الرئيسية / مقالات رأي / حول الرجل السعودي والصلاة في المسجد الأقصى!
حول الرجل السعودي والصلاة في المسجد الأقصى!

حول الرجل السعودي والصلاة في المسجد الأقصى!

معبد الحسون 

انتشر في اليومين الماضيين فيديو قصير، لا يُعرف مصدره، يُظهر رجلاً سعودياً في سمت مسافر سائح، وصل إلى القدس ليؤدي الصلاة في المسجد الأقصى، مسافر حسن المظهر والثوب، ويخفي شخصيته خلف نظارة سوداء كبيرة مغطية للوجه. وحيث يظهر في الفيديو كثيرٌ من عابري السبيل أو المتجمعين بالصدفة من الفلسطينيين بجانب الأقصى، والذين ما إن شاهدوا الرجل حتى سارع معظمهم إلى شتمه والبصاق في وجهه بطريقة مستفزة ومُلحِّة في تحقيره. مع أن الرجل ـ وهذا أغرب ما ظهر في ذلك الفيديو ـ لم يُبدِ أية ردة فعل، من أي نوع كان. (فلم ينطق إلا بعبارة واحدة: أريد الصلاة) ولا حتى بدا مستاءً أو متفاجئاً من التصرفات الرعناء التي أحاطت به، والغلاظة المحيرة التي جوبه بها، والإذلال الذي عانى منه. حتى لكأن الرجل بدا أشبه بـ “روبوت” آلي يُسَيّر دون إرادة أو حتى إحساس بما كان يجري حوله.

الفيديو واضح الصنعة والسيناريو والتمثيل والإخراج. هذا مما لاشك فيه. بل وأكثر من ذلك هو صناعة إسرائيلية بامتياز، وذو غاية محددة هادفة ومقصودة. ولقد حقق كامل غرضه، وحصد كل ما أراده من نتائج. أما الرسائل المبطنة التي أراد أن يوجه الجمهور العربي المتلقي والمشاهد، فيمكن تلخيصُها اختصاراً بمجمل أهداف. أهمها:

ــ أن هذا الجمهور الفلسطيني هو مجرد رغوة بشرية سافلة وغوغائية منفعلة، لا تستطيع التعبير إلا بأقذع الكلمات والعبارات السافلة والمنحطة: ياحيوان. يا واطي. يازبالة. يا رخيص.. محمد بن سلمان واحد عميل.. أطفال فلسطين كلهم بتفّو عليك.. (واحد من الجمهور صاح في الرجل: يا مقرّن. أي صاحب قرون كناية عن الديوث).

ــ أن هؤلاء الفلسطينيين يتصرفون وكأن أماكن العبادة الإسلامية في القدس هي بيتهم الخاص المحلي، وشأنهم الشخصي. فهم من يحدد ويقرر من يحق له الصلاة وإقامة الشعائر فيها. (وهذه واحدة من أبرز أهداف الفيديو التي حققها بنجاح).

ــ أن الرجل لا يعرفه أحد ممن كان يشتمه أو يبصق في وجهه، وأن كل بطاقته التعريفية وبياناته الشخصية هي في كونه رجلاً يرتدي الزي العربي الشائع في جزيرة العرب وبعض المناطق الأخرى: العباءة المقصبة، والعقال، والكوفية أو ما يدعى بالمحرمة البيضاء. وهذا بحد ذاته كافٍ للتعريف بالرجل، ولاتهامه بالحيونة والعمالة، ولربط شخصه ـ آلياً ـ بشخص محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، وتحميله المسؤولية الشخصية عن كل أخطاء وسيئات السياسة السعودية.

ــ بعض ذلك الجمهور كان يصرخ في وجه الرجل: صلي في الكنيست تبعك، مش تصلي هون. عند اليهود تبعونك روح صلي. وبطريقة التأطير اللاشعوري الخفي، وجه الفيديو خافية الجمهور المشاهد، أن كل سعودي، بل وكل من يرتدي الزي السعودي، مكانه الطبيعي وقبلة صلاته الحقيقية التي يجب أن يتوجه إليها، هي الكنيست، وليس الأقصى. ويبدو أن الفيديو نجح نجاحاً منقطع النظير في تحقق أهدافه. فلقد قوبل الفيديو باستحسان منقطع النظير، وبتعاطف وتشجيع سائر المشاهدين لأولئك “الممثلين” الذين يفترض أنهم لعبوا دور الفلسطينيين. ولقد أوصل رسالة صريحة إلى كل السعوديين: من سوف يتجرأ منكم على أن يطأ بقدميه الأقصى، فهذا ما سوف يناله من سباب وشتائم وحط من كرامته.

طبعاً لو كان الزائر الذي يتمشى في ساحات الأقصى سائحة أمريكية أو أوسترالية شقراء وجميلة، ربما لتغير المشهد ولتبدلت الانطباعات، ولما تجرأ هذا الجمهور “الشجاع” على أن يفتح فمه بكلمة واحدة تعبر عن قلة التهذيب، أو تربط حضور هذه الجميلة الحسناء بسياسات بلادها المعادية، ومعاملتها، وكأنها هي “ترامب شخصياً”.. كما عومل ذلك السعودي.. (محمد بن سلمان عميل وخلي ترامب يحلبكو يا رخاص .. الخ..).

قد تكون كلفة تمثيل هذا الفيديو بضعة دولارات لا تكاد تذكر. ولكن أليست نتائجه أكبر بكثير من النتائج العسكرية والحربية والإعلامية الكثيرة؟

منذ مطلع القرن الماضي احتاز التخطيط الإعلامي الدولي، وسطا على كثير من النتائج والخلاصات السايكولوجية التي توصل إليها “علم التحليل النفسي”، وسخر تلك النتائج لصالح سياسات الأقوياء والمسيطرين وأصحاب المشاريع الاستعمارية الكونية الكبرى.. ألسنا اليوم جميعاً نتعاطف مع “راسكولنيكوف” بطل رواية الجريمة والعقاب، الذي قتل ضحيتين بريئتين وسرقهما، وألصقت تهمة الجريمة بعامل دهان بسيط كان موجوداً بالصدفة قرب مسرح الجريمة؟ ألا تعتصر قلوبنا لهفة وخشية من أن يفتضح أمر القاتل؟ ألا تتضرع قلوب مليارات قراء “الجريمة والعقاب” إلى الله ـ لا شعورياً ـ ومنذ أن ظهرت “الجريمة والعقاب” منتصف القرن التاسع عشر، حتى اليوم، أن ينجو البطل “راسكولينوف”، كيفما كان، وبأية طريقة.. حتى لو ذهب دم الضحيتين المطلول هدراً؟

بهذه الآلية النفسية يستطاع اليوم عبر التلاعب النفسي المخطط والمدروس، بتحويل القاتل إلى “بطل”، وتحويل الضحايا إلى قتلة، وتلبيس ظروف ومعالم القتل والجريمة، حتى يرسخ في الأذهان نمطية خاصة من التفكير: أنا أتعاطف مع.. أنا أتعاطف ضد.. حيث يتحول “العقل” إلى “الشعور” ويُستبدل به، وحيث يتحول الجمهور العريض إلى كتلة بشرية هائلة متحكم بها بفعل آليات وتنميط المشاعر المخططة والمدروسة.

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »