الرئيسية / ثقافة / المجنون والفيس بوك
المجنون والفيس بوك

المجنون والفيس بوك

د.شاكر هشام عدّاي

أغلبنا ملونون و متلونون , نمتلك عدة وجوه لكل مناسبة , أنت و أمثالك ياصديقي ملح الأرض الطيبة , هذه رسالتك , أنقلها للقراء كما وصلتني ,  دون زيادة أو تحوير :

أنا لا أزعم بأني العاقل الوحيد في مدينة المجانين هذه , ولكي أكون دقيقاً , نحن إثنان فقط , أنا وطبيب الأمراض العقلية الذي يُشرف على حالتي المرضية.

صديقي الطبيب , الذي يصفه أهل المدينة بأنه ذو أطوارٍ غريبة ,  أراد أن يمنحني وثيقة طبية , تؤكد أهليتي العقلية التامة , ولكني امتنعت عن أخذها, حتى لا أسبب له متاعباً – هو وأنا – بغنى عنها.

مُشكلتي قديمة جداً , ابتدأت منذ أول حرفٍ تعلمت قراءته في المدرسة , ألم يقولوا في الكتاب المقدس : في البدء كانت كلمة ؟ مأساتي كانت – ومازالت – مع كل الكلام الذي يُطبع و ينشر , والذي أصدقه و أرفعه إلى درجة القداسة.

بدايةً ,كان البعض يهمسون بهوسي , وجنوني لكثرة قراءتي , والهمس تحول مع الوقت إلى حديث عام عن جنوني , و أصبحت حقيقة  ظالمة,أُلصقت بي عنوة.

البعض من الناس الطيبين , يرددون بأني فقدت عقلي من كثرة االضرب الذي تعرضت له على يد رجال الأمن , بعد أن خرجت لوحدي في مظاهرة غاضبة بسبب غلاء المعيشة , و لكن هذا الكلام فيه ظلم كبير لرجال الأمن , فكيف  يجعلونني أفقد ما هو مفقود عندي أصلاً (عقلي) ؟

تعمقت مأساتي بعد تجربتي مع الفيس بوك , و الذي لم أعد أستطيع العيش من دونه , و لأنني أعيش في مدينة ,لم تعد تصلها الكهرباء إلا لعدة ساعاتٍ فجراً ,حينما يكون الناس نياماً , فقد قررت أن أعيش الفيس بوك بشكل طبيعي, وعلى أرض الواقع.

تخليتُ عن جهاز الحاسوب الثابت , الذي يعلوه الغبار , و عن الجهاز المحول , الذي كنت مضطراً أن أنزهه معي في المقاهي والحدائق, بدون فائدة تُذكر .. وانطلقت إلى الشوارع الفسيحة , إلى جماهير الفيس بوك بشكل مباشر.

أخذت أعرض على المارة ( الأصدقاء) صوري و أنا طفل صغير , و أنا أقوم بتناول العشاء في المطاعم , و صور والدي و والدتي , وصور بيت جدي القديم , حدثت الأصدقاء عن أمجاد العائلة وحسبها  ونسبها النبيل , حصَلتُ على بعض (الإعجابات ) , وعلى الكثير من (حالات) مط الشفاه ورفع الحواجب تعجباً, والامتعاض , و على الكثير جداً من (اشارات) الأصبع عند الصدغ، والتي تدل على جنوني ….

لم أيأس أبداً , أخذت أصغي السمع لما يقوله الجالسون بجانبي بالمقهى , و تدخلت في أحاديثهم , و ضعت لهم (تعليقات) صوتية , أثنت أحياناً على البعض , و أحياناً أخرى أنّبت البعض …ولم أتلقَ على ذلك أي إعجاب , بل تم إتهامي بأني أدس أنفي فيما لا يعنيني !!

و رحتُ – بكل أدب – أُقيم السيدات و الفتيات  في الشوارع , و أبدي أشد الإعجاب بأشكالهن, والتي هي بالواقع ليست سوى صور لهن على صفحات فيس بوك الحياة , ورافقت ذلك بكلمات رصينة على شاكلة : ماشاء الله عليك, منورة اليوم, ليت اللون الأزرق لا يبلى …إلخ , فلم أحصد سوى التقريع  والإهانات من الأكثرية, وبعض الابتسامات  والسرور من المتصابيات, ومن المتفهمات لعالم الفيس بوك..

ذات مرة تم (حظري) من الدخول إلى أحد المقاهي , ومرة أخرى (حظروني) من الدخول إلى أحد الأزقة التي أبديت الإعجاب بها بأحدى الفتيات, حاول البعض (إغلاق حسابي) بشكل تام عندما اقتادوني إلى مشفى الأمراض العقلية, ولكن صديقي الطبيب الطيب قال لهم : إنه لا يُشكل خطراً على المجتمع, إنه رجل لطيف.

أثناء تجولي في أحد الأزقة الضيقة, شاهدت شاب وفتاة , على شرفتين متقابلتين , يتبادلان إشارات المودة  و الابتسامات, والقبلات المرسلة عبر الأثير, للصراحة تأثرت كثيراً  بحالتهم العاطفية, و (أشرت) لحالتهم لمجموعة من الأصدقاء كانوا يلعبون( النرد ) في الشارع , تحت إحدى الشرفتين , فحصل عراك كبير ,لأن اللاعبين كانا والد الفتاة و والد الشاب , و لكن و الحمد لله بسرعة انتهى الخلاف بإعلان خطوبة الشاب على الفتاة  من قبل الوالدين , أما أنا فقد تم طردي بعد إتهامي بالنميمة و الوشاية !

وذات مساء صيفي جميل , في إحدى الحدائق العامة , و بشكل علني , كان أحدهم يقبل زوجته بمنتهى الحميمية , تحت أنظار كل الحضور , لم يستطع أحد سواي أن يلتقط الأمر و يتبناه , و لشدة إعجابي طلبت من الزوجين أن (أشاركهم) الحالة الرائعة التي يعيشونها , فتعرضت لعنف غير مبرر من الزوج , أنقذني البعض من لكماته  , و شرحوا له أن غرف النوم هي أفضل مكان لحميميته مع زوجته .. فلا داعي لمعاقبة مسكين على ملاحظته الثاقبة .

عموماً ليست الأمور دوماً على تلك الدرجة من السوء, وسأحدثكم عن بعض الحالات السعيدة :

في إحدى محلات بيع الحلويات , أبديت أعجابي الشديد (بالبقلاوة) التي كان يتناولها البعض, وأسلت اللعاب  كي أؤكد إعجابي, فأكرمني صاحب المحل – مشكوراً – ببعض القطع بالمجان, و تكرر الأمر في محل بيع (البوظة), و هذا دليل قاطع أن البعض  يتفهم (الإعجابات) و يكافىء أصحابها .

وكذلك في إحدى المرات وجدت خيمةً عزاء كبيرة منصوبة  بأحد الشوارع لشخص متوفٍ , فدخلت والدموع تقطر من عيني(حالتي) …تماماً مثل الرمز الفيس بوكي الذي يدل على الحزن الشديد , و توجهت بصوت ملئه الأسى إلى أهل الفقيد قائلاً : عظم الله أجركم , و أحسن عزاءنا وعزاءكم في فقيدنا الكبير وأحد أعمدة هذه البلدة , وأطنبت الثناء على الفقيد – رحمة الله عليه –  وأجهشت بالبكاء علماً بأني لا أعرف الميت و لا أعرف خصاله, ولكن قلتُ تماماً ما يقوله أهل الفيس بوك, لا أكثر و لا أقل.

وهنا قام أحد شيوخ الدين, وأعلن للحضور بأن الفقيد قطعاً في الجنة, فكيف لايكون في الجنة  وشخص من (أهل الله ) مثلي يبكيه و ينعيه ؟؟؟  للحقيقة أردت أن أكفّر هذا الشيخ المجنون , لأني أعرف أن (الله ) ليس له أهل, وأن الحروب و قطع الرؤوس على مدى مئات السنين, بسبب  أن البعض يقولون بأن الله جل جلاله لديه زوجة وأولاد,  بينما ينكر البعض ذلك.. ومازالوا و(سيبقون) كذلك مختلفين إلى يوم الدين, والأهم  على الإطلاق هو أني أعرف أهلي حق المعرفة, فلا داعي لنسبي إلى غير أهل.

عموماً العقلاء مثلي يترفعون عن تلك الصغائر من الأمور, وكلماتي لن تغير الحال, فتركت الشيخ غارقاً بجهله, وأعرت جل انتباهي للطعام اللذيذ الذي وضع أمامي, و كذلك تم تزويدي منه بكمية محترمة جداً عند مغادرتي.

ماذا بقي عندي بعدُ كي أخبركم عنه ؟ أعتقد لا شيء سوى عدد المتابعين..

بالنسسبة للمتابعين,  فهم و الحمد لله بالمئات, بل أجزم أنهم  بالآلاف, غالبية أهل مدينتي الطيبة, و لكني أخص بالذكرأهم المتابعين على الإطلاق: أمي المسكينة, التي زارت كل قباب وقبور ومزارات رجال الله  الصالحين, متضرعةً من أجل شفائي من مرضي المزعوم, و والدي المسكين, الذي يرفع يديه و يناجي السماء و يتمتم بكلمات غامضة، و يمسح دموعه كلما وقعت عيناه علي ,و رجال الأمن بخمسة أفرع أمنية, بعد أن أشاع البعض أني جاسوس أجنبي, أدعي البلاهة كي أغطي على نشاطي الهدّام الخبيث , وطبيب الأمراض العصبية الفاشل بمشفى المدينة , و طبعاً صديقي الرائع طبيب الأمراض العقلية .

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: