الرئيسية / مقالات رأي / الرقة والسياقات الإدارية
الرقة والسياقات الإدارية

الرقة والسياقات الإدارية

الرقة بوست – محمد صبحي

نظام الحكم 

تقوم نظريات الحكم على تحديد شكل العلاقة التي تخضع وتنظم المجتمع في إطار الدولة التي تنوعت عبر الزمن بأشكال مختلفة، لكنها لا تكتمل شروطها إلا بتوفر العوامل الثلاثة (الأرض والشعب ونظام الحكم) الذي يعمل على إدارتها.

يعد النموذج الجمهوري بشكله البسيط هو النموذج السائد في سوريا حتى الآن، إذ تتولى جهة واحدة فقط. إدارة أمور الدولة الداخليّة منها والخارجيّة، وتتولى السلطة المركزيّة فيها مسؤوليّة اتخاذ القرارات جميعها وعدم إعطاء التقسيمات الإداريّة أو المحافظات أية صلاحيات تذكر.

وبالرغم من وجود دستور يقرر شكل النظام الجمهوري في سوريا إلا أنه ومنذ العام 1963 استطاعت السلطة الحاكمة من تكريس شكل آخر أكثر استبدادا بعد احتكار جميع السلطات في يد رئيس الدولة وتحولت نظام الحكم إلى شكله الديكتاتوري الذي منع التعدّد السياسي في عموم البلاد.

خضعت محافظة الرقة كغيرها من المحافظات السورية، وعبر عقود خمسة إلى نظام الحكم في سوريا، ذي المركزية الشديدة، ولم تكن مؤسسات المحافظة أو إدارتها المحلية لتسطيع استثمار الموارد المتاحة بالشكل الأمثل في تنمية المحافظة، فانتشرت المحسوبية والرشوة وظل المجتمع المحلي يعاني من سلطة الحزب الواحد وعدم استقلالية القضاء وألزمت منظمات المجتمع المدني بتبعية مطلقة للنظام الحاكم، كما منعت الأجهزة الأمنية فيها أية بادرة محلية من شأنها تطوير الحياة القائمة على الحريات العامة.

من الحكم إلى الحاكمية 

يرى المفكرون الإسلاميون أن “الحاكمية” مرادف “للألوهية” وتثير هذ المطابقة بين المفهومين من الإشكاليات الجدلية ما يكفي لانقسام الجماعة الواحدة إلى جماعات، ويجري الانقسام ما بين مؤيد لإعمال النص الديني ودلالاته الحرفية، وتكفير كل من خالف بالرأي هذه القاعدة، وما بين النظرة الاجتهادية التي تتهم الآخرين بالتطرف والأصولية، وترى أن أهل الحل والعقد لديهم القدرة على الاجتهاد والشورى وسن القوانين التي تحقق مصلحة الأمة مالم يخالف ذلك حكماً، أو نصاً شرعياً صريحاً.

ومهما حاول دعاة وعلماء مسلمون التخفيف من الوطأة الثقيلة لجمود النص، وإضفاء المرونة التشريعية عليه، فإنه سيبقى معيقا أمام حالات تشكل القانون في دولة غير دينية، والوصول إلى إدارة مجتمعها بتشريعات وقوانين تلبي مصالحهم المباشرة وتراعي تنوعاتهم الفكرية والدينية والقومية وقضايا النوع الاجتماعي، لجهة كونهم مواطنون متساوون أمام القانون، ويشاركون في وضعه، فيتمتعون بدورها وحمايتها لكل هذه الشرائح المتعددة والمتنوعة.

فالدستور الذي يؤسس للدول لا يمكن أن يرقى إلى حالة القداسة الدينية، ولا يطرحه المشرع على أنه البديل عن الأديان في الدولة، بل هو الضرورة لتكريس العقد الاجتماعي، ويمكن أن ينص على نصوص من شأنها صون حرية المعتقد لدى كل المواطنين الأفراد الذي ينتمون إلى هذه الدولة، كما أنه العلاقة التعاقدية بين المجتمع والدولة، يتوجب على المواطنين مهما اختلفت عقائدهم، احترامها احتراما كاملا ومتبادلا يحقق المساواة بينهم بدلا من التناحر والعداء المستمر.

وقعت الرقة في قبضة الحاكمية بعد العام 2013 واستمرت حوالي ثلاث سنوات فأعلنت فيها الإمارة الإسلامية، ويعزى فشل هذه التجربة في إدارة الرقة، إلى أقصائها الفئات الأخرى من المشاركة، عبر فرض الجهاد، والتكفير والملاحقة، والتغييب القسري والاعدامات الميدانية وانعدام القدرة على بناء المؤسسات الإدارية الحديثة التي تؤمن الاتصال الدولي، فوصمت هذه الحاكمية نفسها بالانغلاق والتطرف الشديدين وعدم مراعاة حقوق الانسان، فاستوجب إعلان الحرب عليها من القوى الدولية في مشروع الحرب على الارهاب.

الحوكمة

لا نحتاج لكثير من الجهد حين نقوم بمقاربةٍ نظريةٍ في مفهوم الحوكمة مع أشكال ومفاهيم إدارية أخرى أنتجتها التجربة البشرية، ويصبح الأمر صعباً وربما عسيراً حين نسقط التطبيقات العملانية لهذا المفهوم في واقع أخضعناه قسراً للتغيير، فأصبح مرشحا لأشكال قديمة وتقليدية لم تعد مجدية في هذا العصر، أو أشكال حديثة من الهندسة الإدارية تحتاج منا إلى الكثير من المعرفة والدراية والتدريب.

بتتبع بسيط لنشأة الحوكمة وتطبيقاتها والمعايير التي تقوم عليها، نخلص إلى نتيجة مفادها أن هذا المفهوم يشتمل على عدة مستويات، منها ما هو محلي ومنها ما هو إقليمي ودولي أصبح يقترب من تطبيقات العولمة الإدارية، بمعايير عالية في الضبط الإداري لقطاعاتٍ خاصة وعامة.

بدأ تطور هذا المفهوم العالمي في مجالي الإدارة والتنظيم، منذ القرن الثامن عشر حتى رأيناه وفق هذا الشكل المعرفي والتطبيقي الناجز والمختبر في تحقيق الاستجابة الفعالة لحاجة المجتمعات، وفي كل المتغيرات بمرونته العالية، وبكثير من الفعالية التي تزيد من معدلات التنمية في البلدان التي تعتمد هذا المفهوم، وبزيادة مضطردة في فرص المساواة أمام القانون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »