الرقة:..وسمح لنا “أمير الطبية” باستخدام “المنفسة

عبد القادر ليلا- المدن

ألف قتيل مدني، وضعفهم من الجرحى، منذ بداية اعلان “معركة الرقة الكبرى” قبل شهرين. “قوات سوريا الديموقراطية” تتقدم ببطء منذ 10 أيام، باستثناء محاولة اختراق نفذتها من الشمال الشرقي عبر محور الجامع القديم لاشغال مقاتلي التنظيم الذين اقتصرت تكتيكاتهم العسكرية على الدفاع عبر تحصينات محكمة وأنفاق ملغومة، وبأسلحة خفيفة ومتوسطة لسهولة الحركة والهجوم. ومن ذلك العربات المفخخة والأحزمة الناسفة، والدراجات النارية للهجمات المباغتة، وأيضا للتنقل، لصعوبة رصدها واستهدافها من الطائرات من دون طيار.

خطط “قسد” تعتمد على تكتيكات “الحرب النظيفة” من الضحايا في صفوفها، ما يشبه مهام قوات “بلاك ووتر”، فتركت للطيران والمدفعية تأدية المهام الصعبة في فتح الطرق والممرات بتكتيك “السجادة النارية”. وحققت هذه الخطط نسب دمار مرعبة تجاوزت الـ40 في المئة من مساحة المدينة، وكلما تقدمت هذه القوات إلى الوسط حيث الأبنية المرتفعة والكثافة الإسمنتية، كان الدمار أكثر والمعركة أصعب وأشرس. صحيح أن “قسد” سيطرت على نصف أحياء الرقة تقريباً، ولكن التقدم في ما تبقى سيكون مترافقاً بالكلفة الأكبر بشرياً وعمرانياً.

قبل أيام صرّح المبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي بريت ماكغورك، أن “هناك زهاء ألفي مقاتل في الرقة، وسيموتون جميعا، على الأرجح”. تصريح يدل على نية الولايات المتحدة القضاء على مقاتلي التنظيم، لا التفاوض معهم، حتى لو أدى ذلك الى التضحية بالمدنيين وتدمير المدينة فوق ساكنيها المحاصرين والبالغ عددهم 40 ألف نسمة تقريباً.

لم يخض مقاتلو “قسد”، حتى الآن، حرب مواجهة ولا شوارع، بالمعنى التقليدي، أي مقاتل في وجه مقاتل، بل تُركت المهمة لطائرات الأباتشي والطائرات المسيرة عن بعد، ومع ذلك سقط لـ”قسد” 1040 قتيلاً منذ بدء عمليات “غضب الفرات” في آذار/مارس 2017، بحسب وكالة “حق” القريبة من تنظيم “الدولة”.

القذائف التي تمطر المدينة، زادت عن طاقة التحمل والاستيعاب للمتبقين بين الأنقاض، إلا أنها لا تعتبر إلا فائض ذخيرة تقدمه الولايات المتحدة لحلفائها. ومع اشتداد المعارك بين طيران “التحالف” والصواريخ الباليستية ومدفعية “قسد” من جهة، وقناصات تنظيم “داعش” وألغامه من جهة أخرى، كان أغلب الضحايا من المدنيين الذين لا يستطيعون الهرب؛ من كبار السن والعجائز والمرضى والحوامل والمصابين. فالهرب يحتاج قوة بدنية وقدرة على المشي عبر الحقول، والقفز فوق السواتر الترابية، أو الزحف في قنوات الري، وربما السباحة في نهر الفرات والعبور عوماً نحو الضفة الاخرى. أغلب من تبقى من المدنيين في الرقة، لا يملكون المواصفات البدنية اللازمة لهذه الرحلة الشاقة.

يقول علي، الذي خرج قبل يومين من الرقة، لـ”المدن”، إن معدل سقوط القذائف يحسب بالدقيقة، ويتابع: “كنا أكثر من 40 شخصاً مختبئين في قبو أحد الأبنية، الأغلبية من العجزة وكبار السن يرافقهم بعض أبنائهم. الحسرة والشعور بالذنب باديين على وجوه العجزة والمعاقيين، ليقينهم أنه لولاهم لكان لأبنائهم طريق أخر إلى بر الأمان”. يضيف علي: “بيتي في حي الثكنة، وفي شارع لا يتجاور طوله 200 متر، سقطت أكثر من 100 قذيفة من كل العيارات في يوم واحد. لم تكن هناك فرصة للخروج إلى بئر الماء، ومع ذلك لم نتذكر أننا عطشى، كان هاجسنا ألا تسقط علينا قنبلة من طائرة فينهار البناء علينا وندفن تحت الأنقاض”.

وعن خروجه من المدينة يقول: “في أول فرصة للهروب حملت امي العجوز على ظهري، وخرجت من بين الأحياء والحارات المهجورة، أقفز فوق الجثث والأشلاء المتناثرة في الأزقة من انفجار الالغام أو القنص والقصف”. يتابع: “كان الفاصل بين الحياة والموت شعرة، وكنت أريد الاستعجال نحو قدري مهما كانت النتائج. فقد أيقنت أنهم لن يتركوا في الرقة انساناً واحداً على قيد الحياة”. يؤكد علي: “إنها حرب يخوضها طرفان متوحشان، سيحرقان المدينة بمن فيها”. علي رفض البقاء في انتظار لحظة موته، ويقول “في كل يوم نشيّع أكثر من ضحية إلى حديقة الحي التي امتلات بالقبور. أمي العجوز تلح عليّ بأن احجز لها قبراً فارغاً يواريها إن ماتت. قالت إن القبر سترة للمرأة… أرادت أن تستخدم الأنوثة كميزة للاستحواذ على قبر”.

المئات من الجثث تحت الانقاض. عوائل بأكملها انهارت سقوف البيوت عليها، فلم تجد من ينقذها، وماتت لا عون لها إلا الدعاء من أحبة ومعارف يقفون قرب الركام يقرأون الفاتحة ويتمتمون بالدعاء ويرحلون.

يقول عمار، أحد الهاربين أيضاً، لـ”المدن”: “زرت قبراً على شكل هرم، كان ركام بناء منهار بقاذفة بي 52، ويضم رفات أختي وزوجها وأولادهما الخمسة، ثم انتقلت إلى حديقة المدرسة وقرأت الفاتحة على قبر امي المدفونة هناك والمتوفاة قبل شهر بسبب فشل كلوي، ولوحت بيدي إلى اشلاء يفترض أنها لجيراني ممن انفجر بهم لغم على أطراف نهر الفرات، وما زال أهلهم غير مصدقين موتهم”. يتابع عمار: “وأنا أعبر النهر نحو الجنوب (الشامية) أغلب الذين خرجوا أحياءً بكوا كالأطفال، فالخروج من الرقة ولادة جديدة، حياة جديدة، خلاص من كابوس مرعب”.

في الرقة لا توجد حبة دواء واحدة، والمستشفى الوحيد المتبقي يعمل بربع طاقته بعدما تعرض للقصف مرات. لم يبق في الرقة سوى أربعة أطباء، بعدما قتل الطيران والمدفعية ثلاثة زملاء لهم في يوم واحد. طبيب الأشعة الوحيد د.عبدالحميد، خرج قبل أيام من المدينة، وأنفجر لغم في طريقه فقتلت ابنته وأصيب بجروح. في الرقة فنييون يقومون بأدوار أطباء مختصّين.
أحد العاملين في القطاع الطبي، قال لـ”المدن”، إن هناك خمس حالات ولادة في اليوم الواحد، وما بين 5 إلى 7 حالات بتر للأطراف، أغلبها ليست ضرورية، لكن نقص التجهيزات والاختصاصين يجعلها أفضل الطرق لايقاف معاناة المصابين.

“الذهاب إلى المستشفى مثل عدمه”، يقول أحمد لـ”المدن”: “أسعفت خالي إلى المشفى لاصابته بشظية في الرأس.. انتظرنا أمام غرفة الاسعاف، ولم يقدم لنا شيء، لم يسألنا أحد ما نريده، وكان المصاب ينزف ووجهه مضرج بالدماء. أحد الاطباء أراد مساعدتنا، وقال إنه يحتاج إلى صورة أشعة، لكنها تحتاج إلى إذن من أمير الطبية التونسي. الأمير رفض الموافقة على الصورة، لأن الجهاز الوحيد المتبقي مخصص للإخوة… الأمير سمح لنا ياستخدام المنفسة ليموت خالي بهدوء، وبالفعل بعد ربع ساعة فاضت روحه، لنبدأ حفلة جديدة في البحث عن مقبرة”.

اترك رد

Translate »