الرقة.. خلايا النظام وحرب الاستخبارات الدولية

هيئة التحرير

منذ أن غرّد ترامب برغبته الانسحاب من سورية بدأت تطفو على السطح ظاهرة جديدة في الرقة، بالإضافة لما استقرّ فيها، فالانفجارات بأنواعها صارت من الحياة اليومية، وممّا اعتاد عليه سكان الرقة، وقصص السلب والنهب والابتزاز والاستغلال والتهريب والتلوّث والحشيش والمخدرات أضحت للتسلية، وأخبار الموت والغلاء وفقدان الدواء ونقص الكهرباء وتلوّث الماء أمست مُلَحاً يتصيّدها السمّار في لياليهم الطويلة، وأصداء الاعتقالات والتظاهرات ضد قرارات ظالمة وقوانين مجحفة واستبداد وصل أقصاه في ظل من يتغنّون بالديمقراطية ويمارسون ضدها، ويعملون باسم التشاركية وينفردون في التخطيط والقرار، ويجاهرون بالأخوة ولا يكون منهم إلا الحقد والكره والعداء. كل ذلك استطاع الناس التلاؤم معه صبراً أو جبروتاً أو قهراً أو بطولة، حتى ما عادت تهتز النفوس لما سيكون بعد أن عاشوا معاناة لم تمرّ على بشر في دولة “داعش” الخرافة، وما زالوا يعانون تحت راية “إدارة ذاتية” لا تعرف ما تريد، وكيف تحقّق وَهْمَ ما لا تعرف؟

إن ما جرى من إنزالات جوية أثناء اقتحام الرقة أو أثناء ذلك أو بعده، بل ومنذ يومين جرى إنزال جوي لاعتقال عنصر قيادي داعشي في المشلب، وقبله بأيام إنزال آخر للغاية ذاتها في المدينة، وكذلك في مناطق أخرى من مناطق العمليات ضد داعش، وقد تترافق هذه الإنزالات بعمليات اغتيالات أو اعتقالات، أو هروب دواعش من معتقلات قسد، أو مبادلة بين قسد ودول الدواعش لمقاتليها، هذه الظاهرة تدلّ على أن ما يجري يخرج عن إطار الحرب العسكرية أو ملاحقة خلايا نائمة، لتغدو حرب استخبارات بين مختلف الأطراف، أمريكية وأوروبية وخليجية وعربية وقوى إقليمية، بالإضافة لخلايا النظام الأمنية والاستخباراتية التي راحت تنشط ضد الجميع ولمصلحة الجميع؛ لتقول للآخرين إنها نقطة الارتكاز في استقرار هذه المنطقة من سورية، ولا يمكن لأية قوة أن تستمرّ دون الاعتماد عليها أو مشاركتها، وهو المبدأ الذي سار عليه النظام منذ وجد، إذ ارتبط بأجهزة الاستخبارات الدولية ليكون نقطة فاعلة فيما يخصّ مصالحه، وحليفاً لا غنى عنه فيما يخصّ الآخرين وله حيّز يشغله في هذا المقام.

هذا الوضع كان من مخرجاته الأهمّ رسم خريطة للتوازنات جديدة، تعتمد الفعل الأمني الاستخباراتي على حساب العمل العسكري الاستراتيجي المنظم؛ لإبراز ضعف قسد ولا قدرتها على استيعاب الواقع الذي تعمل على إشغاله بمعزل عن النظام، أو قوة دولية تستند إليها، وهو أيضاً ما أعطى المسوّغات لضرورة عدم انسحاب قوات التحالف، وليس أمريكا وحسب، وتَرتّب على ذلك انتشار حالة فزع في جموع المدنيين، وعدم تمكّن المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني من أداء أدوارها.

ذلك يعني أن الرقة ستبقى، من دون فعل أهلها، نهباً لأفعال الأجهزة القذرة، إلى أن تتمكّن جميع الأطراف من تحقيق مرادها، ولن يختلف الأمر عندها إن كان فوق الطاولة أو تحتها.

 

اترك رد

Translate »