سوريا الجديدة..!

يوسف دعيس

يهيئ النظام السوري الأرضية المناسبة لواقع جديد في سوريا، يعتمد على الانتصارات التي حققتها القوات الروسية والإيرانية والميلشيات الطائفية التي آزرته مجتمعة، وهي من تحدد أسهم الغنائم وكيفية توزيعها على المشاركين في المشهد الدموي، والروس أعلنوها صراحة بأن دورهم في إعادة إعمار سوريا لن يكون كدور فاعل الخير، وكان الأسد قد قالها صراحة: “من الطبيعي أن تكون روسيا شريكاً مهماً بإعادة إعمار سوريا”. إيران الحليف الثاني للنظام هددت علناً المجتمع الدولي، بدءاً بروسيا، بأنها ستقلب الطاولة على الجميع في مسألة تنحية الأسد، أو مجرد مناقشة قرارات مجلس الأمن المتعلقة بمرحلة الانتقال السياسي، فلا ضمانة لمصالح إيران في المنطقة إلا بوجود حارس أمين يضمن تلك المصالح، وهذا ليس متوفراً إلا بالنظام السوري وعلى رأسه الأسد، الذي يضع نصب عينيه مصالح الشركاء الذين ساهموا بانتصاراته، وهيأوا أسباب بقائه.

عمل النظام السوري مبكراً على رسم جغرافيا سكانية جديدة للمناطق السورية التي خرجت عن طاعته، بدءاً بالمصالحات والهدن التي أسفرت عن ترحيل أهالي الغوطة الغربية، وأهالي حمص وريفها، إضافة لريف حماة الجنوبي، باتجاه إدلب وريفها وريف حلب الشمالي، في عملية تهجير قسري، لا يمكن وصفها إلا بجرائم الحرب، وهيأ الظروف المناسبة لتجنيس العناصر الميلشياوية الطائفية وعائلاتهم، وإسكانهم في المناطق التي تم تفريغها من سكانها الأصليين.

ضمن هذه السياق بدأت تتسرب أنباء عن إحصائيات حديثة ومحدثة عن أعداد السوريين، وكان آخرها ما أدلى به الدكتور محمد أكرم القش، رئيس الهيئة السورية لشؤون الأسرة، فيما يتعلق بعدد سكان سوريا، حيث أشار إلى أن عدد السوريين في عام 2017 قد وصل إلى نحو 28 مليوناً، والمستغرب أن هذا الرقم لم يثر انتباه إلا ندرة من المتابعين، وتحول إلى جدل عادي لم يسترعي انتباه إلا قلّة قليلة، رغم ضرورة إثارته في هذه الآونة، لما يحمله من نتائج كارثية على المجتمع السوري.

أول تطلعات النظام في تعويم هذه الأرقام، هو رسم خريطة جديدة تخدم الانتخابات المرتقبة، الرئاسية ومجلس الشعب، ومجالس المحافظات والمدن، والاستفتاءات التي تخص الدستور، والتقسيم الاثني الخاص بالمجتمع السوري، ثانياً ما يتعلق بتجنيس الأفغان والإيرانيين والعراقيين واللبنانيين وأسرهم ممن شاركوا النظام بقتل السوريين وتهجيرهم، وكله يأتي في سياق خدمة أصحاب الفضل في بقاء النظام واستمراريته، والذين سيشكلون معادلاً موضوعياً لأعداد السكان الأصليين الذين سقطوا من إحصائيات النظام الجديدة، في سعي واضح لتبديل البنية السكانية، وتغيير نسب أقليات على حساب الأغلبية التي تم تهجيرها أو قتلها أو تغييبها في السجون والمعتقلات.

لا يمكن وصف تصريح رئيس الهيئة السورية لشؤون الأسرة إلا بالتصريح المشبوه، خصوصاً أنه يثير الريبة ويبعث على آلاف الأسئلة في ظل ادعاءاته المضللة حول بقاء نحو 21 مليوناً داخل سوريا. وسبعة ملايين خارج البلاد من مجمل العدد الكلي، علماً أن معظم التقديرات الرسمية كانت تشير ما قبل اندلاع الثورة السورية إلى أن عدد سكان سوريا لا يتجاوز 19 مليوناً. فيما تشير بعض التقديرات إلى 21 مليون نسمة، وبعضها الآخر ذهب إلى أن عدد سكان سوريا يصل إلى 23 مليون نسمة.

إذا أخذنا متوسط تقريبي لعدد السكان وهو 21 مليوناً. وأجرينا حسبة تقديرية عن أعداد اللاجئين والمهاجرين وهي ثلاثة ملايين لاجئ في تركيا، ونحو 1،5 مليون في الأردن. ومليون في لبنان. وفي السعودية وحدها 800 ألف مهاجر، ولا يدخل في هذه الإحصائية من دخل إلى السعودية بعد عام 2011، ونحو مليون لاجئ ومهاجر في الدول الأوربية وكندا واستراليا ونيوزيلندا ولن نضيف الأعداد الموجودة في دول الخليج العربي والعراق ومصر والسودان والجزائر وبقية الدول العربية. إضافة لمليون شهيد. سنحصل على رقم يتجاوز 8،5 مليون تقريباً. يعني باختصار أن ما بقي في سوريا في أحسن الأحوال لا يتجاوز 12 مليون نسمة.

يثير هذا التصريح أكثر من علامة استفهام. في وقت يتم تغييب هذه الإحصائيات والبيانات عن سابق تصميم عن أجندة قوى الثورة والمعارضة السورية، ومراكز الدراسات خصوصاً القانونية منها، ويتم إسقاطها سهواً أو عمداً عن الحسابات القادمة، وكان الأولى تحريك مثل هذه البيانات واستخدامها كأدلة يمكن إدراجها ضمن سياق جرائم الحرب ضد الإنسانية، ونقلها بأمانة إلى هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن والمنظمات المدنية التي تعنى بحقوق الإنسان، والتصدي بحزم لمزاعم النظام وممارساته في إحداث تغييرات في البنية الديموغرافية السورية، واعتبار ما تقوم به جريمة حرب كاملة الأركان.

المثير للغرابة والدهشة في تصريح الهيئة السورية لشؤون الأسرة أنها تقوم بإجراء مسوحات اجتماعية تتضمن توزيع خمس استمارات على الأسر خاصة بالأفراد والأسرة والتشغيل والصحة والعمل وفق تقديراتها الوهمية لعدد السكان. والتي سيتحدد وفق نتائجها البرامج والخطط والموازنات، وعليه يجب التنبه لحقيقة هذه الأرقام وهذه المزاعم، والنظام يدرك ماذا يفعل. فمن قتل ودمر وهجر يستطيع فعل ما هو أكبر من تغيير البنية السكانية.

اترك رد

Translate »