الرئيسية / بعيدا عن السياسة / المنسيون على الفرات والملك حسين
المنسيون على الفرات والملك حسين

المنسيون على الفرات والملك حسين

عبد الرزاق الحسين

لم يكن المكتب الصغير ضمن بناء محكمة مدينة الطبقة يتسع لهذا العدد من المدعى عليهم، كانوا ثلاثة عشر رجلاً كلهم تجاوزوا الستين، كان جرمهم كما هو مبين على غلاف الملف “كسر أراضي حراجية”، وهو يعني قيام شخص بزراعة أشجار ضمن المناطق الحراجية التي سبق أن زرعتها مديرية الزراعة، وعقوبة الفعل بالطبع هي الحبس لا يقل عن ثلاثة أشهر، تحدثوا منكرين تهمتهم، وطلبوا أن تنتقل المحكمة للكشف على الواقع ومعرفة الحقيقة هناك، نعم إنه طلب محق والحبس ليس لعبة كما قال أحدهم، لم يكونوا موقوفين، ولكن رغم ذلك كان مظهرهم البائس يوحي أنهم قادمون من سجن تدمر، لا من قريتهم المتكئة على ضفاف الفرات.

بعد عدة أيام من منتصف شهر أيار عام 1998 كانت السيارة العتيقة موديل الخمسينات تتجه بنا غرباً، حيث القرية التي تبعد عن مدينة الطبقة خمسين كيلو متراً. السائق يعرف الطرقات جيداً، ويعلم أن لا سيارة غير سيارته العجوز تقدر على إيصالنا للمكان الذي نبغيه فالسيارات الحديثة لا تناسبها الطرق الترابية المتعرجة بين الوديان والتلال الحجرية القاسية والخشنة.

يتغير كل شيء عندما نهبط مقتربين من البحيرة ذات المنظر البديع والشاطئ الذي تحفه أشجار الزيتون والرمان وتزينه حقول القمح التي تضيق بها الأرض بين الجبل ومياه البحيرة، عندما وصولنا كان المدعى عليهم بالانتظار، ومعهم جمع من أهل القرية من النساء والأطفال والشيوخ، يبدو حالهم حزيناً ووجوههم متعبة والعوز واضح على سيماه الجميع، كما أنّ البيوت الطينية البائسة تدل على الحال.

حسناً أين أراضي حراج الدولة التي كسرتموها؟ من بين الجمع الغفير انبرى أحد المدعى عليهم وهو رجل سبعيني ذو عينين تشعان جرأة وذكاء قال: إذا سمحت لي عدالة المحكمة سأختصر الموضوع عني وعن كل الأهالي باعتباري صرت خبيراً بالمحاكم والقوانين من كثرة الدعاوى التي رفعت عليّ، وأنا الآن على حافة قبري وليس لدي ما أخاف عليه، قلت: حسناً تفضل. قال: لم يبقَ إلّا أن تقوم الدولة بصب البنزين علينا وتحرقنا وتخلص منّا، يا أخي نحن لا نريد شيئاً منها سوى أن تتركنا نعيش. عندما نزرع زيتون تأتينا دورية مديرية الحراج وتنظم بنا محضر وتحيلنا إلى المحكمة بجرم مخالفة قانون الحراج والاعتداء على أشجار الدولة، أين هي أشجار الدولة؟ وعندما يزرع أحدنا حنطة أو شعير في أرضه، تأتيه بسرعة دورية مديرية البادية، وتمنعه وتنظّم محضراً بموضوع مخالفة قانون البادية، لأن البادية عند الحكومة ــــ ما شاء الله ـــ تمتد حتى مياه البحيرة، ثم تليها دورية سد الفرات، التي تصادر المحركات التي ننصبها على الشاطئ لسقاية الأشجار والمزروعات، بحجة الاعتداء على حرم البحيرة وتلويث البيئة، وتنظّم بنا ضبوط وتحيلنا إلى القضاء، حتى مديرية الأسماك ترسل لنا دوريات مرفقة برجال الأمن وتمنعنا من صيد الأسماك، وتنظّم بنا محاضر بجرم الصيد الجائر ويحبسنا القضاء، علماً أننا لا نصيد إلا بالشباك، أما الغرف الطينية التي نريد بناءها في قريتنا، فهي الأخرى تجلب لنا بشراً لا نعرف من أين يأتون، يقولون لنا إنكم تخالفون قانون البناء، وارتكاب جرم البناء دون رخصة، رخصة ماذا؟ نحن ليس لدينا بلدية ويتعاملون معنا كأننا نسكن بوسط الشام.

نحن ناس منسيون وبعيدون لا يتذكرنا إلا “أهل المحاضر”. نريد أن نعيش بسلام على أرضنا، ولا نريد شيئاً من أحد، قلت: ولكنّ الأشجار موجودة وعمرها سنين طويلة، وحنطتكم نامية وواعدة، كما أنّ بيوتكم لم يقم أحد بهدمها، وهاهي محركات المياه على الشاطئ والزوارق مازالت تبحر في المياه لأجل الصيد. قال مبتسماً: كل ذلك بثمنه يا سيدي كل هؤلاء يأخذون منا مقابل أن يتركوننا نعيش، وعندما لا يدفع لهم أحدٌ فالأقلام جاهزةٌ لكتابة الضبوط. لقد دفعنا غالياً ثمن كل شيء وبالنهاية لا يتبقى لنا ما نعيش به.

ــــ طيب مادام الوضع هكذا كيف تتدبرون أمور معيشتكم؟

قال بنبرة غريبة وعيناه تلمع كعيني ذئب عجوز: الحمد لله وأخلف الله على الملك حسين )اللي معيّشنا(.

ـــــ ما معنى هذا؟ وكيف يتكفّل الملك حسين بمعيشتكم؟

ـــــ ألا تلاحظون أن أهل القرية المجتمعين هنا كلهم من النساء والأطفال والشيوخ؟ كل شباب القرية والقرى المجاورة يشتغلون عمالاً في الأردن، ويرسلون لأهلهم ما يمكّنهم من العيش وتسديد ثمن بقائهم لأهل الضبوط والمحاضر.

نعم لخصها العجوز كمحام بارع، حالة تجعل اللسان عاجزاً عن الردّ وطعم الروح مرّاً، وكان من الطبيعي أن يكون الحكم بالبراءة نتيجة للدعوى ولكثير بعدها.

في كل بلاد الدنيا تسن القوانين تعبيراً عن إرادة البشر، بهدف تحسين حياتهم وتحقيق رفاهيتهم وأمنهم، أمّا في بلادٍ يستأسد عليها القائد الملهم، ذو الحزب العظيم، فتشرع فيها القوانين لمحاصرة الناس في معيشتهم، ولأهداف تتناقض مع مصالحهم، قوانين يتصرف ويتحدّث باسمها ويطبقها الفاسدون والسفلة، عندها يصبح الوطن سجناً كبيراً ومكاناً للقهر والوجع.

 

كاتب وباحث قانوني،  مستشار سابق في محكمة الاستئناف في الرقة

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: