بيدرسون يعود بخفّي لافروف

أمجد آل فخري

لن يتمكّن ِغيربيدرسن كسلفه ديمستورا تغيير دوره في المسرحية التي لا يُراد إسدال الستار على مشهدها الأخير، فاستمرأ أن يكون حمّال رسائل ومساومات المتصارعين في سورية وعليها. ولكثرة ما عُرض في القضية السوريّة من رؤى ومشاريع حلول وقرارات ترى أنها ستعمل على إنهائها، وكلها تدور حول القرار الأممي 2254، طاشت السهام وابتعد الهدف، وليس ذلك بصدفة، بل تدبير خبير يعرف من أين تؤكل الكتف، وصارت كلها إلى اليأس والخيبة أميَل، وإلى توصيف الفشل والعجز واللاجدوى أقرب.

لقد روّج الروس للجنة الدستورية، لتجاوز الانتقال السياسي، فجعلوا العربة أمام الحصان، ثم عملوا مع النظام على عرقلتها، على الرغم من أداء ديمستورا دوره في دحرجة سلاله لتكون سلّة الدستور أولاً، وترك لبيدرسن إرثاً من حقول ألغام بلا خرائط، وخلفه سارت القوى الدولية واثقة ألّا نتيجة تُرتجى، وهي تهدف إغراق الروس في اللجّة السوريّة، ودفعهم أكثر في طريق التناقض مع إيران، والتوافق أكثر مع إسرائيل، وخلخلة الاصطفافات والتحالفات والتوافقات القائمة لخلق مساحة جديدة للمناورة تنفيذاً للإستراتيجية الأمريكية “غير الواضحة” في سورية، لأن ما سيحدث في الواقع لن يكون ما يتمنّى النظام، بل ما تتوافق عليه روسيا وأمريكان وإسرائيل، وما تقتضيه مصالح كل منهم.

ولعلّ تبرّم أمريكا خلال جلسة مجلس الأمن حول سورية الشهر الفائت، وتلويحها بالتخلّي عن مشروع تشكيل اللجنة الدستورية السوريّة من باب الضغط على روسيا لتنفيذ ما التزمت به في اجتماع القدس الثلاثي، واجتماع بوتين ترامب في قمة أوساكا للعشرين، دفعت الروس للضغط على النظام تسهيلاً لمهمّة بيدرسن وتمرير اقتراحهم – وبموافقة أمريكيّة- بالنسبة للأسماء المختلف عليها، ويصرّ النظام على تسميتها، علماً أنها من حصّة الأمم المتحدة.
إذ صرّح كوهين مندوب أمريكا في مجلس الأمن بأن “الوقت حان لكي يتخلّى غير بيدرسن عن هذا المشروع، ويفكّر بمبادرة أخرى”، وكان المندوب الفرنسي ديلاتر أكثر تحديداً فقال: إذا أبقى النظام على رفضه فسيكون الوقت قد حان لهذا المجلس لكي يستخلص العبر ويفكّر في طرق أخرى للمضي قدماً”.

من هنا جاء تأكيد لافروف لبيدرسن “تفكيك تعنّت النظام السوري”، وحثّه للتوجّه إلى دمشق ليكون “القرار سيادياً”، ورافضاً التدخّل الخارجي في الشأن السوري، كما تتشهّى العصابة الأسدية! ولافروف ومعه بيدرسن وكلّ القوى المتصارعة في الساحة السورية بما فيهم المعارضة السورية، يعلمون يقيناً أن اللجنة ما هي إلا ملهاة تستجرّ مزيداً من الزمن لاستعادة النظام مزيداً من السيطرة على الأرض، ومزيداً من تلميع صورته اللازمة لتأهيله، وتُعاد الكرّة في التعنّت الذي يحتاج تفكيكاً، ريثما ينتهي الجميع من تصفية حساباتهم وإعداد ملفات مقايضاتهم الجيوسياسية والاقتصادية، إن في سورية أو إيران أو أوكرانيا أو فنزويلا، أو في التنقيب عن الغاز والنفط أو مدّ أنابيب الغاز أو العقوبات الاقتصادية.

وعلى الرغم من وضوح الصورة فإن بيدرسن يرى اللجنة الدستورية باباً للتسوية وإنهاء النزاع، ويدعو إلى التمسّك بالقرار الأممي واستثناء أي قرارات عسكرية! فيناقض بوتين الذي يرى ألّا جدوى من التفاوض، بل إن “الإجراءات الملحّة تكمن في استكمال القضاء على بؤر التوتّر والإرهاب، وعودة اللاجئين، وإنعاش الاقتصاد”، وهو بذلك يقول أن القرار الأمميّ “قد فاته القطار”، وألّا وجود لقضية سوريّة، فمسح تسع سنوات من الحرب والدمار، وتنكّر لمئات الآلاف من الضحايا والمعتقلين والمغيّبين، وتناسى ملايين النازحين واللاجئين، وهو بمثابة إعلان نصر واستمرار الطغمة المستبدّة في التحكّم بسورية، أو ما تبقّى منها، بعقلية العصابات المافيوية.

وما دام الأمر كذلك فلا معنى لإحياء الحديث عن اللجنة الدستورية، وهي وهمٌ، حتى لو صارت واقعاً ملموساً؛ لأن مَن بأيديهم الأمر سيتوافقون على كل مخرجاتها سلفاً ودون النظر إلى ما يجري فيها، ولن يُعوّل عليها إلا أداة تنشر الأحلام حيناً، وقطاراً يتوقّف في محطّة على حساب أخرى، ريثما يتمّ إعداد أو إنجاز المطلوب لفرض الإرادة الأمريكية والروسية وفقاً لمصالحهما أولاً. وعلى ذلك سيقوم النظام بالتعطيل حيناً والمراوغة حيناً والإغراق في التفاصيل وتفاصيلها أحياناً، وستختفي مسارات سياسية (جنيف وأستانا وسوتشي)، وتظهر أخرى (القدس)، وتظهر مطالب هنا وانشقاقات أو تصدّعات هناك، كما ستكون اصطفافات جديدة وتحالفات مرحلية على أنقاض أخرى، حتى تتمكّن روسيا من تحجيم الدور الإيراني والتحكّم أكثر بمفاصل النظام الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وتستقرّ مناطق نفوذ القوى الإقليمية والدولية ومصالحها المباشرة أو عبر ممثّليها، ولاسيما أن التكامل سيكون سيّد الموقف، لأن كل طرف بحاجة للآخر، ولا فكاك من التنازلات التي ستكون مؤلمة للبعض أحياناً ليستمرّ في الساحة.

وبانتظار إنجاز الممكن ستعمل كل الأطراف، أو ما تمثّله، على خلق وضع سائل قابل للتبدّل والتشكّل حسب الطلب أو ما تقتضيه مصالح اللاعبين المتنافسين، لأن سورية اليوم تحوّلت مفصلاً لصراع السياسة الدولية، وسيستمرّ بيدرسن بالبحث عن أول الخيط في ” كبكوبة الصوف “، فيعجز ليعود إلى مجلس الأمن في إحاطاته القادمة بخفّي لافروف.

اترك رد

Translate »