الرئيسية / ثقافة / الديكتاتور الذي سجن صديق عمره
الديكتاتور الذي سجن صديق عمره

الديكتاتور الذي سجن صديق عمره

معبد الحسون 

قال لي نديم طابوشة بعد أن توثقت عرى الصداقة بيننا:

ــ كان لي صديق واحد خلال فترة الدراسة الإعدادية والثانوية، لا نكاد نفترق عن بعضنا سائر اليوم. هذا الصديق هو حافظ الأسد. أنا ابن اللاذقية وهو ابن ريفها. جمعتنا مقاعد الدراسة في كل المراحل، وجمعنا الانتساب معاً إلى الكلية الجوية في يوم واحد، والتسريح التعسفي من الجيش، بعد قيام الوحدة بين سوريا ومصر.

وبعد وصول البعثيين إلى السلطة أعيد حافظ أسد، ونصحني أن أسوي وضعي العسكري، وأن نكمل معاً مسيرتنا في الكلية الجوية، لكنني رفضت. فضلت العمل في التجارة، على العودة إلى الحياة العسكرية. هو أصبح رائداً، وأنا سُرِّحتُ برتبة ملازم أول، وبقينا أصدقاء رغم ذلك.

أتذكر الآن والدتي التي تظل ساهرة حتى ساعات متقدمة من الليل، تلبي لنا طلباتنا التي لا تنتهي. المتة، القهوة، العشاء، الشاي، الفواكه. لعب الورق الذي كان يشاركنا فيه والدي أو أحد أخوتي. حتى والدي كان يسألني عنه كل يوم:

ــ ليش رفيقك حافظ أسد ما أجا لعندك اليوم.؟

فأجيب:

ــ لا أدري. ربما لم ينزل هذا اليوم من القرداحة إلى اللاذقية.

ثم يردف بعد صمت متقطع:

ــ يبقى فراشه المخصص له في المنزل شاغراً، حتى لو لم يبت فيه إلى اليوم التالي.

غمرات انشغاله بالعمل السياسي والعمل العسكري، بعد وصول البعثيين إلى السلطة، لم تؤثر في صداقتنا التي تجاوزت كل اعتبار، ولم نشعر طيلة تاريخ علاقتنا التي امتدت لسنوات، بأي معنى أو فارق طائفي فيما بيننا؛ أنا السني وهو العلوي، هذه النقطة لم تخطر ببالي يوماً. كان ما بيننا من قوة العلاقة التي ربطتها الطفولة بميثاق يتعذر فصمه، أبعد من أن تؤثر فيه أية اعتبارات حزبية أو سياسية.

صحيح أنه بعد أن أصبح على قدر من المسؤولية في الجيش، بات يقضي معظم الوقت في دمشق، وترك اللاذقية نهائياً. لكن زياراته الدائمة، كان جزءاً من برنامجها الثابت، علاقته بالأسرة التي أستطيع أن أعترف بوضوح، أنها كانت وطيدة إلى درجة ـ ربما في لحظات ـ كانت أوثق من علاقته بأسرته نفسها. بوالدي، بوالدتي، ببقية أهلي. بنفس القوة التي ارتبطنا بها أنا وهو، إن لم يكن أقوى وأرسخ.

جاء اليوم الذي صار فيه رئيساً لسوريا. وكان لابد أن نقتنع جميعاً أن القدر الذي جعله رئيساً، سوف يقدر أن زياراته للعائلة ستقل كثيراً. أصبح السؤال والمجاملات على الهاتف أحياناً هما القاعدة المتبعة. وأحياناً عن طريق رسائل شفهية، بواسطة قادمين من دمشق.

ــ الرئيس بسلم عليك وعالست الوالدة وعلى عمو الوالد.

مضت الأيام. ولا شيء فيها يتغير. وحين اقترب موعد تقديم مجموعة أبو علي الجندي للمحكمة الميدانية في المزة، عندئذٍ فاتحني نديم طابوشة بسرٍ، كأنما أراد أن يطويه على مضض لأسبابه الخاصة:

ــ هل تعلم من كان رفيقنا الثالث أو توأمنا الثالث.؟ والذي كان لا يفترق عنا ولا نفترق عنه في تلك الايام؟

قلت:

ــ من.؟

همس بخجل، كأنه يعترف بماضٍ كريه مقرف، أو هو يريد أن يزيح هماً عن كاهله بالاعتراف:

ــ إنه هذا اللواء السكير حسن قعقاع.. رئيس المحكمة الميدانية نفسه..

صحيح أن درجة العلاقة معه، كانت أقل مما كانت بيني وبين حافظ أسد. إلا أنه هو صديقنا الثالث في المدرسة والكلية. هذا هو السبب الذي جعل الأسد يتذكر القعقاع، بعد كل هذه السنوات، وينتشله من حمأة الخمارات وضياع أرصفة الشوارع. أعاده إلى الجيش، وساعده على المعالجة من الغَوَل وأمراض السُكْر التي لم يشفَ منها حتى اليوم. والتي دمرت جسده وعقله ونفسيته.

ثم أضاف:

ــ لقد أراد أن يَمُنَّ عليه بإعادته إلى الجيش. والأهم من ذلك أن يصطنع منه ضابطاً سنياً، يبحث عنه وعن أمثاله، ليوقع له على محاضر هذه المحكمة المهزلة، بالإعدامات الجماعية على الناس بالجملة.

غداً سوف يُفَاجَأُ القعقاع حين يراني أمامه خلف قضبان القفص.

ثم توجه إليّ بالسؤال فجأة:

ــ ماذا تتوقع أن يحكم عليّ..؟..

قلت:

ــ لا أتوقع أنه سيحكم عليك بالإعدام. ولكن أيضاً، لا أتوقع أنهم سيفرجون عنك، أو حتى سيحكمونك حكماً مخففاً. أو يطلقون سراحك يوماً ما.

لم تخب توقعاتي. بالفعل تفاجأ القعقاع بوجوده، وهتف به ما إن رآه:

ــ أهذا أنت يا أبو فواز..؟ حتى أنت طلعت خائن للوطن..؟

فرماه نديم طابوشة بنظرة تحدٍ يتطاير منها الشرر:

ــ أنا..؟ أنا خائن يا حسن..؟

أسرع القعقاع في إجراءات المحاكمة، دون أن ينظر في وجهه. كأنما يريد أن ينتهي من ورطة ثقيلة على نفسه. وحكم على نديم طابوشة بالأشغال المؤبدة في تدمر، بتهمة تقديم أموال ودعم لجماعة أبو علي الجندي، ومساعدتهم بالمال وتحريضهم على التمرد. ولقد كان حكمه استثناءاً مميزاً عن مجموعة أحمد الجندي، التي اتُهِمَ هو بتقديم دعم مالي لها وبتمويلها. إذ حُكِم على ستة منهم من أصل تسعة من أعضاء خلية الجندي بالإعدام، والثلاثة الباقين، إضافة الى نديم طابوشة، حُكموا بالأشغال المؤبدة في تدمر.

في تدمر ساءت أوضاعه الصحية كثيراً، وعانى من أمراض القلب والضغط والشرايين. فيما بعد، وبعد ثمانية أشهر من الصحبة والملازمة بيني وبينه، حتى نهاية فترة مكوثنا في المهجع 27 في سجن تدمر، انفصلنا عن بعضنا، بحيث أصبح كلٌ منا في مهجع.

وعلمتُ لاحقاً بأن عائلته توسلت لصديقه القديم، رئيس البلاد ودكتاتورها، فسمح للعائلة، أو لما تبقى منها، أن يزوروه في سجن تدمر. ولقد كانت تلك الزيارة الأولى وبالاً وكارثة عليه، إذ علم باعتقال ابنه الأكبر، وسمع بعد عدة سنوات، بطلاق زوجته منه إثر خلاف على خلفية تركة مالية مع أهله. وبعد مرور عشر سنوات جاءته الأخبار عن اعتقال ابنه الثاني، الأصغر، وبطلاق ابنته إثر زواج فاشل. وحين خرجتُ من السجن كانت أخباره قد انقطعت عني.

كنت أحزن لتدهور وضعه الصحي بعد أن أصبحت أمراض القلب وضغط الدم خطراً محققاً عليه، والرجل صار على مشارف الخامسة والستين أو اجتازها. ولما سألت أحد أصدقاء السجن عنه، بعد خروجي بسنوات، اكتفى بجوابٍ مختصر دون شروح:

ــ مات مريضاً في آخر أيامه في تدمر.

من رواية #قبل_حلول_الظلام

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: