حينما أصبحت حارساً

الرقة بوست ـ عروة المهاوش
بعد وساطات كثيرة من المعارف والأقرباء حصلت على عقد عمل مؤقت لثلاثة أشهر بالمؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب بمدينة الرقة، وبدأت رحلة البحث عن أناس لهم حظوة لدى مكتب التوظيف والديوان وحتى نائب المدير أو المدير ذاته، حتى أضمن على الأقل هذا العمل ، حين قابلني المسؤول عن التوظيف سألني: هل تعرف الكتابة والقراءة ، أجبت بنعم
– شهادتك الابتدائية
_ ليست لدي أستاذ ولا حتى الإعدادية فكل ماتوصلت للحصول عليه هي صورة  شهادتي الثانوية المصدقة بعد مضي سنوات كثيرة على حصولي عليها، وبعد أن ذهبت الشهادة الأصلية حين قدمت أوراقي للجامعة ، نظر إلي باستغراب وقال : لكننا هنا نطلب حارساً يعرف الكتابة والقراءة فقط، ولا تلزمنا الشهادات ، قلت اعتبرني ممن يعرفون القراءة والكتابة بشكل جيد واعتبر أن هذه الشهادة تعادل شهادة محو أمية ، لكنه بقي مصراً على شهادة الابتدائي ، ونتيجة للزحمة سجل طلبي لديه مع وضع ملاحظة باللون الأحمر بجانب اسمي السيد رئيس قسم العقود للاطلاع وإبداء الرأي ثم إعطاني قصاصة ورقة عليها رقم وتاريخ للمراجعة.
حين حضرت للمرة الثانية مبكراً مع قدوم الموظفين للدائرة تقصدت الوقوف أمام الباب الرئيسي كي أرى ولو للصدفة أحداً مما أعرفه من أهالي الرقة صديقاً كان أو قريباً ، كانوا كثيرين جداً حتى أني شعرت بالحرج منهم وأغلبهم أيضاً مع سيل من الشتائم على هذا النظام الذي أوصلنا إلى هذه الحالة ، في الحقيقة الكل قدم خدماته وتوصياته لدرجة أن أحدهم أمسكني من يدي وصعد بي  نحو الطابق الثاني من البناء وطلب الدخول لمقابلة المدير ، كان استقباله جيداً وشربنا القهوة بمكتبه فيما صديقي كان يشرح له وضعي الكامل وبعد عدة أسئلة حول معرفتي ببرامج الكمبيوتر والكتابة رفع المدير السماعة واتصل بمكتب ما طالباً منهم تدريبي لمدة أسبوع ريثما يتم التوقيع على عقد عملي بشكل رسمي مع توصية أيضاً لمكتب العقود بإرسال ملفي بالسرعة القصوى لتوقيعه .
في اليوم الأول من العمل رفض سائق الباص الذي يأخذ الموظفين إلى دوامهم أن أركب معه ، فذهبت يومها بباصات البلدية التي تصل بالقرب من الدائرة ، حين شكوت أمري لعامل البوفيه فأنا حينها لا أستطيع الشكوى لغيره ، أجابني بأن من حقي التام أن يكون لي مكاناً في باصات الدائرة الكثيرة والتي تنقل الموظفين صباحاً ومساءً نحو مقار عملهم ، في المكتب عملت بجد وحصلت على رضى مرؤوسي فوراً وأكثر ماعجبه أيضاً خطي الجميل في الكتابة على الورق كوني أحفظ وأكتب الخطوط العربية ، كان علي الكتابة على الورق والكمبيوتر ولم يكن مسموحاً لي ولغيري التدخين داخل المكتب حسب التعليمات فكنت كل نصف ساعة أتردد على البوفيه كي أدخن واشرب الشاي ، في نهاية الشهر كانت جداول الرواتب قد وصلت إلى المحاسبين ذهبت خجلاً في اليوم الثالث وأنا أتقصد أن تكون الزحمة قد أصبحت أقل من اليوم الأول لكنها كانت على حالها بسبب العدد الكبير للموظفين في المدينة وريفها ،
كان أكثر مايجعلني أشعر بالحرج حين ينادي المحاسب بصوت عالِ الحراس والعقود خارج المكتب حتى تخف الزحمة ، رغم أن المحاسبين ستة على ماعتقد وكل منهم له فئة من الموظفين لتسليمهم مستحقاتهم .
في بداية الشهر الثاني انتهى شهر العسل بالنسبة لي ليتم فرزي من الدائرة للمستودع الذي يقع تحت جسر الصوامع من جهة الشرق حارساً في الليل وبواباً في النهار ، في نوبة الحراسة الليلية التي تمتد حتى دوام الموظفين في اليوم التالي كنت آخذ معي جهاز اللاب توب وبعض الأوراق لتدوينها وكتابتها وحين يأتي الحارس الذي يستلم مني نوبة الحراسة ، وكان أكبر مني سناً ينتظر التقاعد ، رجلاً طيباً جداً بطيبة أهل الرقة البسطاء ، كنت اترك له مفتاح خزانتي موصياً إياه بأكل الطعام الذي فيها من معلبات وبعض الفواكه التي اجلبها من بيتي ، وكان يعطيني الكثير من النصائح في التعامل مع السائقين والموظفين والمهندسين ورؤساء الأقسام ، أثناء دوامي النهاري يمر اليوم بتباطؤ شديد مع المزيد من الضغط على أعصابي نتيجة تعاملي مع فئات مختلفة في التربية وفي الأخلاق ، كنت حارساً على سيارات تحمل القمح من مدينة الرقة نحو المدن الأخرى ، سعادتي كانت في ساعات الصباح الأولى قبيل شروق الشمس حين تأتي الطيور لنقر حبيبات القمح المتساقطة على الأرض في فناء المستودع ، نهاية عملي كانت حين طلب مني أحد المهندسين الوقوف حين افتح له الباب ليدخل بسيارته فرفضت ، أكملت يومي حتى قدوم حراس النوبة التي بعدي ، ولم أعد أبداً حتى أيام دوامي تركت أجرتها للعم صالح وطلبت منه قبضها وشراء مايلزمه منها ، كنت سعيداً بحراسة القمح الذي سيكون رغيفاً من الخبز في فم جائع وسعيد أيضاً للطيور التي تنقر الحبيبات ولم أكن سعيداً بالسرقات التي كانت تتم أمام نظر عيني .

اترك رد

Translate »