الرئيسية / ثقافة / رواية “الشياطين” لفيودور دويستويفسكي
رواية “الشياطين” لفيودور دويستويفسكي

رواية “الشياطين” لفيودور دويستويفسكي

الرقة بوست – معبد الحسون

” إنها رواية بغيضة وكريهة.. لكنها عظيمة ” ــ لينين ــ

 

                          الجريمة السياسية

 

نُشرت لأول مرة في مجلة “الرسول الروسي” على حلقات، ما بين عامي 1871 ـ 1872 .

مدخل

{… وكان هناك قطيع كبير من الخنازير يرعى في الجبل، فتضرعت الشياطين إلى يسوع أن تدخلَ في الخنازير، فأذِن لها، فخرجت من ذلك الانسان ودخلت في الخنازير. فاندفع القطيع من أعلى الجرف إلى البحيرة، وغرق فيها. فلما رأى رعاة القطيع ما حدث لها هربوا، ونشروا النبأ في المدينة وفي القرى.. فخرج الناس ليروا ما جرى، فلما وصلوا إلى قرب يسوع وجدوا الإنسان الذي كانت الشياطين قد خرجت منه، وجدوه لابساً ثيابه، مالكاً عقله، جالساً عند قدمي يسوع. وروى لهم شهودٌ الحادث، كيف خلّص المجنون.}

إنجيل لوقا ـ الأصحاح 2: 32

بهذه العبارات الإستهلالية افتتح دويستويفسكي روايته الضخمة. والتي وضعها في مقدمة الرواية. ولن يخفى مافي المقطع الإنجيلي من روح استنساخية غنوصية، ومن حلولية ذات طابع سايكولوجي هو صفة عامة في أدب دويستويفسكي. ولو أردنا تعميم هذه القاعدة وتوسعتها أكثر، فإننا سوف نلاحظ أن شخصيات الرواية، على امتداد صفحاتها، هم مركبات نفسية عميقة، لاشعورية وخفية. تتجمع أحياناً وتنفصل عن بعض. وتتآزر ويعدُّل بعضُها الآخر، أو يوَضِّحه. ولست واثقاً، إن كان دويستويفسكي نفسه واعياً تمام الوعي لهذه الحقيقة في نفسه وطبيعة خافيته العميقة، أم أن عفوية التلقائية التي تتشارك فيها الواعية والخافية هي التي كانت تقود أفكاره، لا هو من يقودها. وتسدد فكرته قبل أن يصححها..

ــ  1 ــ

في حزيران من عام 1862 قرر دويستويفسكي أن يترك العمل في صحيفته (الزمان)، وأن يغادر العاصمة سان بطرسبورج في رحلة سياحية يزور فيها معظم العواصم الأوربية. لقد تركت هذه الرحلة انطباعات سيئة في نفسه عن الغرب والحضارة الغربية بصورة عامة. إن أوروبا التي يراها لأول مرة تُخَيّب ظنه وتبدد أحلامه. فلا يقيم في باريس ولندن إلا فترة قصيرة، يسرع بعدها عائداً إلى ألمانيا، ثم يصل إلى جنيف. ويذهب بصحبة صديقه ستراخوف في رحلة إلى إيطاليا.. فيمكثان معاً، ثم يعود دويستويفسكي بعدها إلى روسيا.

هذه الرحلة التي دامت شهرين، أمدت دويستويفسكي بمادة كتابية وفيرة للمجلة التي عاد إلى تحريرها.. لقد أصبح دويستويفسكي لا يحب بطرسبورج، و ها هو ذا يصف باريس بأنها “مدينة فظيعة وتعيسة تعاسة رهيبة، لا يفكر سكانُها البورجوازيون إلا بالمال”.. كما حمل من لندن شعوراً عالياً بالاشمئزاز، حيث كتب عن “فوضاها” يقول: “إنها النظام البورجوازي في ذروته”. فلا يرى فيها إلا مئات البغايا في حي بيكاديللي، وإلا سكانها العراة في هوايتشابل..

إنه يتصور بأن أوروبا الغربية قد وصلت بماديتها إلى حافة المنحدر، وأنها بنسيانها “الله” ماضية نحو الأفول. وليس على “روسيا المسيحية الأورثوذوكسية” أن تتوقع من أوروبا الغربية أيّ خير. وعليها أن تتبع طريق خلاصها الخاص بها..

هذا الخلاص سوف يكرسه في تصور حدسي غامض، يلوب في نفسه دون أن يفصح، ويحرضه دون أن يكشف عن مغزاه العميق.. إنه الأرض والإنسان البسيط المقهور، والسلافية من حيث هي مضمون مجهول غير متحدد بمعنى من المعاني. إنه “المذلون المهانون”، والرقيق الذين يعملون فلاحين في الأرض، وقد حصلوا على حريتهم المفترضة بموجب مرسوم من القيصر ألكسندر الثاني، عام 1861.. لكن السؤال المُلح بقي قائماً: وماذا سيفعلون بهذه الحرية، وكيف سيتصرفون بها..؟ إنها القوة التي لا تجد لها هدفاً تنصرف إليه لكي تثبت ذاتها، وهذا التحرر هو برهان حقيقة هذه القوة العمياء.. ومرة أخرى سوف يشكل “نيقولاي فسيفولودوفتش ستافروغين” رمزياً نموذج هذه القوة التي لا تعرف أين تذهب، ولا في أي طريق تمضي..

بعد رحلة عام 1862، تلاقت خيوط آمال دويستويفسكي للخلاص، في طريق مستقبل الغرب، حول فكرة إحياء السلافية، من حيث هي جوهر ذي مضمون مسيحي غامض، وكحامل أولي للأورثوذوكسية. دويستويفسكي الذي بدأ حياته كشاب يساري وثوري متحمس، وقضى ثماني سنوات في سجون سيبيريا وصحرائها الجليدية القاسية، والذي كتب “ذكريات من منزل الأموات” بعد أن تم استبدال عقوبة إعدامه بنفيه إلى سيبيريا، لأنه كان منتمياً إلى حلقة بتراشفسكي، وقد ألقى في أحد الإجتماعات بيان بتراشفسكي الذي جاء فيه: “أيها السادة، لقد حكمنا على هذا المجتمع بالموت، والآن جاء دور التنفيذ العملي”.. إنه سوف يجد مرة أخرى في شخص بتراشفسكي ذلك النموذج الأولي لشخصية “بطرس فيرخوفنسكي”، أحد أهم الأبطال الفوضويين والعدميين في رواية الشياطين. حتى الاسم المشتق من “بطرس”، متطابق بين الشخصيتين. لكن دويستويفسكي اعتمد نموذجه الآخر من واقع حادثة فعلية، قام بها ثوري عدمي آخر، يدعى نيتشاييف، كان يترأس إحدى الخلايا الثورية السرية، (وكان يوهم رفقاءه بأن مجموعته مؤلفة من مئات الخلايا التي تملأ روسيا، وهم مستعدون للقيام بالثورة بإشارة منه).. وكذلك فعل بطرس فيرخوفنسكي مع مجموعته الخاصة.. أي شياطينه، أو شياطين دويستويفسكي.. فقد أوهمهم بأن أعدادهم بالمئات، مع أنهم فعلياً كانوا هم هؤلاء الخمسة أشخاص، ليس غير..

وكما أقدم نيتشاييف على اغتيال أحد عناصر تنظيمه، الطالب الذي اتهمه بخيانة التنظيم والقضية، فلسوف يسعى بطرس فيرخوفنسكي أيضاً إلى اتهام شاتوف، أحد أعضاء تنظيمه بالخيانة، ولسوف يغدر به بعد أن خطط لاغتياله، وأقنع باقي أعضاء المجموعة في مشاركته الجريمة.. هذه الجريمة السياسية، هي واحدة من أفظع الجرائم التي صوّرها الأدب العالمي. ربما لا تجد تصويراً مريعا للقتل، كما تجد في وصف دويستويفسكي للطريقة التي تم بها اغتيال شاتوف. حتى أن رواية الشياطين تفوقت في الحس الدرامي المؤثر على مشهد وصف قتل المرابية في الجريمة والعقاب. لقد كان التصوير فظيعاً، تفوق فيه ديستويفسكي على نفسه، بل وحتى على شكسبير في تصويره لحادث اغتيال يوليوس قيصر.

لا يشارك ستافروغين، البطل الرئيسي في رواية الشياطين، في حادثة اغتيال شاتوف، لكنه كان يدرك أن بطرس فيرخوفنسكي يخطط لهذا الاغتيال، وهو الحاضر الغائب في كل مشهد وحادث. لقد ارتقى ستافروغين إلى مرتبة إله، يملك كل أسباب القوة، لكنه عاجز عن أي فعل في الواقع المحيط. أليس هذا الحال هو أيضاً حال الأمير ميشكين، بطل رواية الأبله، ممثل القداسة وصورة يسوع المسيح المتجلية على الأرض..؟ لقد حاول الأبله ميشكين ان يبث تعاليمه وأن يعلمها لجميع المأزومين أبطال رواية الأبله، (وفي العموم فإن جميع أبطال روايات دويستويفسكي هم من المأزومين المضطربين)، لكنه انهار آخر الأمر، وفقد قدرته على أن يستمر في لعب دور المسيح المخلص، فارتد إلى مرضه العصبي، وعاد إلى منفاه في جبال سويسرا، حيث كان يعالج من مرض عقلي غامض.. أما مُرَكّب الإله الآخر، ونموذجه في رواية الشياطين، ستافروغين، فلقد فضّل أن يشنق نفسه وأن ينتحر؛ دون أن ندرك لماذا على وجه التحديد..

لقد انتهت رحلة تفتح دويستويفسكي الشاب على اليسار الثوري والأفكار الراديكالية، وبات أكثر محافظة وصرامة وحذراً في التعاطف مع فكرة تغيير نظام الحكم القيصري أو الانقلاب عليه. فبعد خروجه من المعتقل ببضعة سنوات، سوف يقف في الطرف المناوئ لتلك الحركات اليسارية الإرهابية المتطرفة، ولهؤلاء الشبان الذين بات يتصور بأن مساً من الجن قد اعتراهم. (العنوان الحرفي للرواية بالروسية هو: الممسوسون).. إنهم يمجدون قيام “جمهورية ديمقراطية روسية على أنقاض الأمبراطورية القيصرية، ويدعون إلى إغراق الشوارع بدماء الأوغاد”.

بعد عودته من إيطاليا إلى بطرسبورغ، أصدر دويستويسفسكي بالشراكة مع شقيقه ميشيل، صحيفة جديدة أسمياها: (العصر). والتي نشر فيها لأول مرة روايته الجديدة التي هي واحدة من أروع مؤلفاته، وعنوانها: “في قبوي”.. لكن رواية “في قبوي” لم تحظَ بأي اهتمام أو شهرة بين النقاد.. تموت بعدها زوجته الأولى، التي تعرف عليها أثناء قضاء محكوميته في سيبيريا، بمرض السل عام 1864، فيقبع الكاتب وحيداً في الصقيع والفراغ، على حد تعبيره.. وفي عام 1866 ينتهي دويستويفسكي من آخر فصول مخطوطته (المقامر)، و(الجريمة والعقاب). ويبدأ برحلة جديدة برفقة زوجته الثانية آنا إلى أوروبا.. في درسدن عكف على وضع مسودة روايته الأبله، (والتي ظل يخطط لكتابتها ويضع لها مسودات ثم يمزقها لاحقاً لفترة جاوزت أربع سنوات)..والتي نشرت لأول مرة في موسكو عام 1868. حيث شرع بعدها في البدء بكتابة روايته الجديدة، والتي وضع لها عنواناً هو: الجن أو الشياطين أو الممسوسون.. ولقد درجت تسميتها في غالب الترجمات إلى العربية باسم: الشياطين.. والترجمة الحرفية للرواية عن الروسية تفيد بصورة أدق لفظاً ومعنى كلمة) :الممسوسين)، لكن الدكتور سامي الدروبي اختار لها عنواناً مناسباً أكثر هو (الشياطين)، حتى بات هو الشائع اليوم في معظم الترجمات العربية المشتهرة..

يتبع…..

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »