الرقة تنتفض على “قسد”..هل ينجح الفرنسيون بعدما عجز الأميركيون؟

عبد القادر ليلا
تواصلت التظاهرات، لليوم الثالث على التوالي، في أحياء من مدينة الرقة، مطالبة بخروج حزب “الاتحاد الديموقراطي”، الذراع السياسي لـ”وحدات حماية الشعب” الكردية. وسجلت الخميس 5 نقاط تظاهر عقب صلاة التراويح، رفعت شعارات تطالب بالحرية، وقد تم اعتقال بعض المتظاهرين وتفريق التظاهرات باطلاق الرصاص الحي في الهواء.
ولا يبدو أن الحركة الاحتجاجية ستتوقف، ويقول أحد الناشطين لـ”المدن”، إن الأيام المقبلة ستشهد تصعيداً للحراك السلمي؛ من اضراب وعصيان مدني، وسيصدر خلال أيام، بيان يُحددُ مطالب الحراك ويرسم أهدافه.وبدأت المظاهرات على أثر اشتباكات حصلت بين “قوات سوريا الديموقراطية”، التي تُشكل “وحدات الحماية” عمودها الفقري، وبين “لواء ثوار الرقة” المنضوي في “قسد” والذي ما زال يرفع علم الثورة السورية. وجرت الاشتباكات على خلفية محاولة “قسد” اعتقال أحد قياديي “اللواء”، ضمن ما يوصف بمحاولات حثيثة لتصفيته ومحاصرته. وتوقف اطلاق النار بعد تدخل قوات “التحالف الدولي” كوسيط بين الطرفين. وخرجت المظاهرات استنكاراً لاستهداف “اللواء” وما له من رمزية في ضمير ثوار العام 2011، خاصة أن جميع مقاتلي “لواء ثوار الرقة” هم من أبناء مدينة الرقة.

تسريبات متطابقة من مصادر متعددة، حصلت عليها “المدن”، أشارت إلى ملف الرقة سيكون بيد الفرنسيين، إذ سيتراجع الدور الأميركي نحو الشمال السوري. وربما، بحسب مصادر “المدن”، قد تحصل تفاهمات بين الفرنسيين والروس، حول الرقة، وسيكون لباريس دور في “التسويات” المقبلة. موجة التظاهرات الراهنة، جاءت كرسالة استباقية للفرنسيين، ممن يصفهم بعض نشطاء الرقة بـ”المنتدبين الجدد”.

الاحتجاجات جاءت أيضاً بعد تراكم المشاكل العالقة، وبداية عودة الأهالي للمدينة، والتحدي في تقديم الخدمات. العجز والفشل في إدارة ملفات المدينة من قبل “قسد”، في مرحلة ما بعد طرد تنظيم “الدولة الإسلامية”، أسهمت بدورها في تأجيج الاحتجاجات.

وما زالت 1200 جثة تحت الأنقاض، بحسب تقديرات محلية، وسط انتشار روائح التعفن والتحلل، والخشية من تفشي الطاعون وانتشار الذباب الأزرق والحشرات وأسراب القوارض. “فريق التدخل المبكر” الذي تموله الخارجية الأميركية ضمن “برنامج الدعم المجتمعي”، ومهمته رفع الأنقاض وفتح الطرقات وإخراج الجثث، كان قد قال للإعلام قبل أيام، بأنه انتشل حتى اللحظة أكثر من 800 جثة، وفي أيار/مايو تم اخراج 28 جثة. وبعد أكثر من 8 شهور على طرد التنظيم، فإن أغلب أحياء المدينة ما زالت بلا ماء، وجميعها بلا كهرباء إلا من المولدات. قسم من الأحياء يعتمد على الابار التي حفرها تنظيم “داعش” أثناء حصار المدينة.

وبدأ الناس بالعودة إلى بيوتهم. ومع بداية الصيف وارتفاع درجات الحرارة انتشرت بقوة روائح تفسخ الجثث، مع نقص شديد بالماء والتعقيم. حركة عودة الأهالي، رغم ذلك، سجّلت ارتفاعاً ملحوظاً، ويقدر عدد العائدين بـ150 ألف شخص، من إجمالي 400 ألف.

يقول صهيب، أحد سكان المدينة، لـ”المدن”، إن أولويات الأهالي ليست الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والصحة، بقدر الأمان بعدما أصبحت الجريمة عملاً يومياً منظماً، وسط عمليات الاغتيال وتصفية الحسابات. قبل فترة قصيرة قُتِلَ شاب صاحب “كافي نت”، ورميت جثته في أحد الأزقة، وقبله قُتِلَ شاب في وضح النهار، وهرب الفاعل على دراجة نارية. تمتد الجريمة إلى الارياف القريبة والبعيدة، حيث تتكرر الحوادث ذاتها.

أحمد، صاحب بقالية، قال لـ”المدن”: “لقد كنت صاحب محل للصرافة والمجوهرات، وقد تركته. تحتاج في مهنة كتلك إلى كتيبة عسكرية لحمايتك”. وأضاف أن اللصوص ينتشرون علناً، من دون رادع، وسط حالة انفلات أمني غير مسبوقة، بعدما نُهِبَت جميع البيوت والمستودعات والأرزاق. وعندما لم يتبقَ شيء للسرقة، أخذ الأمر منحى السطو المسلح على البيوت ليلاً، وسلب ساكنيها. وتكررت تلك الحالات، وكان أخرها، بحسب أحمد، عندما سطا مسلحون قبل أيام على بيت أحد الصاغة، وسلبوه مجوهرات وأموالاً، واطلقوا أعيرة نارية بالهواء، من دون تدخل القوى المسيطرة. وتكررت حوادث مماثلة في أحياء مختلفة من المدينة.

كما تنتشر حالات الخطف للميسورين، والمطالبة بفديات مالية لاطلاق سراحهم، ما جعل من التجار وأصحاب رؤوس الأموال والأطباء والمهندسين يترددون في العودة.

أبو إبراهيم، سائق سيارة أجرة، قال إن اللصوص هم مجموعات عسكرية من “قسد” نهاراً، تتحول للسلب والخطف ليلاً. وقد نهبت تلك المجموعات اللوازم الأساسية من محولات الكهرباء ومضخات المياه وتجهيزات المشفى الوطني، بالإضافة إلى معدات المشافي الخاصة وعيادات أطباء الاسنان، ومستودعات الحبوب. بعض اللصوص باتوا أصحاب شهرة معروفين لكل أهالي المدينة. مجموعة تتبع لهفال حمزة، القيادي في “قسد”، تنهب وتخطف من دون رحمة، وتنتشر في جميع انحاء المدينة، وذاعت شهرة حمزة كـ”قرصان”.

“مجلس الرقة المدني” الذي عينه المبعوث الرئاسي الأميركي بيرت ماكغورك، من ترشيحات قدمتها “وحدات حماية الشعب”، يعاني من عدم القدرة على توفير حاضنة اجتماعية له، ولا يحظى باقتناع شعبي. ومع ذلك، فقد تعمد حزب “الاتحاد الديموقراطي” تهميش المدينة بالكامل، وعدم اشراك أبناءها بالعملية الإدارية، فالفاعلون الأساسيون في المجلس مجموعة من البعثيين  المتحالفين مع “وحدات الحماية”، وبعض الشخصيات الهامشية.

ويعيش المجلس حالة من الفوضى، لغياب القوانين الناظمة لعمله، إلا من بعض الارتجالات التشريعية، التي غالباً ما تكون خاطئة، بالإضافة الى الفساد الذي ضربه مبكراً. المجلس ينازع المنظمات الأهلية على تمويلها، ويعمل على اطلاق سراح عناصر “داعش” بوساطات عشائرية، وعقد حلقات الدبكة احتفالاً بـ”الديموقراطية” التي جلبها “الاتحاد الديموقراطي”. وتبقى مهمته الرئيسية هي المطالبة باطلاق سراح زعيم حزب “العمال الكردستاني” عبدالله اوجلان، من السجون التركية.

فشل مجلس الرقة، ومعه “الحزب القائد” في إدارة المدينة، بعدما استلهم تجربة “الجبهة الوطنية التقدمية” في نظام “البعث”، كما فشلت القوى العسكرية بإدارة الملف الأمني وتأمين الحد الأدنى من الحماية للمواطنين.

لكل تلك الأسباب، لا يبدو أن الاحتجاجات الشعبية المشروعة ستتوقف، بل ستستمر بالتصاعد.

 المدن

اترك رد

Translate »