الرقة “غير مستقرة” وغير قابلة للحياة الطبيعية بعد

علي العائد
بعد وقت قصير من إعلان انتهاء تدمير الرقة، أو “تحريرها”، حسب اصطلاح “قوات سوريا الديمقراطية”، من وراء أمريكا، في 20 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعلن مسؤولون أمريكيون أن واشنطن تعمل على “إعادة الاستقرار إلى الرقة” لتسهيل عودة سكانها الذين فروا منها تباعاً منذ مارس (آذار) 2017، وأصبح معظمهم في عداد النازحين، عدا بضعة آلاف تورطوا في اتخاذ قرار العيش تحت قصف طائرات التحالف، و”إحداثيات قسد” الدالة على أماكن تحصن داعش في المدينة.

في الواقع، ثبت أن المتحصنين كانوا من المدنيين الذين تورطوا في البقاء في بيوتهم، لأنهم أصروا على البقاء، أو لأنهم لا يملكون ما يعينهم على النزوح إلى المجهول، أو أخطأوا في حساباتهم وظنوا أن المعركة سريعة ويمكنهم تحمل أكلاف مضافة إلى معاناتهم التي جربوها خلال سنوات من العيش تحت حكم داعش.

عناصر داعش خرجوا من المدينة “معززين مكرمين” حتى لو كانوا مهزومين، في حافلات وشاحنات، في منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل أسبوع فقط من إعلان قسد وحلفائهم الأمريكان، وقتها، “تحريرها” من داعش، بينما لا تزال جثث مئات المدنيين تحت الأنقاض (قدرت مصادر مختلفة العدد في أكتوبر الماضي بألفي مدني).

ومذذاك، يحاول “فريق الاستجابة الأولية” المؤلف فقط من ثلاثين عنصراً، إغلاق هذا الملف، لكن عدد الجثث، أو الأشلاء، التي تم الوصول إليها تجاوز بقليل 500، حتى منتصف أبريل (نيسان) الماضي، ما يعني أن حصيلة تسعة أشهر تقريباً من العمل بعد “التحرير” وصلت إلى ربع العمل المطلوب، ليس أكثر. وبرر الفريق أكثر من مرة أسباب تدني نسبة الإنجاز بقلة عدده، وقلة الآليات الضخمة اللازمة للإسراع بإنهاء المهمة.

ولا يرفع كثيراً من معنويات أهالي الرقة العائدين، أو مَنْ يترقبون العودة، إعلان فريق آخر في “مجلس الرقة المدني” يدعى “فريق التدخل السريع” أنه أزال 270 ألف متر مكعب من الركام في مدينة الرقة، فالرقم الكلي للركام ربما يبلغ عشرات، أو مئات، أضعاف هذا الرقم، خاصة أن العمل تركز على فتح عدد من الشوارع الرئيسة فقط، بينما ظلت الشوارع الفرعية، بأنقاضها، وألغامها، وجثثها، دون اهتمام حقيقي حتى اليوم.

وبالعودة إلى التقديرات، نسبة إلى حوالي 600 ألف ساكن في المدينة ما قبل عام 2011، وباحتساب خمسة أشخاص كوسطي لعدد أفراد الأسرة الواحدة في الرقة، فهذا يعني وجود 120 ألف بيت. وإذا صحت التقديرات أن ثلثي المدينة دمّر جزئياً، أو كلياً، فإن عدد البيوت المدمرة يقارب 80 ألف بيت، عدا عن المرافق العامة، والبنية التحتية المدمرة، من جسور ومستشفيات، ومحطات تحويل الكهرباء، ومحطات تنقية مياه الفرات.

وحصيلة الحساب، حتى التقديري هنا، تحتاج إلى مهندسين ومختصين، لكنها ستكون حتماً من فئة ملايين الأطنان من الإسمنت المسلح، وليس مئات آلاف الأمتار المكعبة التي تمكن فريق التدخل السريع من رفعها بإمكاناته المحدودة.

أما العودة إلى المصطلح الأمريكي “إعادة الاستقرار”، فتُظهر أن وراء المصطلح ما وراءه، فالبلاغة في صياغته تجنبت استخدام مصطلح “إعادة الإعمار”، لأن ذلك من وجهة نظر الأمريكان يحتاج إلى قرار دولي، وأمريكا لا تريد التورط في مبادرة لن تجد من يدعمها فيها، خاصة أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لا يوفر فرصة للتأكيد أن أمريكا لن تصرف دولاراً واحداً على حروب “الآخرين” في بلاد بعيدة عن البر الأمريكي.

وتفسير هذه الملاحظة أن أمريكا “مستعدة” لتقديم المساعدة بالخبرة وقليل من المال والآليات، لكن تحت عنوان “إعادة الاستقرار” فقط، حتى لو بلغت تكلفة ذلك مئة مليون دولار (مثلاً)، لكنها لن تصرف عشرة آلاف دولار (مثلاً) لإعادة وصل الجسرين الرئيسين على الفرات، اللذين يصلان الجزيرة بالشامية، لأن ذلك سيدخل منطقياً تحت عنوان “إعادة الإعمار”.

وكان المسؤول عن عمل الآليات المخصصة لرفع الأنقاض في “مجلس الرقة المدني”، صدام شهاب، قد أوجز، في وقت سابق من شهر مايو (أيار) الماضي، العمل المنجز في الرقة حتى منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بفتح 28 شارعاً رئيساً في المدينة، مشيراً إلى أن ورشات رفع الأنقاض قاربت على الانتهاء من رفع الركام من شارع القطار، وتم نقل بعض الآليات إلى مفرق الجزرة، غرب المدينة، للمباشرة في عمليات رفع الأنقاض من الحي هناك.

وبالأرقام، تسلم “مجلس الرقة المدني” آليات ثقيلة من التحالف الدولي كان آخرها في 21 مايو (أيار) الماضي، وضمت تسع جرافات، وثماني شاحنات (قلاب)، وخمسة صهاريج، كدفعة رابعة من هذه الآليات، لكن المسؤولين في المجلس لا يزالون يشتكون من قلة المال والإمكانات.

وفي النتيجة، تحسن الوضع العام للعيش في الرقة بشكل طفيف يكاد لا يكون محسوساً بوضوح، وفق ما ينقله لنا الأهل والأصدقاء هناك، والصور الحديثة التي تصل عن طريق وكالات الأنباء، ووسائل التواصل الاجتماعي. لكن أهل الرقة العائدين إليها ما زالوا تحت صدمة رؤية مدينتهم مدمرة، كون حجم الدمار أكبر من إمكانية استيعابه تمهيداً لنسيانه، ولأن الصدمة النفسية تتجدد يومياً وأنت تمشي يومياً وتحاذر السير إلى جانب كتل اسمنتية معلقة تحسبها ستنهار عليك في أي لحظة.

اترك رد

Translate »