الرئيسية / ثقافة / رواية “الشياطين” اختراع المساواة.. وابن القيصر إيفان
رواية “الشياطين” اختراع المساواة.. وابن القيصر إيفان

رواية “الشياطين” اختراع المساواة.. وابن القيصر إيفان

الرقة بوست – معبد الحسون

بوسعنا القول إن البشرية قد أنجزت نبوءة دويستويفسكي المظلمة هذه؛ أو هي بالأحرى امتثلت لتعاليم الشيجالوفية: تم قطع المائة مليون رقبة خلال قرن، وتحققت الطاعة في أعلى أشكالها المراد تطبيقها.. بانبثاق الكتلة الشيوعية، أو حتى بعد زوالها اليوم، إذ لم تعد ثمة حاجة إليها بعد سبعين عاماً، فإن الشيجالوفية ماتزال سارية المفعول عالمياً، مع بعض التحديثات والتحسينات الضرورية..

{.. سوف ننمي الإدمان على السكر. سوف نغذي الافتراء والتخرص، والسعاية والنميمة. سوف نغرق البشر في فجور لا عهد بمثله من قبل، وسوف نقتل كل عبقرية قبل أن تولد. سوف يكون جميع الناس متساوين: مساواة مطلقة. الضروري وحده ضروري. ذلك هو الشعار الذي يجب أن ترفعه الإنسانية بعد الآن. ولكن سوف يتوجب علينا أن نمنحها من حين إلى حين بعض الانتفاضات نوفرها لهم نحن القادة. إن العبيد يجب أن يكون لهم سادة. طاعة كاملة، إمحاء للشخصية مطلق. ولكن شيجالوف سوف يسمح بالانتفاضات، مرة كل ثلاثين سنة. وعندئذٍ يهجم الجميع على الجميع ويلتهم بعضُهم بعضاً، ولكن إلى حد، للتغلب على الضجر فحسب. الضجر شعور أروستقراطي. إن مجتمع شيجالوف لن يعرف الرغبات. لنا نحن الرغبة والألم. أما العبيد فلهم الشيجالوفية.”..” إسمع: في الغرب سيكون لهم البابا، وعندنا… تكون أنت!

غمغم ستافروغين يقول وهو يسرع في خطاه مزيداً من الإسراع:

ـ دعني وشأني. أنت سكران!}

ولدت معظم ثمار الغرب الحديث من النبوءة: إنها شجرة دويستويفسكي الباسقة، فمنها تفرعت بذرة النازية والفاشيات جميعها، (راسكولنيكوف في الجريمة والعقاب وبطرس فيرخوفنسكي في الشياطين، وإيفان في فصل “المفتش الكبير”، في “الأخوة كارامازوف”). وتحت ظلالها تفيأت الفلسفات الفوضوية والعدمية والوجودية والأدب الوجودي، وظهر نيتشه وإنسانه القوي السوبرمان الكامل، وتحدر فرويد ومدرسة التحليل النفسي.. وما بين جنون الفوضى والقتل والإبادات الجماعية، ومنذ الحربين العالميتين وانتهاءاً بداعش ونظام الإبادة الأسدي، لم يكن دوستويفسكي يرغب في الحديث عن الثورات، أو الجماعات السرية، أو العدل والظلم.. كان يريد الحديث عن شخصيات ثلاث، تمثل صلب الطبيعة الإنسانية التي تضج في عالم الشياطين.. قبل كل ذلك وأهم منه يجب أن لا يغيب عن بالنا أن الرواية قد كتبت قبل مائة وخمسين عاماً من الآن.. وبنهاية الرواية يكشف دويستويفسكي ما سيحدث: فشل المثالية (ستيفان)، وانهزام الشر (بطرس)، وانتصار الضمير (ستافروجين) .. كل ما يحدث بين الشخصيات، وتفاعلها فيما بينها: شاتوف وليبوتين وليامشين وليزا وفرجنسكي وفرفارا وماريا وجوليا وفدكا ولبيادكين، جميعهم يتحركون وفق هؤلاء الشخصيات الثلاث، يخضعون لها كالقدر، فيُـقتل شاتوف وينتحر كيريلوف وتموت ليزا بسبب شر بطرس، وتنكفئ فرفارا بتروفنا على نفسها بعد موت ابنها، وتنتحر الطفلة ماروشكا بسبب واحدة من نزوات ستافروجين .. الشياطين هم هؤلاء جميعاً، ليسوا عمال مصنع شبيجولين الذين أحرقوا المصنع وأحياء من المدينة، أو بطرس لوحده، أو أفراد الحركة، أو أركل وليبوتين وفدكا، أو الثورة والخراب والدمار .. هو الإنسان بمختلف أشكاله، أكبر شيطان يجر الموت والدمار إلى من حوله، حينما يساهم في انحطاط مبادئه ويستسلم لشياطين الضلال .
هذه الشخصيات تقدم صورة الإنسان المجرد في حمأة كبريائه .. حينما يحاول البحث عن الأجوبة في عالم يضج بالأسئلة، ويختلق الصراعات ويصنع الشر ويؤذي الآخرين ويسحق نفسه فيسحق غيره معه، لمجرد أنه يعيش وهماً بأنه قادر على تحديد مصيره، وبأنه ـ متوهماً أن في استطاعته ـ أن يتحكم بمصائر الآخرين، وأن ينساق وراء هذيان نفسه ونزواته .

جميع هؤلاء الشخصيات، تضج في انغلاق روحي، وضبابية تسيطر على قناعاتها.. ما بين عبثية ليزا واضطراب شاتوف وتناقضات ستافروجين وسذاجة ستيفان وسخافة فرفارا بيتروفنا وجوليا زوجة حاكم المدينة، تبرز الخلاصة العابثة: لا أحد من هؤلاء يستحق النعيم، والعدل، والراحة .. جميعهم قد باع وجوده لعدمية الإنسان الفارغة، فتحول إلى مخلوق تحركه نوازع لا مرجع لها، تتلقفه الشياطين ليتحول شيطاناً.

 

                                                   ــ 7 ــ

 

ابن القيصر إيفان:

لا يوجد في هذه الرواية شخصية تحاول فهم الحياة باعتبارها امتداداً روحانياً لحقيقة أعظم، حقيقة وجود إلهي يسير الكون.. حتى شاتوف أكثرهم قرباً من المفهوم اللاهوتي للحياة، يلح عليه ستافروجين “هل تؤمن بالله؟” فيجيب متمتماً “سأؤمن بالله” .. ولذا تنقاد جميعُها إلى دمارها راضية مستكينة، ينتبه شاتوف بعد شهوده معجزة ولادة ابنه باعتبارها انعكاساً إلهياً، وتثوب ليزا إلى شيء من رشدها إثر شعور الخطيئة العارم بعد مقتل ليبيادكين وأخته المجنونة الشوهاء، فيدرك كلاهما أن الحياة التي عاشها كل منهما كانت مجرد وهم أحمق.. إلا أن الأوان قد فات، فقضى عليهما ما كانا يحاولان الهرب منه .

لكن دويستويفسكي أراد أن يتناول ستافروغين بعناية فائقة تجعله في مركز الرواية، وتكشف بأنه يمثل الصورة الحقيقية للإنسان، كمجموعة من المتناقضات، من الخير والشر، من الطموح واليأس، من الحب والكره، من اللذة والتطهير، تتجاذبه شخوص الثورة والمثالية.. تناقضاته التي تكشف عن ضعف في التوجيه الروحاني، ثم انتحاره، كلاهما يعدان انتصار الضمير بمعناه الدوستويفسكي الإيماني، انهزاماً أمام بشاعة الحياة المتورطة في ما ليس له مرجع روحاني ثابت..

يقدم ستافروغين اعترافه الصادم للكاهن تيخون ليكشف عقدة الإنسان الأزلية: خضوع اللذة للضمير.. ذلك الوخز المتفسخ السادي الذي يشعر به، حينما يؤذي الفتاة الصغيرة لإشباع شعور غامض باللذة، يدفعه إليه إغراء القدرة على ذلك، وكأنه يخوض رهاناً ضد ضميره بأن يتحداه، يخبره بأنه قادر على هزيمته، فيظن بأنه فاز حينما يضحك على صورة إصبعها المرفوعة المهددة، ليدرك لاحقاً أن فوزه غطاء لهزيمة نكراء، حولت تلك الإصبع المضحكة إلى صورة تجسد العذاب .. وحينما يتزوج ماريا تيموفئفنا، زواجاً مدنياً رسمياً، بالرغم من أنه لم يقترب منها وماتت وهي فتاة عذراء(وهو الشاب الجميل الغني القوي الذي تطمع كل فتيات المجتمع الراقي في أن يظفرن بحبه، وهي المجنونة البلهاء والقبيحة العرجاء والمعوقة جسدياً)، احتقاراً منه لكل شيء جاد، وتحدياً لكل قيود الحياة والمجتمع التي تشعره بعبوديته، دون اعتبار لوجود تلك الكائنة المعذبة.. وحينما يحاول اقتلاع أنف ذلك الرجل، ويقوم بعضِّ أذن الحاكم، ويرفض قتل متحديه في المبارزة، ولا يرد على شاتوف حين صفعه أمام الجميع، على الرغم من أن شاتوف يُعد أحد أقنان والده السابقين.. كل ذلك يجسّد رغبة غامرة بالتحرر، وبعدم الانقياد إلى الثورة الهوجاء على كل شيء، بما فيها نفسه، إلا أن ذلك يتخذ شكلاً عنيفاً يقوده اضطراب روحه المثقلة بالغموض والذنب .

لقد حدثت عدة وقائع وجرائم، ربما كان أهمها مقتل شاتوف، يضاف إليها مقتل ليزا ومقتل الكابتن ليبيادكين وشقيقته العرجاء القبيحة المجنونة، (زوجة ستافروجين الشرعية)، وانتحار الطفلة ماتروشكا في الفصل الأخير من الرواية.. جميع هذه الوقائع كان المتسبب فيها بصورة غير مباشرة هو ستافروغين نفسه، وإن يكن لم يباشرها، ولا كان حاضراً أثناء وقوعها، ولم يعترف بمسؤوليته عنها أو اقترفها بيديه.. لكن بطرس فيرخوفنسكي، الذي أراد أن يمضي في جنون الانتحار السياسي الذي سيصنع تاريخاً جديداً لروسيا المستقبل، كان له رأي آخر؛ فقد رأى أن الجماهير مفطورة بحسها المتوارث على الأسطورة والغموض والوقائع السحرية المزلزلة التي يجب انتظارها لتحريك الواقع الراكد واستبداله، وهكذا.. فلو أنه أشاع بين الجماهير بأن أحد أبناء القياصرة السابقين، الذي اختفى وظن الناس بأنه فُقِد أو مات، قد ظهر إلى الحياة من جديد.. وأنه ” سوف يملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً”، عندئذٍ سوف يتمكن بواسطة هذه الحيلة الماكرة من رصّ صفوف مئات الآلاف والملايين حول دعايته لقضيته السياسية، وسعيه في قلب نظام الحكم القيصري واستبداله.. إن ستافروغين ليس هو إلهه فحسب، بل هو أمله الوحيد:

{…. سوف نشعل حرائق!… سوف ننشر أساطير. سأجد لك بين هذه الحلقات هواة يطلقون النار فرحين، بل يرون أنهم نالوا شرفاً عظيماً لأنهم كانوا الأوائل. وعندئذٍ إنما تبدأ البلبلة والثورة. وسنشهد انقلاباً عظيماً لا عهد للعالم بمثله من قبل… سيهبط على روسيا ضباب كثيف.. وستبكي الأرض آلهتها القديمة.. ويومئذٍ نخرجه.. نخرج من..؟

ـ من ؟

ـ ابن القيصر، إيفان.

ـ كيف ؟

ـ ابن القيصر، إيفان، أنت ، أنت !

فكر ستافروغين لحظة. ثم سأل المجنون وهو ينظر إليه بدهشة عميقة:

ـ محتال ! هذه إذن خطتك ؟

وعاد فيرخوفنسكي يتكلم فقال بصوت عذب، بصوت يشبه أن يكون صوت عاشق ولهان(وكان في الواقع يبدو سكرانَ):

ـ سوف نقول إنه “مختبئ”. هل تعلم ماذا تعني هذه الكلمة “مختبئ” ؟ ولكنه سيظهر، سيظهر. سوف نخلق أسطورة.. إنه موجود ولكن أحداً لم يره بعد”. ما أروع الأسطورة التي يمكن خلقها في هذا الشأن !}

ولكن دوستويفسكي بعبقريته يضع شخصية تجسد عقدة جديدة، تتمثل في كيريلوف .. إذ يبدو أكثر الشخصيات تحرراً، رغم كل أوهام الجنون التي يضجُّ بها، رغم دعاوي الإلحاد التي يدعيها وتتداخل مع أعمق مشاعر الإيمان الخفية.. كيريلوف يبدو الوحيد في هذه العصبة اللعينة ممن تحرر من سطوتها، لم يبالِ بموت شاتوف، ولم يعبأ بمواقف ستافروجين، ولم يقبل الدخول إلى الحركة، وكره شرّ بطرس فيرخوفنسكي.. طوال الرواية، كان منزوياً في عمق سحيق، وكأنه يراقب الجميع من فوق، ينظر إلى كل ذلك الدمار بعين لامبالية، يدمن شرب الشاي – كما كان دويستويفسكي في مرحلة من حياته – ويسهر الليل جيئة وذهاباً في غرفته، متفكراً في الموت، كوسيلة للتحرر من عبودية الجسد والطبيعة، ومدخلاً لألوهية ذاتية يفرضها اتحاد عميق مع الله..

 

كيريلوف، وكما قال عنه بطرس، لم يكن في الحقيقة ملحداً، لقد كان أكثر إيماناً من غيره، ولكن بطريقة أكثر شذوذاً من أن لا تكون مؤمناً، ولذا لم يكن متورطاً فيما يضج من حوله، العالم بالنسبة له انهيار متواصل لا نهاية له، الحياة لا توجد في كتلة الشياطين التي تدب من حوله، جميعهم يقتاتون من عدمية وجودهم السحيقة..

 

ولأن كيريلوف يدرك ذلك جيداً، فهو لا ينظر إلى الحياة بمسؤولية، إنها مجرد سجن كبير، نلتزم الجلوس فيه رغم أن الباب مفتوح لأن نرحل متى نشاء، ومن يرحل منه فقد اختار أن يكون حراً، ولذلك فهو يتحول إلى “إله” باعتباره قد قرر مصيره بنفسه، كما كان يظن ستيفان مع الجمال، وبطرس مع الثورة، الإنسان المتكبر الذي يظن بأنه قادر على تحديد مصيره.. ولذا كان كيريلوف مؤمناً بالله، ولكنه لم يكن يعلم من هو الله!! ولذا آمن بنفسه باعتباره انعكاساً لله، ولم يفهم أن الحياة امتدادٌ لوجود الله.. ولهذا هو شيطان أيضاً، يقتات من عدمية وجوده كغيره .

يتبع…….

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: