الرئيسية / مقالات رأي / هل للعشائر دور في مستقبل شمال سورية ؟ في رثاء العشائرية غير المأسوف عليها
هل للعشائر دور في مستقبل شمال سورية ؟ في رثاء العشائرية غير المأسوف عليها

هل للعشائر دور في مستقبل شمال سورية ؟ في رثاء العشائرية غير المأسوف عليها

الرقة بوست – د. رشيد الحاج صالح 

على الرغم من الدور الوطني الذي لعبته العشائر وزعاماتها التقليدية في المواجهات التي خاضها العرب ضد الاستعمارالأوربي, ووقوفها مواقف مشرفة وصلت إلى حد قيادتها لمراحل طويلة من النظال السياسي والعسكري ضد ذلك المستعمر, إلا أن وضع تلك العشائر وزعاماتها قد تغير كثيرا بعد ذلك ليقتصر على تحولها إلى مجرد تابع صغير لأنظمة مرحلة ما بعد الاستعمار, يكتفي بما تقدمه تلك الأنظمة له من مزايا ومكاسب تافهة.

وعلى الرغم من أن هذا الأمر ينطبق على بلاد الشام والمغرب العربي إلا أن الملفت للنظر أن أنظمة تلك البلدان ( باستثناء نظام بورقيبة ) حافظت على تلك الزعامات وأبقت على الوجود الرمزي لها, بوصفها إحدى الوسائل التقليدية لتدجين المجتمع والسيطرة عليه.

بالنسبة للنظام الأسدي اقتصر تعامله مع المسألة العشائرية على مستويين اثنين:

الأول, هو مستوى الخطاب الرسمي والإيديولوجي, ويقوم على وصف كل الفئات التقليدية في المجتمع ( الزعامات العشائرية والدينية ) بأنها قوى رجعية ومتخلفة، ولا بد من اجتثاثها لكي لا تعرقل مسيرة التقدم والتحديث. وقد استغل هذا الخطاب لإقصاء الزعامات العشائرية الوطنية وإخراجها بالقوة من دائرة الفعل السياسي.

أما المستوى الثاني فيقوم على استثمار النظام الأسدي لتلك الزعامات والنزعات العشائرية لجلب مزيد من الولاء له, ولتعزيز شرعيته المخابراتية بمجموعة من الباحثين عن شرعية لأنفسهم, أو ما يمكن ان نسميه بـ ” تبادل الشرعيات “, عبر السماح لتك الزعامات بقدر من المكانة والمزايا مقابل تقديم الولاء المطلق للنظام. وهذا يعني أن النظام كان يفعل عكس ما يقول من حيث أنه لم يقطع مع القبائلية بقدر ما سعى لتوظيفها, وهذا ما يفسر ضعف تعاطف الزعامات العشائرية مع الثورة السورية من جهة, ثم تقديمها الولاء لكل من يعطيها نوعاً من الوجاهة والمكانة,( تقديم الزعامات العشائرية الولاء لداعش في الرقة ودير الزور يعد مثالاً واضحاً ).

أما تحول شيوخ العشائر في سورية إلى مجرد تابعين صغار للنظام الأسدي فيعود إلى أن الشعور الوطني والقومي في مرحلة ما بعد الاستعمار بات أقوى بكثير من شعور الانتماء للقبيلة, الأمر الذي أحرج زعماء القبائل وقلل من قيمتهم المعنوية والمادية, ودفعهم للبحث عن أمجاد ولت أيامها بأي ثمن كان.

وعلى الرغم من ذلك فقد أدرك حافظ الأسد أهمية الحفاظ على شعرة معاوية مع الانتماءات تحت الوطنية, ونقصد بها الانتماءات العشائرية والطائفية, من حيث أنه أضعفها إلى أقصى درجة ممكنة مع الاحتفاظ بها بنفس الوقت، بوصفها من الوسائل التي تساعده على التفرقة بين السوريين عند اللزوم.

بعد اندلاع الثورة في آذار عام 2011 كان من الواضح أن النظام سيلعب بكل الأوراق، ومنها الورقة العشائرية, وقد انتبهت لذلك التنسيقيات فأطلقت اسم ” جمعة العشائر” على يوم 10- 6 – 2011في محاولة منها لتشجيع الزعامات العشائرية على اتخاذ مواقف إيجابية من فعاليات الثورة، الأمر الذي يزيد من الضغوط على النظام, وبالفعل فقد كان ذلك اليوم يوم مواجهات ومظاهرات عارم ونزلت أعداد كبيرة من المتظاهرين للشوارع, وتوفي قرابة ثلاثين متظاهر برصاص قوات أمن النظام في ذلك اليوم. غير أن الأمر لم يكن له تأثير يذكر، فقد كانت الزعامات التي حضرت مؤتمرات العشائرية الداعمة للنظام أكثر بكثير من الزعامات التي حضرت مؤتمرات المعارضة. يضاف إلى ذلك فقد تحول مجلس العشائر الذي تشكل في اسطنبول بتاريخ 16- 4- 2012 إلى مجرد تشكيل سياسي تابع للمجلس الوطني آنذاك بدون أي دور يذكر.

بعد أن تحولت الثورة إلى الطريق المسلح وبدأت الكتائب والألوية تتناسل بقي دور العشائر وزعاماتها ثانوياً وهامشياً, لأن جبهة النصرة وداعش تعاملت مع الانتماءات العشائرية بنفس طريقة النظام, أي إرهاب العشائر وإذلالها من جهة، ثم إحضار شيوخها صاغرين إلى المجالس التي يبايع فيها الناس تلك الكتائب من جهة ثانية. هكذا انقسم غالبية شيوخ عشائر الرقة ودير الزور والحسكة وشمالي حلب إلى قسمين: قسم في دمشق يبحث عن الأمان لنفسه وعائلته وأمواله, وقسم بقي في مناطق سيطرة داعش موالياً لها, إما مضطراً خائفاً على نفسه وأهله, أو طامعاً في أمجاد أكل الدهر عليها وشرب.

بعد دحر قوات الحماية الكردية لداعش من مناطق واسعة من شمالي وغربي الرقة خلال عام 2016, ثم انطلاق عمليات درع الفرات ( المدعومة تركياً ) في 24- 5- 2016 في ريف حلب الشمالي, والحديث المتداول عن قرب شن عملية عسكرية واسعة لتحرير الرقة من داعش, عاد الحديث عن العشائر وأخذ كل طرف يشتري ويستميل بعض شيوخ العشائر في مناطق شمال سورية, حتى وصل الأمر إلى اختلاق وجود بعض العشائر, سيما وأن داعش لعبت الورقة العشائرية سابقاً وحرضت وجندت عدداً كبيراً من أبناء العشائر ضد الأكراد في عامي 2014 و 2015 حتى كادت أن تقضي على الوجود الكردي في شمال الرقة وكوباني – عين العرب لولا تدخل التحالف الدولي وقوات البيشمركة  وبعض فصائل الجيش الحر آنذاك.

من الواضح اليوم أن التلاعب بالمسألة العشائرية مرشح للتزايد, حتى أن الحديث عن أصول عائلة الأسد ” الكردية “, مؤخراً ,  من قبل شخصيات كردية معروفة, على الملأ, أخذ ينتشر انتشار النار في الهشيم. مثلما أن عودة نواف البشير أحد شيوخ عشائر دير الزور المعروفين من مواقع المعارضة” إلى حضن الوطن ” أمر بلا شك اشتغل عليه النظام كثيراً, وهذه أمور إن كانت تعني شيئاً فهي تعني أن النظام يريد استثمار الورقة العشائرية إلى أقصى درجة ممكنة, حتى ولو كان الأمر من خلال كذبات رخيصة كتلك التي تتحدث عن أصول عائلة الأسد, فالخبر كله مبني على مجرد “دردشة ” شفهية مع جميل الأسد قبل عشرات السنين مع شخصية كردية, وليس له من مبرر سوى استمالة الأكراد في هذه الفترة ريثما يتفرغ النظام للانتقام منهم على مهله, أو مساومة الأتراك على زعمائهم مجدداً,كما فعل مع زعيمهم المعروف عبدالله أوجلان في آخر سنة من القرن المنصرم.

قد تكون منطقة شمال سورية مقبلة على تسويات, مثلما هي مقبلة على حرب طويلة لاجتثاث داعش من المنطقة ( هناك إجماع على هذه النقطة بين قوات حماية الشعب الكردية وتركيا وسكان المنطقة المحليين وأمريكا والنظام ), على الرغم من اختلاف المصالح بين مكونات الجبهة التي تحارب داعش.

ضمن هذا الوضع لابد من توضيح ثلاث نقاط أساسية بدونها لا يمكن فهم وضع العشائر في سوريا, والدور الذي يرتجى منها في المستقبل:

أولاً- الحديث عن العشائر يعني الحديث عن السُنَّة فقط, على الرغم من وجود عشائر مشهورة لدى الأكراد والعلويين والدروز وغيرهم. وهذا يعود إلى أن الشعور بالانتماء داخل تلك المكونات غير السُنيّة يكون أولاً إما للمذهب ( العلويين, الدروز .. ) أو للانتماء القومي ( الأكراد). وقد أدرك حافظ الأسد هذه النقطة، ولذلك تجد الكتب المدرسية تكيل الكثير من التهم السلبية لمصطلح العشائرية, وهو مصطلح لا يظهر في وسائل الإعلام إلا عندما يتم انتخاب حافظ الأسد ( أو ما كان يسميه أعلام النظام بالبيعة) من قبل تلك العشائر, أو أثناء الحملات الدعائية للمرشحين العشائريين لمجلس الشعب.

ولذك نجد أن حافظ الأسد تعمد إلى إفقار منطقة العشائر في سورية ( شمال حلب, الرقة, دير الزور, الحسكة, درعا ), اقتصادياً وتعليمياً, لاعتقاده الراسخ بأن تلك العشائر لا تضمر الولاء له ولنظامه. وقد دلت كل الإحصاءات الصادرة عن الحكومة السورية نفسها أن مناطق العشائر تلك من أفقر المناطق اقتصادياً وخدمياً. وهذا أمر – بحسب علم الاجتماع – يؤدي إلى نوع من النكوص والعودة للاحتماء بالانتماء العشائري بوصفه مجال يمكن تفرع الشعور بالظلم فيه, والاستعانة به كبديل وهمي. فالغني عنده ماله يحتمي به, والمتعلم يلجأ لشهادة للاستعانة بها , وبطانة النظام لديهم ضباط الأمن يلجأون إليهم للحصول على ما هو أكثر من حقوقهم, أما ابن القبيلة, وبعد تجهيله وإفقاره, لا يبقي له سوى العشيرة يلجأ إليها, إما معنوياً عن طريق الاعتزاز بها والتغني بنسبها وأصلها, أو مادياً عن طريق صناديق عشائرية توضع لمساعدة من لديه حالة طارئة أو ارتكب جريمة ثأر وما إلى ذلك ( كل العشائر لديها مثل هذا الصندوق).

ثانياً- لا تكتمل الثورات بدون التخلص من كل السلطات التقليدية ( ومنها العشيرة ), وهنا لا نقصد مجرد الشعور بالانتماء لأصل معين أو قرابة بين عائلات كبيرة فهذا أمر طبيعي , بل ومحمود لأنه يعزز من التواصل الاجتماعي بين الناس ويعطي دفءاً للعلاقات الاجتماعية بينهم. ولكن ما نقصده هو التخلي نهائياً عن الزعامات العشائرية  بوصفها مؤسسة للتسلط تجعل الأفراد في خدمة الشيوخ وفي مرتبة أدنى منهم, فشيخ العشيرة ليس لديه أي التزامات تجاه عشيرته ( مثل الزعيم الدكتاتور), وليس ملزماً بتقديم أي خدمات للأفراد, بل على العكس فإن أفراد العشيرة هم المطالبون بتقديم الغالي والرخيص لشيوخهم ورموزهم. فالعشيرة إحدى المؤسسات الاجتماعية التي تنتج الطغيان والتراتبية واستعباد الآخرين, وهذه أمور تشكل  جوهر الطغيان وبذرته الأولى, ( يحرص بعض شيوخ العشائر على وجود عبيد في مضافاتهم حتى وقت قريب ).

وهنا لا بد من التذكير بأن الزعامات العشائرية في سورية , والعالم العربي عموماً, ساهمت في إسقاط التجربة الديموقراطية القصيرة في فترة ما بعد الاستقلال, فقد كان لتحالفات شيوخ العشائر السياسية والحزبية دور سلبي في تفاقم الخلافات الحزبية وفساد الحياة السياسية, الأمر الذي مهد الطريق للعسكر.فالكتل البرلمانية التي كانت في البرلمان السوري كتل مناطقية شبه عشائرية, غارقة في فساد النخب. وهذا يعني من جملة ما يعني أن شيوخ العشائر من الفئات التي ليس لها أية مصلحة مستقبلية مع الديموقراطية, وهو مطلب الثورة السورية الرئيسي, ولذلك لا يمكن أن تقف في صف الثورة, وليس أمام الثورة من أمر تقوم به سوى اجتثاث هذه الظاهرة من أساسها, والانتصار الفعلي لمطالب الحريات والعدالة والمجتمع المدني.

والذي يعود إلى تاريخ الشعوب والمنعطفات الكبرى التي مرت بها يجد أن الزعامات العشائرية منذ زمن الرسول حتى اليوم لا تقف إلا موقف الرافض لأي تغيير في ميزان القوى التقليدية. حتى في أوروبا لم تتمكن ثوراتها من الانتصار حتى استطاعت الإطاحة بالزعامات العشائرية التي كانت تساند ملوك أوربا آنذاك.

ثالثاً – ليس للعشائرية أي مستقبل يذكر, سوى بقائها مجرد ورقة رخيصة يتلاعب بها اللاعبون الأساسيون أياً كانوا. فالمجتمع السوري وعلى الرغم من تداخل العناصر التقليدية والتحديثية فيه إلا أنه من الواضح أنه تجاوز العشائرية منذ عقود, ولم يعد لها أي دور حقيقي يذكر في حياته أو وعيه. أما الدليل التقليدي الذي يرجح بقاء العشائرية في نفوس الناس بالعودة إلى انتخابات مجلس الشعب التي غالباً ما ينجح فيها شيوخ عشائر, فإن تفسير ذلك يعود إلى أن السوري ينتخب شيخ عشيرته لأنه ينظر للإنتخابات على  أنها مسألة وجاهة وتفاخر وليست عملاً سياسياً, فهو يعرف في سريرة نفسه أن مجلس الشعب هو نفسه ليس أكثر من دمية بيد النظام وضباط مخابراته. وما النكت التي يتداولها السوريون عن مجلس الشعب, والتي تحقر منه, سوى دليل على أن السوريين يعرفون كل شيء.

كاتب وأكاديمي سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »