سلال ديمستورا بين آستانا وسوتشي

زبير شويخ

تستمر المساعي الدولية لإجراء المفاوضات في جنيف بين طرفي الصراع السوري، ويظهر دائماً المبعوث الأممي في سوريا ستيفان ديمستورا قبل كل لقاء داعياً وفود المعارضة والحكومة السورية لأن تكون الاجتماعات أكثر تفاعلية وتواتراً ويؤكد على وجوب تحقيق تقدّم في القضايا أو السلال الأربعة والتي طرحها في نهاية جنيف4)) وهي قضايا: الحكم غير الطائفي، الدستور الجديد، الانتخابات، ومكافحة الإرهاب، أو من خلال تحديد بعض تلك القضايا على مبدأ التوازي. فتنتهي تلك الجلسات كسابقاتها بانسحابات وسجالات إعلامية تفضي لاستمرار حالة الضياع السوري وتُنهي أي نتيجة مأمولة من هذه المفاوضات.

الآن ومع الكثير من التغيرات في قواعد اللعبة في سوريا خلال فترة الصراع المستمر منذ أكثر من 6)) سنوات وظهور العديد من التقاربات والتحالفات السياسية والعسكرية بين مجمل مكونات الحرب السورية، تغيّرت الأرضية التي يتم العمل عليها ضمن هذه المفاوضات والتي أضعفت أطراف على حساب أخرى وأظهرت جهات ومشاريع جديدة على حساب طرفي الصراع.

إقليمياً، ومع استمرار الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم الدعم العسكري لقوات سوريا الديمقراطية، والتي تُعتبر وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي عمودها الفقري – وهو الحزب الأبرز الذي يتبنى الفيدرالية- ويقدم مشروعاً فيدرالياً على الساحة السياسية في سوريا، ومع اعتبار تركيا أن ازدياد نفوذ الأخير وظهور كيان كردي على حدودها الجنوبية يشكل خطراً على أمنها القومي، دفعت تلك الاعتبارات التركية بها للخروج من المعسكر الأمريكي والانضمام لإيران الداعمة للنظام السوري – المتمسّك بالإدارة المركزية في سوريا- ضمن تحالف جديد يضم القوى الإقليمية المؤثرة في الملف السوري، وبقيادة الدب الروسي الأكثر انتشاراً عسكرياً في سوريا، والداعي لوحدة الأراضي السورية وسيطرة شاملة للجيش العربي السوري لكافة الأراضي السورية. ويعتبر هذا التحول من أبرز التغيرات التي أظهرت موقفاً جديداً لتركيا في الملف السوري والداعم الأكبر للمعارضة السورية.

إن أُولى علامات بناء الثقة التي ظهرت بين تركيا وروسيا للدخول ضمن تفاهمات استراتيجية، تلبّي أهداف الطرفين في الملف السوري ولحلّ العلاقات غير المستقرة بينهما منذ إسقاط تركيا للطائرة الحربية  الروسية، كان هذا التقارب على حساب المعارضة السورية، من خلال انسحاب قوات المعارضة المسلحة من أحياء حلب الشرقية ودخول قوات الشرطة العسكرية الروسية إليها. وبالمقابل بدأت العمليات العسكرية التركية تحت مسمى درع الفرات بالظهور في ريف حلب الشمالي للسيطرة على جيب جغرافي واسع يقطع عمليات التمدد العسكري الكردي من الاتصال الجغرافي بين مدينتي عين العرب/كوباني وعفرين السوريتين، وبذلك حقّقت تركيا التقدم في خطة مواجهة الخطر على أمنها القومي.

التفاهم الأكبر بين تركيا، حليفة المعارضة، مع روسيا وإيران، حليفتي النظام كان في رعاية محادثات السلام في العاصمة الكازاخستانية آستانا، والتي تركز على المسائل العسكرية والتقنية في سوريا بين الجهات العسكرية التابعة للنظام والمعارضة؛ حيث أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبل انطلاق المؤتمر إلى أن روسيا تسعى لإيجاد طرق للتعاون لمكافحة الإرهاب في سوريا وتهيئ لمؤتمر آستانا مع تركيا وإيران والحكومة السورية، وفصائل المعارضة التي وافقت على المشاركة، وأعرب ديمستورا حينها عبر مصادر إعلامية عن خشيته من تحرك موسكو لنسف مسار “جنيف” السياسي، ولكن مع بداية ظهور مخرجات حوار حول مناطق لخفض التصعيد في سوريا ودخول المساعدات الإنسانية، أعلن ديمستورا بإيجابية أن محادثات آستانا تقترب من التوصل إلى إعلان نهائي، وأن الأمر يتعلق بوقف للأعمال القتالية، وهو أمر يتعلق بحياة السوريين. ثم ليتحول الوضع الإنساني في سوريا إلى الموضوع الأساسي للمناقشة خلال آستانا (7) ليصبح مؤتمر آستانا ذو الرعاية الروسية التركية الإيرانية، هو المسؤول عن متابعة الوضع الإنساني في سوريا ومناقشة قضية مكافحة الإرهاب إحدى سلال ديمستورا الأربعة، ما يسمح لسحب الملف إلى خارج جنيف بمباركة من ديمستورا وليبقى من سلاله قضايا الحكم والانتقال السياسي، الدستور، والانتخابات.

يستمر التفاهم الروسي التركي الإيراني حيث أشار الرئيس الروسي خلال أعمال الدورة الـ(14) لمنتدى فالداي الدولي للحوار في مدينة سوتشي الروسية في منتصف تشرين الأول/أكتوبر إلى أن الخطوة التالية بعد إنشاء مناطق خفض التصعيد في سوريا قد تتمثل بتشكيل ما يسمى بمؤتمر شعوب سوريا يضم ممثلين عن الحكومة وفصائل المعارضة وجميع الطوائف العرقية والدينية لمصالحة الحكومة والمعارضة، حيث تمت موافقة كل من إيران و تركيا على مناقشة مقترح روسيا بعقد مؤتمر للحوار الوطني السوري في إطار عملية جنيف التي تقودها الأمم المتحدة. ولكن إعلان ﺍﻟﻤﺒﻌﻮﺙ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﻟﻠﺮﺋﻴﺲ ﺍﻟﺮﻭﺳﻲ ﺇﻟﻰ ﺳﻮﺭﻳﺎ ﺃﻟﻜﺴﻨﺪﺭ ﻻﻓﺮﻳﻨﺘﻴﻴﻒ وتأكيده في لقاء تلفزيوني ﻋﻠﻰ “ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﻬﻢ ﺫﻱ ﺍﻟﺼﻠﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺩﻟﻰ ﺑﻪ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﻟﻠﺼﺤﺎﻓﺔ، ﺑﺄﻥ ﺩﻣﺸﻖ ﻻ ﺗﺰﺍﻝ ﻣﻠﺘﺰﻣﺔ ﺑﺈﻃﻼﻕ ﺍﻹﺻﻼﺡ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺇﻋﺪﺍﺩ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﺩﺳﺘﻮﺭ ﺟﺪﻳﺪ ﻭﺑﺪﺀ ﺍﻟﺘﺤﻀﻴﺮ ﻟﻼﻧﺘﺨﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺮﺋﺎﺳﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻳﻨﺺ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻗﺮﺍﺭ ﻣﺠﻠﺲ الأمن /2254/”.

ويسعى مؤتمر سوتشي للحوار الوطني السوري من خلال جدول أعماله وتسمية هيئة دستورية لكتابة دستور بديل عن دستور /2012/ يمهّد لإجراء انتخابات جديدة بإشراف الأمم المتحدة وفق الدستور الجديد والقرار الأممي /2254/ بحسب ﻻﻓﺮﻳﻨﺘﻴﻴﻒ، ولعلّ مجمل هذه المخرجات تناسب رؤية المبعوث الأممي لسوريا ستيفان ديمستورا. ما يثبِّت توزّع القضايا الأربعة بحسب رؤية الأمم المتحدة للملف السوري بين مؤتمر آستانا (للتنسيق العسكري والأمني ومكافحة الإرهاب والوضع الإنساني)، مروراً بمؤتمر سوتشي (للحوار الوطني وأجندة الدستور والانتخابات) برعاية الدولتين الإقليميتين الرئيسيتين في الملف السوري والتي ستنجز مسودة اتفاق لكل ملف، وليكون إقرار المخرجات النهائية عبر مؤتمر جنيف الذي فشلت نسخته الأخيرة جنيف 8)) بسبب وفد الحكومة السورية، الذي أراد مناقشة قضية مكافحة الإرهاب، وطالب بسحب المعارضة بيان الرياض 2 الذي يدعو إلى رحيل رئيس النظام بشار الأسد.. بالمقابل لم يضع وفد المعارضة السورية أية شروط للبدء بمفاوضات مباشرة ما دفع ديميستورا لاعتبارها فرصة ذهبية مهدورة بسبب الوفد الحكومي سيضمّنها في الإحاطة التي سيقدمها إلى مجلس الأمن الدولي الاثنين المقبل بشأن التطورات وملامح المرحلة المقبلة، ما يعلن اقتراب مؤتمر الحوار الوطني السوري من تحديد المكان والزمان للبدء بجدول أعماله.

وبذلك، ومع الدفع القادم لمؤتمر سوتشي فلن تشهد سوريا فترة انتقالية كما تتخيلها منصات العواصم، أو الوفد المشكّل منها كانتقال فعلي للسلطة، بل سيكون الانتقال في سوريا هو الانتقال بها من حالة الحرب إلى السلام وفق أجندة سوتشي ومخرجات آستانا وإقرار جنيف النهائي غير المعلوم تسلسله لتلك النتائج، وفق تعديلات متوقعة تطال المرسوم التشريعي رقم /107/ المتضمن قانون الإدارة المحلية في سوريا لعام /2012/ وتعديلات دستورية في الدستور الحالي وانتخابات جديدة برقابة أممية، أما مصطلح هيئة الحكم الانتقالي فيبدو أنها ستصل لمستوى حكومة وحدة وطنية تتفق عليها الدول المؤثرة وهو الخيار الذي تدفع به الأمم المتحدة لتكون نهاية المأساة السورية على حساب الجميع.

اترك رد

Translate »