من سلّم القابون؟

هجّرت قوات النظام سكان حيي القابون وتشرين، شرقي العاصمة دمشق، في أيار/مايو 2017، بعد اتفاق توصلت إليه مع فصائل المعارضة في المنطقة، يقضي بخروج المقاتلين وعوائلهم باتجاه الشمال السوري. وتمّ تهجير مقاتلي حي تشرين في 12 أيار، ومقاتلي القابون في 14 أيار.

التهجير جاء بعد 5 اجتماعات لفصائل المعارضة العاملة في المنطقة، كان من المفترض أن تؤدي إلى خطط دفاعية عن تشرين والقابون، إلا أنها أفضت إلى تهجير سكانهما. الاجتماع الأول، عُقد عقب تهجير مقاتلي وادي بردى، وإعلان قوات النظام حشد قواتها على أطراف أحياء دمشق الشرقية من جهة البساتين. وضم الاجتماع كلاً من قائد “فيلق الرحمن” عبدالناصر شمير، وقائد “جيش الإسلام” عصام البويضاني، وقائد “ألوية فجر الأمة” أبو خالد الدقر، وأمير “هيئة تحرير الشام” في الغوطة أبو عاصم، وأبو جعفر الإدلبي ممثلا عن “أحرار الشام”. واتفق الحاضرون على أنه لا يمكن التفريط بأحياء القابون وتشرين وبرزة، وترك النظام يسيطر عليها، واتفقوا على أرسال كل فصيل 100 مقاتل لتعزيز جبهة البساتين. “ألوية فجر الأمة” و”فيلق الرحمن” وحدهما من أرسل التعزيزات.

الاجتماع الثاني عُقد في مزرعة حسان الجمل قرب البساتين في حي القابون، قبل بدء الحملة العسكرية لقوات النظام على المنطقة، وضم القائد العسكري لـ”الهيئة” في القابون أبو جعفر، وأبو رعد الكاسر وأبو بكر رامي ممثلين عن “فيلق الرحمن”، وأبو زيد زيدو وأبو عبيدة عامر ممثلين عن “فجر الأمة”، وأبو محمد مروان وأبو عمر علّام ممثلين عن “جيش الاسلام”، والنقيب أبو حسين ورد وأبو برزان عن “اللواء الاول”، وأبو سليمان زبداني وأبو العبد الناسف عن “أحرار الشام”. وتم الاتفاق على أن اي اعتداء عن منطقة سيعتبر اعتداءً على كامل الاحياء الشرقية، بالإضافة إلى تشكيل غرفة عمليات موحدة بقيادة أبو زيد زيدو، لعلم فصائل المعارضة بأن الحملة ومحاور الاقتحام التي سيفتحها النظام ستكون من جهة بساتين برزة وحرستا الغربية.

الحملة بدأت في 18 شباط/فبراير 2017، بقصف مدفعي وصاروخي استهدف القابون وتشرين وحرستا الغربية. “اللواء الأول” نقض مقررات الاجتماع الثاني، ولم يحرك ساكناً، رغم الاتفاق على إشعال المنطقة بأكملها.

القائد العسكري السابق في صفوف “فيلق الرحمن” أبو رعد الكاسر، قال لـ”المدن”، إن محاولات الاقتحام بدأت من محاور بساتين برزة وحرستا الغربية، كما كان متوقعاً، وتصدى لها “فجر الأمة” و”فيلق الرحمن” وكتائب ركن الدين والصالحية من “اللواء الأول”، بغياب مقاتلي حي برزة، إلا القلة القليلة نظراً لضراوة القصف والمعارك. سمير الشحرور، الملقب بـ”المنشار”، أعطى أمراً بإرسال الغرباء عن الحي للرباط في المنطقة، وهم من مقاتلي ركن الدين والصالحية من دمشق، ومقاتلي جبل الزاوية من إدلب، والمنضوين في “اللواء الأول”.

وأضاف أبو رعد: “القصف كان يفتك بالكتائب واحدة تلو الأخرى حتى قتل عدد كبير من مقاتلي فجر الأمة، ووصول أمر من قيادة الألوية بتفجير الانفاق في حرستا الغربية، والانسحاب باتجاه الغوطة الشرقية ليعلن عن سقوط أول منطقة”.

تقدم النظام كان كبيراً في منطقة بساتين برزة، نظراً للكثافة النارية وعدم وجود تجهيزات من قبل الفصائل رغم علمها بضراوة المعركة. استمر تقدم مليشيات النظام حتى وصلت إلى مشارف شارع الحافظ، معلنة سيطرتهاً على 90 في المائة من البساتين.

الاجتماع الثالث عُقد في حي برزة، وجمع قادة من “اللواء الأول” أبرزهم المنشار وأبو بحر وأبو عمار سريحة، وأبو محمد مروان ممثلاً عن “جيش الاسلام”، وأبو رعد الكاسر ممثلاً عن “الفيلق”. وعقد الاجتماع بناءً على طلب الفصائل المقاتلة في القابون وتشرين لمعرفة ما سيجري في برزة. وطالب ممثلو تلك الفصائل، حينها، “اللواء الاول” بالتحرك العاجل لحماية ما تبقى من المنطقة. إذ أن حي برزة، الذي يسيطر عليه “اللواء الأول”، مطل على جميع المناطق التي سيطر عليها النظام مؤخراً، وبإمكان بضع قناصين، إبعاد قوات النظام عن المنطقة بأكملها، كما أوضح أبو رعد.

اللامبالاة من قبل قادة “اللواء الأول” كانت ظاهرة في ذلك الاجتماع، إذ أكدوا تحضيرهم لعمل عسكري في اليوم التالي، لابعاد قوات النظام. إلا أن ذلك لم يحدث. وبدا واضحاً أن “اللواء الأول” يريد “المصالحة” مع النظام، وتسليم المنطقة من دون قتال، كما قال الكاسر. واستمرت قوات النظام بالتقدم في محاور متعددة، مسيطرة على كامل البساتين وأجزاء من شارع الحافظ في حي تشرين، وقسماً كبيراً من حي القابون.

الاجتماع الرابع عقد حينها في مقر عمليات “اللواء السابع” التابع لـ”جيش الاسلام” في حي تشرين، وحضره ممثل عن “أحرار الشام”، والنقيب أبو حسين ورد ممثلاً هذه المرة عن نفسه لا عن “اللواء الأول”، في الجلسة التمهيدية، ليغادروا قبل عقد الجلسة الرئيسية. الاجتماع الرابع حضره فقط ممثلو “فيلق الرحمن” و”جيش الاسلام”، وتم تقسيم المنطقة المتبقية إلى قطاعات، والتزم كل فصيل بالدفاع عن قطاعه.

إلا أن قوات النظام واصلت تقدمها واقتربت من أطراف مؤسسة الكهرباء في حي القابون من جهة حي تشرين، وكان التقدم الأكبر لها، وباتت من خلاله قادرة على فصل القابون عن تشرين.

في هذه الأثناء انتشرت تسجيلات صوتية مسربة لشقيق قائد “اللواء الثامن” التابع لـ”جيش الإسلام”، وصلاح الخطيب، وهما من أعضاء “لجنة المصالحة”، تؤكد موافقة الفصائل على التهجير، وبأن “اللواء الثامن” يستعد للانسحاب إلى الغوطة، إلا أنهما كانا ينتظران ما اسمياه “كبش الفداء”، للبدء بالعملية. وعرف لاحقاً أن “كبش الفداء” لم يكن سوى “البارون”، مدير مركز “الدفاع المدني” في حي تشرين.

الاجتماع الخامس والأخير، عُقد في مقر العمليات نفسه، 11 أيار/مايو 2017، واتفقت جميع الفصائل على تشكيل غرفة عمليات موحدة، سيتم تفعليها الساعة الثامنة من صباح 12 أيار، ليبدأ العمل بعدها على إبعاد الخطر عن مؤسسة الكهرباء وشارع الحافظ، للحفاظ على اتصال القابون وتشرين. وعقب انتهاء الاجتماع توجه كل مندوب لمقابلة قيادة فصيله. “جيش الإسلام” رفض تشكيل غرفة العمليات المشتركة، وأعطى عناصره أمراً بالانسحاب.

وهنا كان دور “البارون”، تاجر السلاح في الأحياء الشرقية وأمير الحرب، بإعطاء قوات النظام الضوء الأخضر لإدخال حافلات التهجير القسري، بعد مفاوضات كان قد بدأها منذ أيام مع أطراف من النظام، بعلم “جيش الإسلام”.

حافلات التهجير بدأت في صباح اليوم التالي بنقل مقاتلي حي تشرين، وعدد كبير من مقاتلي القابون، إلى الشمال السوري، تزامناً مع الدفعة الثانية الخارجة من حي برزة. أبو زياد الحراري، وأبو حمزة حاتم، وأبو رعد الكاسر، القادة في “فيلق الرحمن”، ذهبوا باتجاه حي تشرين لمنع مقاتلي القابون من الخروج، ليقوم أبو عزام الملقب بـ”الدرع”، أحد قادة مجموعات “اللواء السابع” برفع السلاح ونشر عناصره في الحارات المؤدية إلى المنطقة، مانعاً إياهم من التقدم باتجاه الحافلات.

 المدن

اترك رد

Translate »