لماذا أخلت “تحرير الشام” مطار تفتناز من المروحيات المدمرة؟

خالد الخطيب

كثر الجدال في الأيام القليلة الماضية حول مطار تفتناز العسكري الذي تسيطر عليه “هيئة تحرير الشام” في ريف إدلب؛ مناهضون لـ”تحرير الشام” من فصائل المعارضة المسلحة  وشخصيات جهادية معادية لها، تحدثوا في أكثر من مناسبة عن اقتراب موعد دخول القوات التركية إلى المطار، وإنشائها قاعدة عسكرية فيه بحسب بنود الاتفاق الروسي–التركي في “أستانة”.

وحرصت “تحرير الشام” على الرد بالنفي، باستمرار، على ما وصفته بالادعاءات الكاذبة بخصوص المطار، عبر منصتها الإعلامية شبه الرسمية “وكالة إباء”. وفي كثير من الأحيان جاء الرد بالنفي من شخصيات عسكرية وشرعية تابعة لـ”تحرير الشام” مثل المصريين علي الدج “أبو اليقظان المصري” و”أبو الفتح الفرغلي”، و”أبو ماريا القحطاني”، و”الأسيف عبدالرحمن” وغيرهم.

السجال حول المطار تصاعد بعدما قامت “تحرير الشام” بإفراغ المطار، الأربعاء، من المروحيات المدمرة التي كانت داخله، ولم يعرف بعد إلى أين أخذتها. وفي اليوم ذاته، تناقل ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لشاحنات وهي تحمل طائرات مروحية مدمرة من داخل المطار، وقالوا إن “هيئة تحرير الشام” قامت بإفراغ المطار العسكري من جميع الحوامات الموجودة فيه، وسيتم نقلها إلى مناطق النظام في حماة مروراً بمعبر مورك في ريف حماة الشمالي.

شكّلت الصور التي تم تناقلها مادة دسمة لمناهضي “تحرير الشام”، خاصة أنصار “حركة أحرار الشام” الذين زادوا من حدة انتقادهم لها، واتهامها ببيع الأملاك العامة في ادلب للنظام، معتبرين أن هذه العملية تضاف إلى عشرات السرقات التي قامت بها “تحرير الشام” في ادلب، والتي شملت الأفران، ومحطات ضخ المياه، والمولدات الكهربائية، والمحولات الكهربائية، والكابلات، والسكك الحديدة، والمنشآت الصناعية، ومعمل السكر في جسر الشغور. وتنوعت التعليقات بين السخرية والتخوين: “على وين الدرب موديّكي، وعلى أي مطار مرسيّكي، الله معك يا غالية، سلميلنا على سكة الحديد”، كما قال أحدهم.

الكويتي علي العرجاني “أبو حسن الكويتي” المقرب من “أحرار الشام” قال: “هل بقي شيء في المحرر ما باعه أو سرقه الجولاني وأتباعه، لقد أقسمت سابقاً أن هؤلاء كل همهم المال والسلطة”. رئيس الدائرة القضائية في “أحرار الشام” أحمد محمد نجيب، قال: “هيئة تدمير الشام تنقل الطائرات لترسيمها ووضع لوحات عليها بعد السيارات والموتورات، بهذه العبارة الساخرة تناقل الناس خبر نقل الهيئة لطائرات مطار تفتناز، سقط القناع عن القناع، وصمت الكلام عن الكلام”.

الداعية السعودي ماجد الراشد “أبو سياف”، المقرب من “أحرار الشام” قال: “الجولاني يبيع الطائرات المتواجدة في مطار تفتاز للمجرم بشار ليجددها ويقصف بها المجاهدين والمدنيين، هؤلاء كلاب الدولار الذي استباحوا دماء إخوانهم لأجله”. واعتبر الراشد أن إفراغ “تحرير الشام” للمطار في هذا الوقت يأتي في إطار التحضيرات لتسليمه للقوات التركية التي ستقيم فيه قاعدة عسكرية، واستشهد الراشد بما قاله الصحhفي الألماني جوليان روبك، الذي يعمل في صحيفة “بيلد”: تسلم حطام الطائرات المروحية الروسية الموجودة في مطار تفتناز العسكري بريف إدلب، هو جزء من بنود اتفاق أستانة الموقع بين الدول الضامنة؛ تركيا وروسيا وإيران. وأكد الصحhفي الألماني أن من ضمن بنود الاتفاق إعادة الطائرات الروسية من نوع “مي-8” ونقلها لمناطق سيطرة النظام.

وكالة “إباء” التابعة لـ”تحرير الشام”، نفت ما أشيع عن إفراغ المطار من المروحيات المدمرة، أو تسليمها للنظام، وأكدت أن ما حصل هو اجتهاد من أبناء المنطقة التابعين لـ”تحرير الشام”، عندما أخرجوا بعض الحطام من محيط المطار إلى ريف إدلب. وأشارت “إباء” إلى أن قيادة “تحرير الشام” أمرت بإعادة ما تم إخراجه إلى المطار مباشرة. وفي الوقت ذاته نفت “إباء” ما أسمته بالإشاعات الواردة حول إنشاء نقطة مراقبة للقوات التركية في مطار تفتناز، وأكدت أن هذه الشائعات لا أساس لها من الصحة.

وكالة “أباء” كررت النفي مرة أخرى في موقعها الرسمي، لكن الرواية كانت مختلفة، والتقت قائداً عسكرياً في “تحرير الشام”، قال إن الهدف من إخراج المروحيات المدمرة من داخل المطار كان من أجل تفكيكها وصهرها والاستفادة منها، لا بيعها للنظام.

ويعتبر مطار تفتناز العسكري من أهم القواعد الجوية في الشمال السوري، وهو مخصص للطائرات المروحية، وتعادل مساحته ضعف مساحة مطار منغ العسكري في ريف حلب الشمالي، وسيطرت عليه المعارضة المسلحة أوائل العام 2013. وبقي المطار منذ ذلك الوقت تحت سيطرة “أحرار الشام” إلى أن خسرته لصالح “تحرير الشام” منتصف العام 2017 إثر الهجوم الذي شنته ضدها في ادلب. ويقع المطار على مقربة من بلدة تفتناز، ومنها اتخذ التسمية المحلية، بينما تُطلق عليه قوات النظام اسم “قاعدة عفيص الجوية”. ويضم المطار حوالي 20 مروحية مدمرة، تم إعطاب معظمها خلال المعارك التي جرت على أسوار المطار وداخله بين المعارضة المسلحة ومليشيات النظام.

ويتمتع المطار بقيمة رمزية بالنسبة للحاضنة الشعبية للمعارضة في ادلب، فالمطار كان أكبر قاعدة عسكرية في محافظة ادلب اعتمد عليها النظام بحكم موقعها المتوسط في ادلب، لقمع أبناء المحافظة. وفي العام 2012 بات المطار يحوي مرابض مدفعية وقواعد صواريخ استهدفت كامل القرى والمدن في ريف ادلب التي خرجت ضد النظام.

فرق الاستطلاع التركية كانت قد زارت المطار فعلاً خلال الفترة الماضية، واستطلعت المنطقة المحيطة به. ولا يعرف بعد مدى صحة ادعاءات “تحرير الشام” بأنها لن تسمح بدخول القوات التركية إلى المطار، أو أن تركيا تريد فعلاً تحويله لقاعدة عسكرية بحسب بنود اتفاق أستانة التي بقيت مجرد تسريبات غير مؤكدة بشكل رسمي. “تحرير الشام” غير قادرة بطبيعة الحال على الاستفادة من المطار، ولا كذلك فصائل المعارضة المسلحة. ومع ذلك، فإن نفي “تحرير الشام” المستمر يأتي في إطار الرد على خصومها، والظهور أمام الحاضنة الشعبية في ادلب بمظهر المدافع عن المكتسبات وحامي حماها.

المدن

اترك رد

Translate »