الرقة من داعش الأسود إلى داعش الأصفر

هيئة التحرير

خرج حزب البيدا بذراعه العسكري منتصراً على داعش في مدينة الرقة بمعونة التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، ومن قبل كان قد خرج منتصراً في عين العرب “كوباني” وتل أبيض ومنبج، ثم وسع دائرة انتصاره ليكمل عقدها على معظم ريف دير الزور، ووضع نصب عينيه إتمام وضع يديه على معظم حقول النفط المشاطئة لنهر الفرات، بدءاً من حقل كونيكو والعمر والتنك وخشام، وبدأ أول ما بدأ بعقد صفقات لتوريد النفط الخام للنظام السوري، عبر وسطاء محليين، تحت شعار النفط مقابل الدولار والذهب، والنفط مقابل المنتجات الأساسية، سعياً وراء تحقيق أسباب بقائه لأطول مدة في المناطق التي يسيطر عليها في شرق سوريا وشمالها.

وكانت باكورة اهتمامه رفع صور القائد الأممي أوجلان وشعارات إخوة الشعوب الرنانة في ساحات المدن وشوارعها الرئيسة، ومع اختفاء الرايات السوداء، حلّت مكانها الرايات الصفراء، وبدل دعوات الصلاة الزاجرة حلّت بديلاً عنها دعوات الرقص والدبكة القسرية، وكانت عبارات آبو وهافال واليبغا بديلاً حتمياً عن الحسبة والنقطة 11 بصورة تعكس تبديل استبداد بآخر، وظالم بأشد ظلماً لكن هذه المرة تحت مسميات عصرية وشعارات مضللة، أقرب ما تكون مطالب حق يُراد بها باطل، لا يختلف عقلاء في قراءة ما يجري على أرض الرقة وما يجابهها من أوضاع أقل ما يمكن وصفها بالمأساوية.

وبدل أن تهتم قوات سوريا الديمقراطية بالصحة وتأمين الدواء، ساعدت على ترويج المخدرات، بل وزراعتها والمتاجرة بها عن طريق وكلاء لا يهمهم سوى الربح ولتذهب الصحة إلى الجحيم، وبدلاً من إصلاح أدوات الزراعة الركن الأساسي للحياة في الرقة، عمدت إلى إغماض أعينها عن أمراضها، وإصلاح أقنية الري، وبات الفلاحون والمزارعون عاجزين عن إيصال ماء الري إلى حقولهم، وظهر عجزهم أمام آفات القمح والقطن التي تهاجم حقولهم، وسط غياب الأسمدة والمبيدات، وإن توفرت فهي بمنأى عن المتناول في ظل غلاء أسعارها التي لا تتناسب مع عائدات منتجاتهم الزراعية، ولتذهب الزراعة إلى الجحيم، ما دامت صور القائد الفذ ترتفع في الأعالي، ونداءات إخوة الشعوب تصدح في كل مكان، وبدلاً من إحياء الثقافة والفكر وإعلاء كلمة الحرية، آثرت إحياء الرقص والدبكة العامرة، ولتذهب الحرية إلى الجحيم طالما الشعب بكومانته وشعاراته يؤمن إيماناً قطعياً بحرية المرأة.

سعى النظام إلى تهميش الرقة وأهلها، وجعلها حقل تجارب لمنطلقات حزبه النظرية، ثم جاء داعش الأسود ليحيي الإسلام في مناطق اعتقد أنها بكر، أو هي خارج منظومة الإسلام، وجاء داعش الأصفر ليحيي الحرية في موطن اعتقد أنها خارج منظومة الحرية والإنسانية، وغاب عن ذهن الجميع أن عمر الرقة الحضاري يرتقي إلى عشرة آلاف عام، وأنها كانت موطن أول استيطان بشري، وأنها أول من دجّن الزراعة، وهي التي بنت الجامع إلى جوار الكنيسة، وهي التي احتضنت أيام العروس عندما كانت عاصمة الدنيا، وأنها كانت إحدى منازل الدنيا الأربعة كما كان يطيب للرشيد ذكرها.

في الوقت الذي تعلو فيه مظاهر الاستبداد والظلم، وتنتعش فيه آفات الارتزاق تحت رايات أمراء الحرب، ما زالت الألغام تفتك بأهل الرقة، وما زالت رائحة جثث الموتى تزكم الأنوف، وما زالت الأمراض السارية والمعدية تفتك بالمستضعفين ممن آثروا البقاء في بيوتهم المهدمة وتحت سقوفها المنهارة، وما زال صوت المنادي يدعو قسرياً لإغلاق المحلات والتوجه إلى أماكن الاحتفال إحياء لمضي سنة على “تحرير” الرقة، المدينة التي اشترك في تدميرها التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب والنظام المجرم بمساعدة وكلائهم وأُجرائهم المحليين داعش الأسود وداعش الأصفر.

نعتقد أن فاتورة الدم والقهر التي عانى منها أهل الرقة سيكون سدادها غالياً، وأن الظلم سيرتد على كل ظالم ومستبد وقاتل ممن استباحوا الدماء، وظلموا الناس بغير وجه حق، والأيام بيننا.

اترك رد

Translate »