الرئيسية / مقالات رأي / أستانة وانتصار التفاهة
أستانة وانتصار التفاهة

أستانة وانتصار التفاهة

معبد الحسون

في أحد تصريحاته القليلة نسبياً قبل أيام، قال أحمد طعمة، رئيس الحكومة الإنتقالية السابق، وأبرز رموز المعارضة المشاركة في وفد أستانة، عاصمة كازاكستان، وهو المؤتمر الذي دعت إليه الدول الراعية؛ روسيا وإيران وتركيا، للمفاوضات بين نظام أسد والمعارضة السورية الرسمية، صرح طعمة بأن المفاوضات التي تجري منذ حوالي السنتين، لا تحرز تقدماً، وأنه، هو والوفد الذي يرافقه في هذه المفاوضات، إنما يبذلون ما في وسعهم عسى ولعل أن تثمر مساعيهم ومفاوضاتهم، عن تقدم يصب لصالح الشعب السوري، وأن كل ما يمكن أن يُتوقع من هذه المفاوضات، قد يكون مفيداً كاحتمالية، أن يُعدّ مكسباً للشعب السوري.

والحق أن طعمة معذورٌ في تصريحه هذا من ثلاثة أوجه: الأول: أنه لم يكلفه أحدٌ من السوريين بالذهاب إلى المؤتمر المذكور، سيء الصيت. فهو يذهب دون أي تفويض من أي سوري لحضور المؤتمر المذكور. والثاني: أنه لن يحاسبه أو يراجعه أي سوري، سواءً أحرز المؤتمر تقدماً، حسب تعبيره، أم لم يحرز. فهو يذهب بنفسه إلى مؤتمر لا مرجعية سورية له، وبالتالي فلا  مديح له في تقدم، كما أنه لا تثريب عليه في تراجع أو تدهور. أما الثالث، وهو الأبرز والأهم، فهو أن المؤتمر في أصله انتصارٌ للتفاهة التي غرقت فيها القضية السورية، أو التي استطاع المجتمع الدولي أن يغرقها فيها، وأن يسدّ أبواب كل أفق وحل، عن سبق تصميم وإصرار وتعمد، سواءً جاء هذا الحل عسكرياً، أو نتيجة من نتائج اعمال القتال على الأرض، أو تفاوضياً سلمياً غير معني بموازين القوى على الأرض.

ولعل إحدى قرارات المؤتمر ـ الذي هو بحد ذاته جزء من محنة السوريين وذروة إعضالاتهم ـ والتي تنص على ” أن الحل السياسي هو الوحيد للأزمة السورية، على أساس القرارات الأممية ومخرجات مؤتمر سوتشي، مؤكدةً على رفض احتلال الجولان السوري من قبل إسرائيل”. لعلها بعض شواهد ناطقة بالأصالة، على انتصار تفاهة المؤتمر.

كما أنه لم يعد سراً خافياً على أحد، أن مؤتمرات أستانة، ومن قبلها سوتشي، كان يمكنها أن تنعقد، وأن تتابع أعمالها، دون حاجة، لا إلى وفد النظام ولا إلى وفد المعارضة. وعلى سبيل الفرضية، لو تم طرد الوفدين معاً، أو الاستغناء عنهما، وعدم دعوتهما ـ بحضورهما الشكلاني، وبفشل حتى هذه الرمزية الشكلانية في حضورهما ـ لو حدث ذلك افتراضاً، لما تأثر المؤتمر والمخططون، أو الدول الراعية له، ولا تبدلت جداول أعماله، أو الغاية المتوخاة منه. بل كان يمكن ـ إجرائياً ـ لموظفين صغار، يتبعون لخارجيات الدول الثلاث المجتمعة فيه؛ إيران وروسيا وتركيا، أن يتابعوا أعماله كأية وظيفة دبلوماسية تكلفهم حكوماتهم بها.

الواقع أننا إذا أمعنا في تفحص التفاهة التي تَوَّجَهَا مؤتمر أستانة، سوف يفاجئنا بأن تلك التفاهة لا تخلو من المعنى بتاتاً، فهي مطلوبة لذاتها، ومجعولة بعناية خاصة، لغاية تمّ الاشتغال عليها طويلاً، ولكي تتحول تلك التفاهة، كواقع مخرجات مؤتمر، إلى حقيقة سياسية، تشتغل عليها الدبلوماسية الدولية والإقليمية، لكي تنقلها من واقع أروقة الدبلوماسية الكامن خلف جدران المؤتمرات، في العواصم المختلفة والمتباعدة، إلى واقع سياسي على الأرض. واقع يصعب تغييره ربما لعشرات السنين القادمة، بعد أن تكون الاتفاقات والتوافقات الدولية، ورسومات الخرائط الجديدة قد أُبْرِمت وتمّ الاتفاق عليها، وفُرِغ من تلوينها، حسب خطوط التماس المقترحة، وحسب اتفاقات ترسيم المناطق الإدارية الجديدة على الأرض، بما يضمن ويرضي شتى الأطراف المتصارعة.

إذن ليس الدستور الذي يُشتَغَل على صوغه في أستانة هو نكتة خالصة، نكتة تبقى مجالاً للطرائف والنوادر المتنوعة التي يطلقها السوريون، عن الدستور المزعوم أو عن كتبته من المجهولين وشبه الأشباح، وإنما الأصدق أنه النكتة التي سوف تتوج نهاية مأساة، وخاتمة تراجيدية طويلة وحزينة، وليس ثمة في واقع الحياة أكثر لا معقولية، من نكتة جرت صياغتُها في صيغة ملهاة.. أو ملهاة في صيغة مأساة.

ألم نطلق آلاف النكات خلال الأعوام القليلة الماضية،، بحق نظام الأسد اللامعقول، والذي أقر العالم خلال ثماني سنوات بأنه هو وحده المعقول؟ بل هو معقول أكثر مما يجب ويُحتمل؟ ألم نطلق آلاف النكات بحق داعش وخليفتها وشرعتها ـ كحالة هوسية إجرامية أفلتت من قبضة الحضارة الحديثة ـ والتي لا تستعذب إلا قطف رؤوس البشر، ولا يحلو لها إلا التوغل في القتل، بل وفي استسقاء الدماء حتى حافة الجنون المطلق؟ مع ذلك فإن نكاتنا اليوم، بعد كل مراجعة، هي التي بقيت خارج كل واقع، وأن غير الواقعي والمعقول إنما هو أحلامنا في وطننا وحدها، ورغباتنا اليتيمة في طريقة عيشنا فحسب، ومبلغ أحلامنا وطريقة اشتهائنا للأمور ليس غير، أما داعش فلقد كانت شيئاً حقيقياً، وواقعياً ملموساً ـ بنفس المقدار الكابوسي الذي كان مهولاً ومخيفاً وغير إنساني ـ وليس مسرحية ولا حلماً من الأحلام المضحكة.. لقد كان كابوساً حقيقياً بعدد الضحايا الذين خلفتهم وراءها، وبعدد السيارات المفخخة وآلاف المعارك التي خاضها مجانين السماء والأرض، ضد أهل السماء والأرض، والتي انتصرت فيها التفاهة على العقل، وظفر الجنون فيها وانتقم من كل منطق وتفكير.

اليوم يكتب تاريخ جديد للمنطقة. تاريخ ينسحب فيه الضمير والرقي الإنساني، وتتم فيه إبادة كل معيارية للأخلاق والإنسانية. كل ذلك توطئة للدخول في العصر الجديد للشرق الأوسط الجديد، بحيث تستحيل التفاهة إلى سياسات مكرسة لمصير السوريين النهائي، وإلى واقع نهائي، منجز ومعاش، وإلى حدود مُرَسَّمة، وإدارات “منتخبة أو متوافق عليها”. وبكلام مختصر، إلى فتات بلدان رثة، وقواطع من كانتونات بئيسة، بل وخصوصيات إدارية وتنفيذية خاصة لتلك الكانتونات ذات الأوضاع الاستثنائية، وبحيث يغدو الشذوذ هو القاعدة، والمستثنى هو المعول عليه، ويصبح كل طريف وغير مُتصوَر ومثير للسخرية، هو تاج الحكمة وجوهر إكسيرها الذي سوف تتقوت عليه سوريا، التي لا يبدو واضحاً حتى اليوم أية خاتمة منشودة سوف تختم مأساتها، وعلى أية محجة بيضاء، ولا أي شكل نهائي سوف يرسم ملامحها النهائية، ولا أي صوغ أو حقيقة مطاف سوف تقرها أو تستقر عليها.

التفاهة تنتصر علينا، على جميع الجبهات، وتحرز نصراً على إثر نصر، وتسحق رغبات السوريين وآمالهم وعطش تطلعهم نحو المستقبل الذي طالما حلموا به طويلاً، يوماً ما.

 

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »