ما هو مصير بشار الأسد في السنة الثامنة للثورة عليه؟

عهد فاضل

لا يزال بقاء الأسد في السلطة مثار جدل المراقبين، خصوصاً أن الثورة التي اندلعت لإسقاطه، في مثل هذا اليوم من عام 2011، كانت تشمل أغلب المناطق السورية، ما خلا مسقط رأسه، بصفة أساسية.

ويشار إلى أن خلو جزء كبير من المنطقة الساحلية، من تظاهرات تطالب بسقوط الأسد، لم تكن تخلو في الوقت نفسه من معارضة لحكمه، أو لحكم أبيه، إنما كانت نوعاً من المعارضة السياسية التي تقف عند سقف “شرعية” النظام، ولا تتجاوزه، إلا في حدود جزئية ولم تتضح إلا بعد اندلاع الثورة نفسها.

إنما #الثورة_السورية شملت غالب البلاد، وخرقت السقف الذي جهد #نظام_الأسد، من الأب إلى الابن، للاحتفاظ بـ”شرعية” الحكم التي سقطت مع اليوم الثالث للثورة، حين قامت قوات أمن النظام بإطلاق النار على المتظاهرين، في محافظة درعا، جنوبي البلاد، وقتل أربعة منهم.

ومنذ مقتل هؤلاء الأربعة في 18 من شهر آذار/مارس 2011، وهم محمود الجوابرة، حسام عياش، مؤمن المسالمة، أيمن الحريري، سقطت شرعية نظام الأسد، بلا عودة.

وسجلت الأشهر التي تلت يوم 18 المشار إليه، تصاعداً في أعمال عنف النظام بحق المتظاهرين، وبدءاً من اليوم التالي لمقتل المتظاهرين الأربعة، كان النظام قد انتهى من إصدار تعليماته باتخاذ الخيار العسكري طريقة للتعامل مع معارضيه، فأطلق النار على متظاهري درعا، في 19 مارس وهم يشيّعون قتلى التظاهرة السلمية التي راح ضحيتها الأربعة المشار إليهم.

وبدأ ارتفاع عدد القتلى، شيئاً فشيئاً، وارتفعت معه حرارة التظاهرات السلمية بسبب سقوط المزيد من شبان المعارضة. فقامت تظاهرات تتضامن مع أهالي درعا، في حمص وحماة وحلب ودير الزور ودمشق وريف دمشق، قمعها النظام بمسيّلات الدموع وإطلاق النار لإرهاب المتظاهرين.

تمزيق صور بشار الأسد

وتوسعت دائرة الاحتجاج على حكم الأسد، بعد ارتفاع عدد القتلى وقيام أجهزة النظام باعتقال المئات من المتظاهرين، فكان يوم الخامس والعشرين من شهر مارس، هو اليوم الشامل للثورة السورية، حيث اندلعت تظاهرات شاملة في أكثر من 90% من البلاد. وأطلق على هذا اليوم، يوم “جمعة العزّة”.

في هذا اليوم مزقت صور بشار الأسد، وحطم تمثال أبيه الرئيس السابق. إلا أن الرد لم يتأخر، فقامت أجهزة أمن النظام بإطلاق النار بغزارة على أهالي درعا، وقتلت منهم قرابة العشرين متظاهراً، دفعة واحدة.

وعاد ارتفاع عدد القتلى ليضرب شرعية نظام الأسد، مرة أخرى، إلى درجة إطلاق اسم “جمعة الشهداء” على يوم 1 ابريل/ نيسان، وكان يوماً مشهوداً لأهالي ريف دمشق، حيث قتل منهم الأسد في مدينة “دوما” وحدها، أكثر من 15 متظاهراً، فضلا عن قتلى في محافظات مختلفة قام أهلوها بتمزيق صوره وتحطيم تماثيل أبيه وتماثيله هو أيضاً.

ازدياد عدد قتلى المدنيين السوريين، ترافق مع توسع حركة الاحتجاج ضد نظام الأسد، فأصبحت التظاهرات ضده تضم عشرات الآلاف، في كل واحدة منها على حدة.

إنزال الجيش إلى الشوارع وبداية حمّام الدم

واستمر النظام بقمع المتظاهرين، قتلاً واعتقالاً وإخفاء قسرياً، في الفترة التي تلت الأول من أبريل، فأنزل الجيش إلى الشوارع لإيقاف مدّ التظاهرات، الأمر الذي تسبب بأكبر كارثة بشرية تمر على بلاد الشام، منذ أطلق هذا الاسم على تلك الرقعة من الجغرافيا، فقتل الآلاف بعد الآلاف، حتى وصل الأمر نهاية 2017، إلى حصيلة مرعبة هي نصف مليون قتيل، جراء حرب النظام بدءا من عام 2011.

وعلى الرغم من بروز ظاهرة الانشقاقات من جيش النظام، كحركة اعتراضية من داخل مؤسساته، إلا أن تفوق نظام الأسد بسلاح الجو، بصفة خاصة، مكّنه من الاحتفاظ ببعض الأمكنة الحسّاسة له، كنظام، مثل العاصمة دمشق. حيث ساهم سلاح الطيران، بالحد من إمكانية تقدّم الثوار وانتقالهم من محيط العاصمة إلى قلبها.

إلا أن سلاح الجو الذي سمح للنظام، الاحتفاظ ببعض الأمكنة ذات الأهمية المرتبطة بحكمه، لم يستطع كبح تقدم فصائل الثوار التي بدأت بالسيطرة واسعاً على مساحات كبيرة من البلاد أسقطت فيها حكم الأسد، وصولاً إلى عام 2015، في شهر أيلول/سبتمبر، وهو عام التدخل العسكري الروسي المباشر للدفاع عن نظامه.

عجزت ميليشيات إيران بحماية الأسد فتدخلت روسيا عسكرياً

وفشلت الميليشيات التي أرسلتها إيران إلى سوريا، وعلى رأسها منظمة “حزب الله” التي تصنفها الجامعة العربية كجماعة إرهابية، بالحد من تقدم الثوار في أغلب المناطق السورية، على الرغم مما قدّمته من “خدمات” للأسد في مناطق من محافظة “حمص” بصفة خاصة، إلا أن الفارق العقائدي بين الطرفين، فصائل المعارضة السورية وميليشيات إيران، والمتمثل بالبعد الوطني الذي تحمله الأولى، والارتزاقي الطائفي الذي تمثله الثانية، مكّن فصائل الثورة السورية من التقدم في مختلف الاتجاهات، وفي أسوأ الظروف كانوا ينجحون بالبقاء في النقاط التي سبق واستولوا عليها.

العجز الإيراني عن كبح فصائل المعارضة السورية، تغيّر مع خريف عام 2015، عندما أقامت روسيا قاعدة جوية في “حميميم” التابعة لمحافظة اللاذقية، ووسّعت ميناءها العسكري البحري في مرفأ محافظة طرطوس المتوسطية، عبر اتفاقية عقدتها مع الأسد تسمح لها بالبقاء في سوريا نصف قرن.

وقتها، كانت روسيا قد استشعرت أن نظام الأسد آيلٌ للسقوط، وبشكل وشيك للغاية، كما صرّح وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، وكما صرّح مسؤولون إيرانيون، في وقت لاحق.

وساهم التفوق الجوي الروسي، مضافاً إليه ترسانة الصواريخ العابرة للقارات، بالحد من تقدم فصائل الثورة السورية، ولاحقاً ساهم بتراجعها ثم خسارتها مكاسب كانت حققتها على الأرض.

عجز المجتمع الدولي عن إيقاف نزيف الدم السوري

إلى ذلك، فإن القرارات الدولية الساعية إلى إيقاف نزيف الدم السوري ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب، وعلى رأسهم رئيس النظام السوري بشار الأسد، لم تؤت أكلها، بسبب الفيتو الروسي المتواصل والذي كان يجهض كل تحرك دولي لمحاسبة الأسد، خاصة على ارتكابه جرائم استعمال السلاح الكيميائي، عدة مرات.

في هذه الأثناء، وعلى الرغم من تمكّن الروس من تحجيم الفصائل السورية المسلحة، إلا أن الأمور لم تستتب لموسكو في سوريا، ذلك أن جيش النظام السوري أصبح أثراً بعد عين، وتحول شراذم مفككة، في مقابل توسّع غير مسبوق للمد الإيراني في البلاد، وحاجة روسيا لقوات على الأرض، مما ساهم بنوعية من تقاسم النفوذ والمصالح بين موسكو وطهران في سوريا، ثم تم إشراك الطرف التركي واستمالته لصالح الاستراتيجية الروسية خاصة في “أستانا”، فتكوّنت “ترويكا” من العواصم السالفة، أدى اجتماعها إلى سقوط محافظة حلب بيد النظام السوري عام 2016.

في هذه المرحلة كان التدخل الدولي والإقليمي قد وصل ذروته في سوريا، خصوصاً بعد إعلان الأتراك عن أن الأميركيين يقيمون عشر قواعد عسكرية في سوريا، وظهور تدخل دولي عارم وغير مسبوق في البلاد التي أصبحت أشبه بما ورد في تغريدة على “تويتر” تقول: الأعلام المرفوعة فوق أرض سوريا، أكثر عدداً من الأعلام المرفوعة على مبنى الأمم المتحدة!

معاقبة الأسد.. لم تكن فاعلة

ويتفق الخبراء المتابعون للشأن السوري، على أن التدخل العسكري الروسي الذي جاء بعد التدخل الإيراني المتعدد الرؤوس، أرسى أرضية غير مسبوقة للتدخل الدولي في سوريا، إذ لم تعد المعارضة السورية تعرف أي جهة ستحاربها في سوريا، سواء من جهة الأسد أو من جهة إيران، أو من جهة روسيا، أو من جهة ما يسمى “القوات الرديفة”، يضاف إليها انعكاس التجاذب الدولي، على مجمل القوى العسكرية المستقلة عن نظام الأسد.

وفشل مجلس الأمن، في إيقاف نزيف الدم السوري ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب في سوريا، وعلى رأسهم بشار الأسد، ثم عجزه عن إيقاف هجمات النظام الكيميائية، كان له الدور ببروز ظاهرة التدخل المنفرد، كما فعلت الولايات المتحدة الأميركية في شهر نيسان/أبريل من عام 2017، عندما قامت بقصف مطار الشعيرات الحمصي، والذي يعتقد أن طائرات الأسد التي قصفت “خان شيخون” الإدلبية، بصواريخ محملة بغاز “السارين” المحرم دولياً، قد انطلقت منه.

إلا أن التصرف الأميركي السالف، لم يؤتِ أكله، هو الآخر، ذلك أن قصف مطار الشعيرات، لم يحمل دلالة عسكرية بقدر ما حمل مضموناً سياسيا موجهاً إلى روسيا، بأن عليها “كبح جماح الأسد”، وحسب.

الطبيعة المنفردة للتدخل الأميركي “العقابي” للأسد على استخدامه أسلحة كيميائية في “خان شيخون”، لم تؤثر جوهريا على أداء النظام، العسكري منه على وجه الخصوص، فعاود استخدام السلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية، عدة مرات، في الأسابيع الماضية، وظهر نوع من التهديد الأميركي بـ”معاقبة” الأسد مجدداً، إلا أن الأسد الذي يمكن أن يحجم قليلا عن استعمال الكيميائي ضد معارضيه، يستبدله بالبراميل المتفجرة والصواريخ البالستية، وهو ما حصل سابقا، ويحصل الآن في قصف النظام على مدن الغوطة الشرقية التي سقط فيها مئات القتلى منذ بدء الهجوم الأخير عليها.

وسعت روسيا، لاستثمار تفوقها العسكري في سوريا، من خلال الانتقال من “أستانا” إلى “سوتشي” بغرض فرض حل “سياسي” من خارج القوى السياسية الأساسية في المعارضة السورية. إلا أنها فشلت بتحقيق نتائج ترجوها من عقده، فقد كان فشله أمام الكاميرات، أيضاً، وليس فقط أمام الضمير العالمي والمحلّي. فعادت موسكو إلى نقطة الصفر في سوريا، وحدث الهجوم على “الغوطة الشرقية” بخلفية مرارة سياسية لا تخفى، على فشل “سوتشي” بتحقيق أهدافه.

وترافق القرار بالهجوم على الغوطة الشرقية، مع قرار كانت اتخذته تركيا بالهجوم على “عفرين” شمالي البلاد. الأمر الذي رأى فيه محللون، أنه نتاج الترويكا الروسية التركية الإيرانية، وعلى غرار ما حصل في حلب، عام 2016.

هذا هو مصير الأسد

وعلى الرغم من تمام سبع سنوات على الثورة السورية، ودخولها عامها الثامن، وظهور روسيا كقوة عسكرية تحارب مباشرة في البلاد، لإبقاء الأسد على كرسيه، إلا أن الوضع الأمني والسياسي في البلاد، ليس في صالح رئيس النظام السوري، فقد دمّر المدن ووصل عدد القتلى في حربه إلى ما يفوق النصف مليون، وتم تهجير الملايين، وأصبحت سلطة الأسد، عملياً، على أرض مدمرة بدون سكّانها الذين بين قتيل أو مهجّر أو مفقود أو معتقل.

ويبدو مصير الأسد، أقرب إلى مصير الأرض السورية التي دمرها بيديه، تبعاً لمحللين. فالأرض السورية التي تتقاسمها إيران وروسيا، بصفة أساسية، ثم قوى أخرى، هي نظام الأسد الذي يعمل على تأمين تلك المصالح “بكفاءة” مشهودة.

والأرض السورية التي شهدت دماراً لا سابق له إلا في الحرب العالمية الثانية، هي الدمار الذي ضرب نظام الأسد الذي أصبح مجرد اسمه أو صورته الشخصية، في لوحات الكاريكاتير، دلالة على القتل والرعب.

والأرض السورية التي خلت من أهلها وحل مكانهم مرتزقة الميليشيات الإيرانية، خاصة، هي صورة النظام السوري الذي بدا ممنوعاً من التحرك على أرض بلده، لدى زيارة الرئيس الروسي “بوتين” له في “حميميم” مقر قواته العسكرية، وقيام عسكري روسي باستعمال يده لمنع الأسد من اللحاق ببوتين، في مشهد “يندى له الجبين” بحسب معارضين سوريين.

والأرض السورية التي أصبحت مجرد مقبرة لأهلها، لا مكان سكن أو إقامة، هي نفسها صورة من النظام السوري المسؤول عن مقتل عشرات الآلاف منذ اللحظة التي أمر فيها بنزول الدبابات إلى الشوارع، في الثامن عشر من شهر آذار/مارس 2011.

من هنا، ينطلق المحللون إلى أن مصير بشار الأسد، هو مصير الأرض السورية، حيث أصبحا شبيهين تامّين، وكل واحد منهما بات يدلّ على الآخر، وما حل بتلك، يحل أو سيحل، بذاك.

اترك رد

Translate »