“التركستاني” يقلب موازين القوى في اقتتال إدلب

استعادت “هيئة تحرير الشام” السيطرة على مناطق واسعة من ريفي حلب وإدلب، كانت قد خسرتها في معاركها الأخيرة ضد “هيئة تحرير سوريا”، وذلك بعدما تدخل “الحزب الإسلامي التركستاني” إلى جانب “تحرير الشام”، وسط اتهامات طالت “فيلق الشام” بتجاهل المطالب الشعبية. وعلى الرغم بقاء المدن الرئيسية في إدلب تحت سيطرة “تحرير سوريا”، تنذر الأيام المقبلة بمواجهات حاسمة لصالح أحد الطرفين، مع بدء عودة الكفة لصالح “تحرير الشام” بعد أيام من رجحانها لصالح “حركة نور الدين الزنكي” و”أحرار الشام”.

وبعد سيطرتها على المناطق الحدودية في ريف إدلب قرب باب الهوى، حشدت “تحرير الشام” قواتها المدعومة من “الحزب الإسلامي التركستاني” باتجاه دارة عزة، عبر طريق أطمة صلوة، الطريق العسكري الذي تستخدمه القوات التركية. واتخذت “الزنكي” إجراءات دفاعية في دارة عزة وتقاد والأبزمو؛ المناطق التي انسحبت منها “تحرير الشام” بعد بدء المعارك.

وشهدت بلدة كفركرمين في ريف حلب الغربي ذورة العمليات العسكرية إثر الهجوم على أرتال “هيئة تحرير الشام” المقبلة باتجاه الأتارب. في حين تواصل أهل الأتارب مع “تحرير الشام” لصيغة حل أولية لتحييد المدينة عن العمليات العسكرية، وإخلائها من المظاهر المسلحة أو الفصائل العسكرية.

وفي جبل الزاوية يبدو أن “هيئة تحرير الشام” انتقلت من المرحلة الدفاعية إلى الهجوم، بعد أيام من معارك لم يحقق فيها طرفا الصراع أي تقدم يذكر.

مصدر إعلامي في جبل الزاوية قال لـ”المدن”: “حاول صقور الشام اقتحام ناحية إحسم في جبل الزاوية من جهة دير سنبل وقصفوا معسكر الفوارس”. والمعسكر هو من أهم معسكرات “تحرير الشام” في جبل الزاوية لإعداد المقاتلين بدنياً وعقائدياً، ومعظم المنتسبين لهذا المعسكر هم دون سن الـ18، ويتم فرز المتخرجين منه إلى “قوات النخبة” في “تحرير الشام”، والتي تتولى العمليات الأمنية. وأضاف المصدر: “حاول الصقور التقدم باتجاه بلدة مرعيان، وهي أقرب نقاط تحرير الشام العسكرية إلى الصقور المتواجدين في القسم الشرقي من جبل الزاوية، لكن المحاولة لم تحقق أهدافها لوجود الحواجز العسكرية والسواتر الترابية المرتفعة على مداخل البلدات الرئيسية وتحصين النقاط الدفاعية لتحرير الشام”.

وبدأت “تحرير الشام” بمؤازرة من “التركستاني” الذي يتبع تنظيم “طالبان”، هجوماً واسعاً على بلدات الرامي وكفرحايا ودير سنبل في جبل الزاوية، وهي مناطق تحت سيطرة “تحرير سوريا”، لكن التحصينات العسكرية حالت دون تقدمها.

وفيما تتقدم “تحرير الشام” وتستعيد المناطق التي خسرتها لحساب “تحرير سوريا”، تبقى مدن أريحا ومعرة النعمان وسراقب، تحت سيطرة “الأحرار” و”الزنكي”، لكن هذه السيطرة قد تتغير مع عودة المناطق لسيطرة “الهيئة” شمالي إدلب.

وتركز الاستراتيجية العسكرية لـ”تحرير الشام” بعد تدخل “التركستاني” إلى جانبها، على تأمين المناطق الحدودية، ومن ثم التوسع باتجاه مناطق الداخل، إضافة للسيطرة على الطرقات الرئيسية، وضمان خطوط الإمداد من المناطق الشمالية الخاضعة لسيطرتها في كل من إدلب وحارم، والمناطق الغربية الخاضعة لـ”التركستان” في جسر الشغور. وستكون مناطق أريحا وجبل الزاوية ومعرة النعمان المحاطة بطرق حلب-اللاذقية وحلب-دمشق، آخر مناطق المعارك العسكرية في حال استطاعت “الهيئة” القضاء على “تحرير سوريا” في بقية المناطق.

وتمارس قيادات “تحرير الشام” شحناً عقائدياً لعناصرها تحضيراً لـ”المعركة الكبرى”، بوصفها لا تقل خطراً عن قتال النظام. الشرعي في “الهيئة” أبو اليقظان المصري، نشر تسجيلاً مصوراً يظهر فيه قرب بلدة الدانا الحدودية قال فيه: “تحرير الشام قاتلت الأميركيين والروس والنظام السوري والخوارج، ويمنّ الله عليهم الآن بقتال البغاة واقتراب نهايتهم”. أبو اليقظان ختم كلمته بتوعّد قادة “تحرير سوريا” حسن صوفان، وتوفيق شهاب الدين، واحمد عيسى الشيخ، بقضّ مضاجعهم، وانتظار ما أسماه “جيش الشام”.

دخول “التركستاني” إلى جانب “تحرير الشام” قلب موازين القوى، وانتقلت “الهيئة” من مرحلة تجميع القوات والاستراتيجية الدفاعية إلى الهجوم، رغم إعلان الحزب في بيان مكتوب نشر في وسائل التواصل الاجتماعي بالتزامه الحياد.

مصدر عسكري في “جيش إدلب الحر” قال لـ”المدن”: “جرت اجتماعات بعيد بدء الاقتتال بين هيئتي التحرير، ضمت ممثلين عن جيش إدلب الحر وجيش النصر وجيش العزة، مع ممثلين عن الحزب التركستاني وجند الملاحم، بغرض وقف العمليات العسكرية، وتشكيل قوات فض نزاع تتولى محاربة الباغي، لكن عدم التزام الفصائل باللجنة وتقدم تحرير سوريا وسيطرتها على مناطق متعددة دفع بالحزب التركستاني لمؤازرة تحرير الشام في عملياتها خوفاً من زوالها ما سيؤدي إلى زوال كافة الفصائل المتشددة، وإبرزها التركستاني، وتلك المجموعة التي اتحدت بعد بدء الاقتتال وأطلقت على نفسها اسم حرّاس الدين”.

وأضاف المصدر: “تحالف التركستان وتحرير الشام ارتكز على مهاجمة تحرير سوريا ومحاولة استعادة المناطق التي سيطرت عليها، فاستهل الحزب التركستاني عملياته إلى جانب تحرير الشام في السيطرة على مدينة معرتمصرين شمالي مدينة إدلب، وكانت نقطة تحول في سير العمليات العسكرية، بعدما تجمعت قوات تحرير الشام داخل مدينة إدلب تحسباً لأي هجوم مباغت من الأحرار والزنكي. وفي حال فشل تلك الخطة سيتم الانتقال إلى الاستراتيجية البديلة وهي الانسحاب باتجاه مناطق جسر الشغور وجبل الأكراد، وهي مناطق ذات طبيعة جبلية ونائية عن مركز محافظة إدلب، ولا تعتبر ذات أهمية لتحرير سوريا، فضلاً عن كونها المنطقة التي انطلقت منها حميع الفصائل المتشددة للسيطرة على إدلب منذ العام 2013، إذ كانت نقطة انطلاق داعش، وبعدها كانت مركزاً لجبهة النصرة ومنها وسعت نفوذها باتجاه إدلب لقتال الجيش الحر”.

ومع تدخل “التركستاني” إلى جانب “الهيئة” تعالت أصوات حول موقف “فيلق الشام” من الاقتتال واعتزاله، خاصة وأن بياناته اتسمت بالرمادية وعدم توصيفه للواقع بدقة. “مزمجر الشام” كتب في “تويتر”: “يمثل فيلق الشام كيس خرجية للجولاني ولم يحن وقته بعد، حينها لن ينفع الفيلق دور القوّاد”. ويعد فيلق الشام أبرز المستفيدين من القتال الدائر، مع توسع نقاط رباطه وسيطرته خلال الأيام الأخيرة في ريف حلب الغربي. لكن حال “الفيلق” الآن يشابه كثيراً حال “أحرار الشام” في وقت سابق من اقتتال الفصائل، عندما كانت تعيش على فتات فصائل الجيش الحر التي تبتلعها “جبهة النصرة”، قبل أن تلاقي مصيرهم ذاته.

اترك رد

Translate »