أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات رأي / الإمارات ودورها في إجهاض ربيع العرب
الإمارات ودورها في إجهاض ربيع العرب

الإمارات ودورها في إجهاض ربيع العرب

يوسف دعيس

تشير دلائل وبراهين عدة حول تورط دولة الإمارات العربية في مشروع الثورة المضادة للربيع العربي، ولعلّ ما نُشر مؤخراً في موقع لوبي لوك الأمريكي ما يؤكد مثل هذه المزاعم، إذ أكد الصحفي المتخصص بشؤون الشرق الأوسط جوناثان فنتون هارفي في مقالة له، “أن الإمارات العربية تدعم الأنظمة المتسلطة والقمعية في العالم العربي، لمواجهة ثورات الشعوب التي خرجت من أجل التغيير الديمقراطي والإصلاحات”.

والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا تسعى الإمارات العربية المتحدة لشيطنة ثورات الربيع العربي؟ ولماذا تدعم الثورات المضادة التي تهيئ الأجواء لعودة حكم العسكر والطغاة في دول الربيع العربي؟! فمنذ الأيام الأولى لثورة الحرية والكرامة السورية بدا واضحاً انحيازها للحكم الاستبدادي، ومنعها لأي نشاط ثوري معادٍ للحكومة السورية على أراضيها، بل سعت إلى تسفير السوريين المناصرين للثورة السورية عن أراضيها، وفتحت الباب واسعاً لاستثمارات آل الأسد ورجال الأعمال المناصرين للنظام، واستقبالهم وتقديم ما يلزم من خدمات لتوسيع دائرة استثماراتهم الاقتصادية، ولم يقتصر دور الإمارات في هذا الشأن ضمن حدود قمع مؤيدي الثورة أو استقطاب رؤوس الأموال لمؤيدي النظام، بل تعداه كثيراً إلى حد ما أثير حول دعم القوات الروسية، وتمويل نشاطها العسكري على الأراضي السورية في سبيل القضاء على كل أشكال المعارضة بحجة محاربة الإرهاب، وأيضاً مشاركة طيرانها مع قوى التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا لمحاربة الإرهاب.

في مصر بدا انحياز الإمارات لحكم العسكر أكثر وضوحاً، تجلّى ذلك بالدعم المباشر، وزيادة حجم الاستثمارات الإمارتية في مصر، في مسعى لتثبيت حكم السيسي، وإعادة إنتاج طاغية جديد، أكثر استبداداً ودموية، أعاد مصر إلى الوراء لعشرات السنين، أما في ليبيا، فكان تدخلها أكثر مباشرة، فلم يكتفي حكام أبو ظبي بتمويل العسكر، بل تعداه ليشمل التدخل العسكري المباشر، من خلال قصف طيرانها للميليشيات المناهضة للجنرال خليفة حفتر، إضافة لمشاركتها بنقل نفط ليبيا وتصديره إلى الخارج، لتكريس حكم العسكر من جديد، لكن بلبوس يحاكي أسطوانة محاربة التطرف الإسلامي، رغم الملاحظات السلبية الكثيرة على الطرف الآخر ممثلاً بحكومة السراج، الشريك الآخر بمسلسل الدم في مشهد الحرب الأهلية الليبية، الذي تفتعله كل هذه القوى حرصاً منها لإسقاط تطلعات الشعوب في الحرية والديمقراطية.

في اليمن تبدو الصورة على شكل مختلف، فإضافة لمشاركة الإمارات العربية كلاعب رئيسي في قوات التحالف العربي، فدورها الذي تلّطى خلف شعارات الإنسانية والمساعدات في مفاصل وقطاعات الصحة والتعليم والإغاثة، عززته بتواجد عسكري في مناطق عدن ومحافظات الجنوب، وأكثر في جزيرة سوقطرة، إضافة لبنائها قاعدة عسكرية في جزيرة ميون المطلة على مضيق باب المندب دون استشارة أو أي تنسيق مع الجانب اليمني ممثلاً بحكومة الرئيس هادي الشرعية، وصفه العديد من اليمنيين بالنشاط الاحتلالي، وترمي الإمارات من كل ذلك إعادة نفوذها بمنطقة باب المندب الحيوية، وتحديداً في ميناء عدن، الذي كانت تستأجره من حكومة علي عبدالله صالح فيما سبق، إضافة لذلك سعيها المباشر في الحصول على استثمارات في المنطقة تؤكد حضورها الفاعل، عبر استخدام نفوذها وتأثيرها على صانعي القرار في أية حكومة يمنية قادمة، وذلك من خلال استثماراتها ومشاريعها الاقتصادية، واستخدام الجمعيات الخيرية الإمارتية كذراع ناعمة لتثبيت رؤى الإمارات في بناء المنطقة بعيداً عن توجهات ثورات الشعوب في التغيير والإصلاح، وربما جاءت أخبار انسحاب القوات الإمارتية أو إعادة انتشارها مؤخراً، ما يدل على تغييب الصورة السلبية لدورها المخرب، ويأتي في إطار ذر الرماد في العيون.

يثير الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي في مقابلة له مع جريدة الخبر الجزائرية، جملة من التساؤلات حول دور الإمارات العربية الخبيث في إجهاض ثورات الربيع العربي، ويصفه بالدور المخرب، حيث أسست غرفة عمليات مهمتها تصفية ثورات الشعوب العربية، والذي استطاعت تونس تجاوزه بمؤسساتها العريقة، وإعلامها الحر، ويقول في هذا الصدد إن تونس استطاعت أن تحقق ما نسبته 50% من أهدافها وسيكون عام 2019 عام تحول بالنسبة لتونس، فهي تعيش اللحظات الأخيرة للثورة المضادة، والانتخابات القادمة ستضع قطار الثورة على السكة بشكل صحيح.

في العودة إلى إجابة جدية للسؤالين المطروحين عن دور الإمارات العربية في مواجهة ثورات الربيع العربي، وعن أسبابها الموضوعية في اتخاذها مثل هذا الموقف السلبي، ومن الممكن التلميح لموقف بعض الناشطين والأكاديميين في دولة الإمارات ممن انحازوا إلى توجهات الإصلاح والتغيير، وناصروا الربيع العربي، والذي جابهته أجهزة الدولة بالاعتقال، والسجن لسنوات عدة، أو إيقاع غرامات مالية باهظة عليهم، في حركة قمعية استباقية تنهي أي أحلام في إطار أن يكون الربيع العربي محط إلهام وتطلعات للشعوب العربية، في الإمارات أولاً، وفي كل البلدان العربية ثانياً، لذلك ليس من المستغرب أن يهدد رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى شعبه بمصير للجزائر مشابه لمصير سورية، ولا يغيب عن الأذهان الزيارات المتلاحقة التي يقوم بها أطراف فاعلة لدول الربيع العربي إلى دبي وأبو ظبي، والتي تحمل عنواناً واحداً، احتواء الثورات والفاعلين فيها، وما طفى على السطح في المشهد السوداني بعد الإطاحة بالبشير، والدعم الذي تتلقاه قوات الدعم السريع “الجانجويد” من الإمارات، ومحاولة تلميع صورة المجرم حميدتي، يؤكد عزم الإمارات على إنعاش حكم العسكر في كل بلدان الربيع العربي، رغم الدور الأبوي الذي يلعبه المجلس العسكري في السودان – عبر حميدتي – والذي يؤكد أنّ القادم لن يأتي بالحرية والديمقراطية.

إذن فالربيع العربي محط إلهام للشعوب، من الممكن أن يهدد أركان دولة الإمارات، ويقوّض مصالحها وأمنها، كما يرى حكامها، لذلك استخدمت الأموال الطائلة لإلحاق الهزيمة والانكسارات لتطلعات الشعوب نحو الحرية والديمقراطية، يساعدها في ذلك جيش من الإعلاميين والمطبلين والمحللين المأجورين، والقنوات الإعلامية ومراكز البحوث العلمية والاستراتيجية، وليس مستغرباً انحياز قناتي العربية والحدث إلى جوقة المطبلين لمشاريع الإمارات الرامية لإلحاق الهزيمة بالربيع العربي، وانضمامها لأخواتها السكاي نيوز والبي بي سي وغيرها، والتي تسعى لوسم ثورات الشعوب بالخريف العربي، وكما يطيب لهم الادعاء أن الربيع العربي يتخذ الإرهاب سلاحاً لتقويض الدول وإسقاط حكوماتها، إضافة لمحاولتها السيطرة على مراكز صناعة الرأي العام العربي، مثلما استحوذت فيما سبق على مؤسسات طباعة الكتب والصحف وأسواق النشر والتوزيع، وحيازتها للمسابقات الإبداعية والعلمية والفكرية، بما يخدم مصالحها، وتكريس ريادتها ومسؤولياتها على جميع منافذ ومراكز التطوير والإبداع في الوطن العربي. لكل ذلك اتخذت الإمارات موقفاً واضحاً حيال ربيع العرب، واختارت مكانها الطبيعي إلى جانب الأنظمة القمعية، وهو خيار استراتيجي ينطلق أولاً وأخيراً للمحافظة على مركزها الفاعل محلياً وإقليمياً، وتكريس شرعية وجودها الأبدي.

طبعاً ليست الإمارات العربية ممثلة بحكومتها هي السبب الأساسي في انكسار ربيع العرب، وهزيمة الشعوب أمام حكامهم المستبدين، بل هناك أطراف عدة، إقليمية ودولية، ربما تأتي إسرائيل على رأس الخانة، وبعيداً عن جلد الذات، هناك العديد من الأسباب التي تؤكد بأن من تنطعوا لقيادة الثورة كانوا سبباً رئيساً في انكسار ربيعنا، وربما أداء النخب الثورية والفكرية كان قاصراً عن إدراك معاني الثورة، وقاصراً أيضاً عن تمثيل الشعوب وطموحهم في التغيير والإصلاح.

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: