، نشطوا عقب الهزيمة التي تلقتها مؤخراً، لبث الأمل ورفض أي حديث عن نهاية “الأحرار”، بينما يلاحظ الغياب الكامل لقادة الصف الأول عن التصريح أو الظهور الإعلامي، الأمر الذي يفسره طرف على أنه إقرار بالفشل وإستسلام للهزيمة، بينما يرى مقربون من “الحركة” أو مؤيدون لها، أنه انشغال من القادة في إعادة تجميع صفوفها، من أجل إعادة انتاج جديد لها، بالاستفادة من كل الأخطاء السابقة، وهو أمر لن يحتاج لوقت طويل حتى يتضح على أية حال.

المدن

اترك رد

Translate »