الرقة.. وتأثيرات انسحاب ترامب

هيئة التحرير

بعد قرار الرئيس الأمريكي “ترامب” ثبت للقاصي والداني أن الرقة لا يمكن أن تغيب في تحقيق الإستراتيجية الأمريكية التي أعلنتها إدارة ترامب، كما لا يمكن أن تتحقّق دونها محاربة داعش وإيران، والضغط على النظام، وتحجيم الامتداد الروسي ودوره، فهي حجر الزاوية في تحقيق التوازن بين مختلف القوى المتصارعة التي تعمل على حشد قواها واستطالاتها إثباتاً لقدرتها على الكسب الأكبر. أمّا الدور التركي فقد تجدّد على نحو ملفت بعد التهديدات الحازمة الأخيرة، بأن تكون الخنادق التي حفرها مقاتلو  PYD  قبوراً لهم، لتأتي تغريدة ترامب فتكون الفيصل فيما اتفق عليه الأتراك مع الأمريكان.

لم تعد الرقة مجرّد مدينة أشباح مدمّرة، ولن تكون مرتكزاً لمحتلّين جدد رأوا أن يقيموا فيها مركز إدارتهم الذاتية، وهي نقيض لإيديولوجيا داعش، وكلاهما كان قسراً على أهلها، ولن ترضى بأي احتلال. ولكن ما التأثيرات المحتمَلة والتداعيات التي سيخلّفها انسحاب الأمريكان على الرقة ومستقبلها؟

بعيداً عن شطط التحليلات والمآلات المرعبة المرسومة لمحافظة الرقة، لأن القرار سيكون تنفيذه بطيئاً على الرغم من وقعه المفاجئ، لأن المصالح الأمريكية –برأي ترامب- تقتضي ترك سورية لمن يريدها، ولكنه لن يمنحها هدية مجانية للمتصارعين- الأتراك والإيرانيين والروس والنظام- دون مقابل، ولهذا كان استرضاؤه للأتراك محقّقاً أكثر من هدف، فهم شركاء حلف الناتو، ولديهم جيش قادر، والامتداد الجغرافي للشمال السوري، ومن ضامني أستانا، ومكمن التخوّف والقلق التركي من أحلام حلفاء واشنطن أكراد قسد وقنديل المصنّفين إرهابيين، ولهم كلمة لا تردّ عند المعارضة السورية المسلحة التي تعمل بإمرتهم، وفي مقدمة زحفهم في معارك غصن الزيتون ودرع الفرات. ومادام الأمر كذلك، وقد رسا الاختيار على مَن سيكون له الدور البديل ليملأ الفراغ الأمريكي قبل انسحاب ما يقارب 4000جندي أمريكي.

تخوّفات رئيسة الإدارة المشتركة التي طارت تطلب دعم باريس، وقبلها فتحت خطوط التواصل مع النظام وحلفائه تقول: “على هذه القوات أن تبقى. لأنها إن غادرت من دون التوصّل إلى حلّ شامل للأزمة السورية، ستكون لذلك تداعيات كارثية”، وكأنها ترى أن المنطقة ستكون برداً وسلاماً وهي ترزح تحت نير استبدادهم وقهرهم، ولذلك يلوّحون بوقف المعارك ضد المتبقّي من جيوب داعش، تمتيناً لموقف أوروبي يدعمهم، أرادوه من حلفائهم الأمريكان “الخونة”، وابتزازاً للمتصارعين لتحقيق مكاسب أكبر قبل نقلهم بنادقهم إلى الكتف الأخرى.

وأمّا النظام وحلفاؤه “الإيرانيون وميليشياتهم”، فإنهم أخذوا يمارسون هوايتهم المفضّلة إعلامياً ليحبطوا الهمم ويشتروا الذمم، حول نقل قواتهم من إدلب والبادية صوب شرق الفرات، وهدّدوا وتوعّدوا، وهم يعرفون أنهم لن يتمكّنوا من عبور النهر، ولن يعودوا إلى الرقة بمجرّد أن اتفقوا مع “مَسَد وقَسد”، لأن اللعبة الدولية أكبر من أمنياتهم، بل أكبر من الجميع، ولأن أمريكا جزء من تحالف دولي سيبقى في المنطقة، حتى تنفيذ القرار 2254، وقبل هذا وذاك فإن الرقة بكل مكوّناتها رافضة عودتهم.

في ظلّ هذا الوضع المعقّد وضبابية ما يجري، وما يمكن أن يترتّب على ذلك من صراعات، سيكون شمال شرق الفرات مسرحه، فالروس لهم كلمتهم وقد حرّكوا قواتهم لملء الفراغ في البادية، وربما باتفاق مع واشنطن تمهيداً لإخراج إيران من المنطقة تحقيقاً للضغوطات الإسرائيلية ولقوى التحالف وللخليج والعشائر تأثيرها فيما يُرسم من خرائط ويجري من تحرّكات عسكرية وسياسية.

إن تصليب موقف أهل الرقة وبثّ روح التفاؤل والعمل المجدي، سيكون عاملاً حاسماً في الصراع الدائر حولهم إلى حين.

اترك رد

Translate »