الرئيسية / ثقافة / من “خروننجن” هنا الرقة..!
من “خروننجن” هنا الرقة..!

من “خروننجن” هنا الرقة..!

خلف الهراط

تتشابه المدينتان إلى حد كبير، أرضهما الخصبة وسكانهما الذين يتميزون بلهجتهم عن بقية سكان البلد، بالنسبة لكلا اللغتين العربية والهولندية، وكذلك تِلالهما. هذه الأخيرة، أقصد التلال، جمعت بينهما في معرض نظمه أحد المتاحف في ولاية خروننجن (Groningen). كنتُ حاضراً في إحدى المناسبات عندما قامت إحدى المشرفات على المعرض بإعطاء لمحة عنه للحاضرين، ومن ثم وزعت بعض المنشورات التي فيها معلومات عن المعرض، عندئذ قررت أن أزوره.

يبعد المتحف عن منزلي حوالي ١٤ كم، حيث  يقع في قرية صغيرة، كانت في ما مضى، ولا زالت، إحدى التلال الأثرية المشهورة في الولاية، أقرب ما تكون إلى تل البيعة في الرقة. ركبت دراجتي الهوائية واتجهت إليه وحيداً. كان الجو مشمساً بعض الشيء، جميلاً إلى حدٍ كبير. كان الطريق إلى القرية مخصصاً للدراجات في معظم أجزائه، معبداً بالإسفلت، وأحياناً بالأسمنت. يمرُ وسط الحقول و احياناً إلى جانب قنوات المياه. على جانبي الطريق تسرح قطعان الخيول والأبقار والأغنام، الربيع هنا لا ينتهي، فالعشب لا ييبس لأن المطر لا يتوقف طيلة السنة.

 

وصلت إلى المتحف، وعندما دخلته رحبت بي موظفة الاستقبال. اشتريت بطاقة للدخول، عندها سألتني هل أنا سوري، قلت: نعم ومن الرقة تحديداً. قالت ستشاهد بعد قليل مشاهد مؤلمة وحزينة عن ما حلَّ بالمتحف في الرقة، لذلك لا تتفاجأ. أخذت البطاقة وسرت إلى رواق المعرض. كان المعرض بسيطاً، توزع على عدة أقسام؛ على اليمين وضعت رفوف زجاجية تحتوي أواني فخارية، وبعض التماثيل، معظمها يعود إلى فترة ما قبل الميلاد. على سبيل المثال، جرة مع صنبور، ومقابض من الفخار، المكان: جبل عرودة، سوريا، الفترة ما بين ٣٨٠٠-٣١٠٠ قبل الميلاد. هذه المحتويات تم استعارتها من المتحف الوطني في هولندا في مدينة لايدن( Leiden,Rijksmuseum van Oudheden)،معظمها تم العثور عليه في تلال الرقة. تساءلت متى وصلت هذه القطع إلى هنا، ولم أتساءل كيف. سألت المرشدة في المعرض، قالت في السبعينات والثمانينات كان هناك بعض علماء الآثار الهولنديين ينقبون عن الآثار في سوريا، ثم اصطحبتني الى قائمة معلقة على الجدار فيها أسماء هؤلاء العلماء. كان من بينهم دريك ماير( Diederik Meijer) الذي درس اللغات السامية وعلم الآثار،  كما درس على يد زوج أجاثا كريستي (Agatha Christie) في لندن . كان أحد الحاضرين في عمليات التنقيب التي جرت في تل حمَّام التركمان في السبعينيات.

القسم الثاني يضم بعض اللوحات التي تم رسمها بألون مائية، معظمها يجسد الحياة العامة في المدينة وريفها في ذلك الزمان. كما تضمنت أيضاً رسومات لبعض العمال الذين شاركوا في عمليات التنقيب، ربما لم يكن هناك آلة تصوير، لذلك كان الرسم هو الحل لتوثيق هذه الأنشطة. في المنتصف صناديق زجاجية تحتوي على نماذج  مقلدة لبعض الألواح الطينية أو المسمارية القديمة التي كانت متواجدة في متحف الرقة، لكن الآن لا يعرف أحدٌ مكانها. كما تضمنت الصناديق بعض الأدوات التي ليست أثرية، بل ذات دلالة رمزية للمنطقة وسكانها، كدلة القهوة والمكحلة.  تضمن المعرض أيضاً فيلم قصير عن متحف الرقة بعد خروج داعش من المدينة. يظهر الفيلم مبنى المتحف والخراب الذي لحق به، حيث لم يتبقى إلا جدران شوهتها الشظايا وطلقات الرصاص، كأنه صورة مصغرة عن المدينة المدمرة.

 

بالعودة إلى تلال المدينتين، يرى القائمون على المعرض أن تشابهاً كبيراً يجمع بين تلال ولاية خروننجن و تلال محافظة الرقة. فالتلال تعتبر المكان المناسب الذي استوطن فيه الإنسان منذ القدم، لكي يحمي نفسه من الفيضانات، ومن لا يعرف تل البيعة أو تل حلف وغيرها الكثير. والسؤال هنا: ما أهمية هذه التلال لكلا المدينتين؟ الحقيقة أن التلال وما تحويه من آثار تعتبر من المصادر الرئيسية التي تقدم رؤية  شاملة عن تاريخ المنطقة وتطورها عبر العصور، لذلك اكتسبت هذه الأهمية. تفاجأت قبل عامين حين ورد اسم تل أبو هريرة( تل في ناحية المنصورة) في نص باللغة الإنكليزية عن تاريخ الزراعة وتطورها، حيث كان النص جزءاً من مقرر اللغة الإنجليزية لطلاب الثانوية العامة في هولندا. كان عليًّ حينها أيضاً أن أحصل على الثانوية العامة لأدخل الجامعة. النص يشير إلى تل أبو هريرة، على أنه المكان الذي وجد فيه أقدم آثار للقمح المزرع في العالم. كما أن التلال تعتبر المكان الذي  يخفي داخله كنوزاً لا يزال البحث عنها جارياً حتى الوقت الحاضر.

 

أنهيت زيارتي للمعرض بعد أن تجولت في جميع أجزائه. قبل الخروج من المتحف جلست في استراحة المتحف لشرب فنجان من القهوة. تذكرت المرة الوحيدة التي زرت فيها متحف الرقة في ٢٠٠٩، عندما كان يحتفظ بجميع محتوياته، كان ذلك بعد صلاة الجمعة في الجامع الكبير. لا أذكر أنني شعرت بالانبهار عندما كنت داخله، لم تبهرني لوحات الفسيفساء والموزاييك. أما هنا شعرت بالرهبة وانا أنظر إلى بعض الفخاريات التي طالما عثرت على أمثالها وأنا أسرح بالغنم على ضفاف نهر البليخ. لم أكلف نفسي في ذلك الوقت عناء حملها إلى البيت، لأنها لم تكن تستأهل بالنسبة لي ذلك العناء. الآن عليَّ أن أدفع باليوروهات ثمن رؤيتها للحظات. خرجت من المتحف وأنا أسأل نفسي: متى سأزور متحف الرقة؟

*طالب في قسم دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – جامعة خروننجن

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: