كيف استعاد “الدولة” أنفاسه وشن هجمات بحمص ودير الزور؟

يواصل تنظيم الدولة، منذ الخميس الماضي، شن هجماته  المباغتة والمعاكسة على  معاقل قوات النظام السوري على أكثر من محور، في محافظتي دير الزور وحمص.

وتركزت الهجمات على الضفة الشرقية الشمالية لنهر الفرات في ريف دير الزور ، وفي الريف الغربي والجنوبي للمدينة، وصولا إلى ريف حمص الشرقي على محاور طريق تدمر- السخنة؛ خط الإمداد الاستراتيجي لقوات النظام الرابط بين دمشق ودير الزور، فيما سيطر التنظيم على بلدة القريتين إلى الجنوب الشرقي من مدينة حمص.

وأقرت وسائل إعلام موالية للنظام بمقتل المئات من قوات النظام والمليشيات المساندة لها خلال صد هجمات تنظيم الدولة على هذه المواقع، التي تأتي في إطار العملية التي أطلق عليها التنظيم “غزة أبو محمد العدناني”، والتي أعلن عنها قبل يومين. وفي غضون ذلك، نعت مصادر تابعة لحزب الله  أكثر من عشرة مقاتلين في معارك محيط مدينة السخنة بالبادية السورية.

وفي مقابل ذلك، شهدت خطوط التماس في دير الزور، بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وبين تنظيم الدولة حالة من تجميد القتال.

وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي، تركي المصطفى، أن هناك أسبابا عدة تقف وراء هذه الهجمات العنيفى التي يشنها التنظيم ضد قوات النظام، في فترة كان يعتقد بأنها الفترة القريبة من نهاية الحرب على التنظيم، منها أسباب تتعلق بالتنظيم داخليا، ومنها أسباب متعلقة بحالة صراع النفوذ الروسي- الأمريكي في سوريا، وفق تقديره.

ويتحدث المصطفى عن “أهمية بالغة للزخم” الذي أعطاه التسجيل الصوتي الأخير المنسوب لزعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي للمقاتلين، وخصوصا عندما طلب البغدادي من مقاتليه “الصبر والثبات”.

ويضيف لـ”عربي21” أن المناطق المفتوحة تعطي التنظيم حرية الحركة في تنفيذ هجمات، مشيرا إلى الهجمات المباغتة التي نفذها عناصر التنظيم على طول الطريق السريع من مدينة الشولا بدير الزور إلى جنوب السخنة بحمص.

أما عن الأسباب المرتبطة بالصراع على النفوذ بين الولايات المتحدة ورسيا في سوريا، يرى المصطفى أنه “من الواضح أن الولايات المتحدة مرتاحة لهذه الهجمات، ولذلك جمدت من المعارك التي تخوضها قسد مع تنظيم الدولة، واكتفت بالوقت الحالي بتثبيت المواقع التي سيطرت عليها هذه القوات التي تشكل الوحدات الكردية القوة الضاربة فيها، في كل من قرية الصور وحقلي غاز كونيكو والعزبة شرق دير الزور”، كما قال.

وتابع: “إلى جانب البرود النسبي في معارك قسد، فإن تسابق عناصر قوات النظام إلى سرقة ونهب (تعفيش) ممتلكات الأهالي في القرى التي تراجع عنها التنظيم، شغلها عن تحصين مواقعها، ما أدى إلى سهولة اختراقها من قبل التنظيم”.

ويعتقد المصطفى أن قوات النظام اليوم ستجد صعوبة كبيرة في تدارك مواقعها المتباعدة في البادية، وهي تتعرض للاستنزاف في الآن ذاته، معتبرا أنه “نحن أمام مرحلة عسكرية جديدة، ستؤجل إلى أمد بعيد الحديث عن حسم عسكري في دير الزور”، على حد قوله.

بدوره يعتقد الكاتب الصحفي أحمد الشمام؛ أن لتخفيف الولايات المتحدة التي تقود التحالف من عمليات؛ قصفها لمواقع التنظيم في دير الزور، الدور الأبرز الذي يساعد التنظيم على التنكيل بقوات النظام.

ويرى الشمام في حديثه لـ”عربي21“؛ أن الولايات المتحدة تخطط لجعل قوات النظام بمواجهة التنظيم؛ لأنها من جهة غير مستعجلة على حسم معركة دير الزور قبل الانتهاء من معركة الرقة وترتيب الأوضاع المدنية داخل الرقة، وفق تقديره.

في غضون ذلك، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، السبت، أن خسائر قوات النظام والقوات غير السورية جراء هجمات تنظيم الدولة خلال الـ48 ساعة الأخيرة، بلغت 106 قتلى، 20 منهم من عناصر حزب الله.

من جهته، يقول الناشط عمر أبو ليلى، المدير التنفيذي لـ”شبكة دير الزور 24″، إن تنظيم الدولة تمكن من جعل تقدم النظام في دير الزور بمثابة “فخ كبير” للنظام، مضيفا: “النظام تسرع في تقدمه في دير الزور وتعجل في إعلان فكه الحصار عن قواته هناك، وهذا ما جعل التنظيم يقوم بعمليات التفاف فاجأت النظام وكبدته خسائر كبيرة، حيث تمكن التنظيم يوم الجمعة من شن هجوم واسع ابتدأه من قرية الشولا غرب مدينة دير الزور إلى أن وصل إلى منطقة T3، وهي محطة مهمة”.

ويضيف الناشط في حديث لـ”عربي21“: “أثبت تنظيم الدولة خلال الأعوام الماضية أنه يستطيع التصدي للنظام والروس والمليشيات المتحالفة معهما، لكنه فشل أمام التكتيك الأمريكي، وهو مختلف عن التكتيك الروسي، فالأمريكان تمكنوا من انتزاع مناطق واسعة من التنظيم، خصوصا في الستة أشهر الماضية، حيث سيطرت قسد خلال أسبوعين على مناطق كبيرة من دير الزور، ولو كانت هذه بقيادة النظام والروس لما تمكنوا من التقدم”.

ورأى أن تنظيم الدولة سيستمر بهذه الهجمات المباغتة ضد النظام، وقال: “النظام بدأ الآن يعاني من ثغرات في معركته الأخيرة في دير الزور التي تفاخر بها كثيرا، فتنظيم الدولة لن يتوقف وسيحاول التمدد أكثر في البادية؛ لأن هذا يمكنه من مسك خاصرة دير الزور، والنظام سيعاني من التنظيم في أرياف دير الزور؛ لأن التنظيم متفوق عليه في حرب الصحارى والأرياف”.

وأشار إلى أن ريف دير الزور سيكون مقسما بين الروس والأمريكان، فـ”دير الزور المدينة ستكون للنظام والروس، أم نقطة الخلاف والتنازع سيكون بريف دير الزور الشرقي؛ الذي يقسم إلى قسمين، فالقسم الأيسر من نهر الفرات يسير باتجاه قوات قسد، وهو يحوي حقول النفط مثل حقول كونيكو والعمر والجفرة، وهذا القسم يمتد حتى مدينة البوكمال والقسم الأيمن لا يحوي ثروات نفطية وهو قد يكون من نصيب النظام”.

ويذهب الناشط في “شكبة دير الزور24” إلى أن النظام لن يتمكن من السيطرة على الريف الشرقي لدير الزور ومدينتي البوكمال والميادين، إلا إذا سيطر على دير الزور المدينة، مضيفا: “ما يدلل على فشل معركة النظام هو أن التنظيم بدأ يضرب النظام من الخلف، ووصل للسخنة، وقد يصل إلى تدمر، فسيناريو تدمر من قبل التنظيم وارد، في المقابل نجد قوات قسد تتقدم بتجاه مدينة البصيرة، فهي سيطرت على مدينة الصور المهمة”.

وأوضح أن خسائر النظام نتيجة هجمات التنظيم في دير الزور وريف حمص بلغت 150 عنصرا، وقد بث التنظيم من خلال إعلامه ما يثبت تلك الخسائر، على حد قوله.

من جانبه، قال الصحفي والباحث في شؤون الجماعات الجهادية، خليل المقداد: “يمكننا القول إن هجمات تنظيم الدولة ضد قوات ومواقع النظام وحزب الله في دير الزور والبادية؛ في إطار استراتيجية الحرب المفاجئة والخاطفة التي يعتمدها مقاتلو التنظيم”، مضيفا: “برأيي ستستمر هذه العمليات مستقبلا، طالما بقي لقيادات التنظيم القدرة على إدارة العمليات وطالما بقي التزام لدى عناصره”.

وقال الصحفي في حديث لـ”عربي21“: “التنظيم لا يعتمد فقط على العمليات الخاطفة والكمائن بل يهاجم مواقع وقواعد ثابتة ومدن وقرى تعتبر محصنة، ويفعل ذلك بأعداد قليلة من مقاتليه، لكنه يحقق نتائج كبيرة، ويستنزف قوات النظام؛ نظرا للعقيدة القتالية القوية التي يتمتع بها عناصره، وهو ما جعل من البادية محرقة لقوات النظام وحزب الله والمليشيات الإيرانية وحتى الروس”.

وأشار إلى أن النظام لا يستطيع الحرب في أماكن مفتوحة كما يفعل التنظيم، مبينا أن “قوة النظام هشة ولا قدرة لها على المواجهة في المناطق المفتوحة” وهي تعتمد على التغطية الجوية الروسية؛ التي إن غابت فإنها تصبح مكشوفة”.

وأضاف المقداد: “ما حققه النظام مؤخرا من تقدم لم يكن نتيجة معارك، بل تقدم في مناطق مفتوحة بغطاء جوي بسبب انشغال تنظيم الدولة على أكثر من جبهة، ويمكننا القول ان هناك استدراج لقوات النظام وذلك لتحييد الطيران الروسي”، على حد قوله.

ويرى المقداد أن “كافة الخطط والمشاريع، بما فيها القضاء على هيئة تحرير الشام، مؤجلة لحين الانتهاء من القضاء على تنظيم الدولة”، وفق تقديره.

من جهته، أكد الصحفي في “شبكة فرات بوست”، سلامة الحسين، أن التنظيم تمكن من إحراز تقدم واسع على قوات النظام في عدة نقاط، مشيرا إلى أن التنظيم تمكن في الأيام القليلة الماضية من السيطرة على مناطق الشولا وكباجب وقصر الحير، ومحاصرة مدينة السخنة من ثلاث محاور.

وقال الصحفي في حديث لـ”عربي21“: “هجوم التنظيم على هذه المواقع هو من أجل أن يستعيد هيبة كسرت من خلال المعارك التي خسر فيها قرى ومواقع وبلدات في ريف حمص ودير الزور، بعد فك قوات النظام الحصار عن مدينة دير الزور”.

عربي 21

اترك رد

Translate »