الرئيسية / مقالات رأي / تركيا بين منطقتين آمنتين
تركيا بين منطقتين آمنتين

تركيا بين منطقتين آمنتين

أمجد آل فخري

ليس خفيّاً أن التفاهمات والتوافقات التي تحكم وتتحكّم في الصراع السوري تعتمد أساساً على تحالفات هشّة ومصالح “أميبيّة”، تتحوّل بتغيّر مصالح المتصارعين، والاصطفافات الجديدة للقوى. فلا أحد منهم ينتظر إنجاز الآخر لما قد يؤدّي إلى دفع القضية السورية صوب الحلّ المنشود، بقدر ما يعمل على عرقلته فيما يخدم مكاسب آنية أو محتملة.

فقد سعَت روسيا متوافقة مع أمريكا وإسرائيل، على حصر الصراع الأخير في سورية شمالاً، وتركيزه شرقاً وغرباً، لجعل تركيا الطامحة للإمساك بقرار في مستقبل المشهد السوري، وهي الطرف الوحيد المحادد لسورية، مكبّلة تأسرها الانفعالات أكثر من الأفعال، غالباً، فتثبت عدم  قدرتها على فرض رؤيتها بعد ربطها بتحالفات متعدّدة، وإشغالها بذات الوقت بقضايا مختلفة، داخلياً أو خارجياً. وهكذا تصبح مناطق النفوذ ناجزة على حساب تركيا التي تحوز أوراق ضغط كثيرة، قايضتها بمواقف أو مواقع استبطنت منها وضعاً أقوى يثبت نفوذها ويحدّد مرتسماته، وما برحت تناور انتظاراً لكسب أكبر، بينما الواقع يثبت انحسار خرائط نفوذها الجيوسياسي، وتقلّص خياراتها، وربما تصل الأمور إلى “إخراجها من المولد بلا حمّص”، فتتحوّل من باحث للحصول على أكبر المكاسب إلى ساعٍ للوقوف عند أقلّ الخسائر.

إن الانفجار في “منطقة خفض التصعيد في إدلب” غرباً على علاقة وثيقة بالترتيبات التي تجري بين تركيا وأمريكا بشأن “المنطقة الآمنة” شرقاً، بل هو ردّ روسي، أو مقايضة وتفاهم ضمني بين الأطراف، وليس بعيداً عن ذلك اجتماع القدس الثلاثي. وهكذا تقع تركيا بين خيارين لابدّ من التنازلات في كلّ منهما، ففي المنطقة الآمنة شرقاً قبلت بالتفاهم مع الأمريكان على تدابير وإجراءات تطمئِن قلقها وتعزّز أمنها الحدودي، أقلّ بكثير من طموحها، وقد حشدت من قواتها ما حشدت، والقضم لمساحات من المنطقة التي تتمركز فيها نقاط المراقبة التركية غرباً، بموجب سوتشي، والتي أضحت محاصرة تبحث عن خلاص، بعد سقوط طريق حلب- دمشق بيد قوات النظام، ومحاولة الحفاظ على طريق حلب-اللاذقية، كورقة تفاوضية، على مبدأ “عصفور باليد”، بينما الخطاب لا يقبل خرق اتفاق سوتشي غرباً، ويُظهِر أنه شريك فاعل مع روسيا التي أعلنت وجودها على الأرض، في قرار المنطقة! ولا يرتضي بأقلّ من دفن الإرهابيين في الخنادق التي حفروها شرقاً، ويُظهِر أنه مع أمريكا، المستقرّة في الأرض، رقم لا يمكن تجاوزه في ترتيب المنطقة! بينما قبلت بنسخة معدّلة عن اتفاق منبج المودع في الثلاجة الأمريكية.

تركيا في مماطلتها وقراءتها لتطوّر الأحداث- شرقاً وغرباً- وقعت بين ضغطين، روسي يطلب منها الرحيل، وهو ما عبّر عنه بوتين بإعلان أنه “سيتابع حملته على الإرهابيين حتى الحدود التركية”، وقد وصلت رسالته، فردّ أردوغان” إن الهجمات على إدلب تمثّل تهديداً خطيراً لأمن تركيا القومي”، واتفقا على “تفعيل الجهود المشتركة” في إدلب.

وفي ذلك تأكيد علنيّ لتفاهمات سابقة حول حلب وما جاء بعدها، وصولاً إلى التهام مناطق خفض التصعيد، والوقوف على أبواب إدلب، وهو ما استوجب قمة ثنائية – ستعقد الثلاثاء- لرسم خريطة جديدة، لا لـ(منطقة خفض تصعيد) تآكلت وعبَرتها المتغيّرات الميدانية، بل لـ(منطقة آمنة) في إدلب التي صار الأتراك يعدّونها مهمّة لأمنهم القومي، بعد نكوصهم بتعهّداتهم في اتفاق سوتشي إنهاء ملفّ هيئة تحرير الشام، وهو ما لم يحصل احتفاظاً بورقة ضغط مستقبلية.

الملاحَظ أن سيناريو التصعيد – في آخر مناطق خفض التصعيد- ومرفقاته ومخرجاته، تكرّر فيما أنجزه الحليفان التركي والروسيّ، قبل وبعد الاجتماعات التي تبحث القضية السورية، وهو ما يجعل الأمر في خانة تباين أولويّات كل منهما في تفاهماتهما واتفاقياتهما، وقد عبّر عنه صراحة أردوغان “نتحرّك وفقاً لأولويّات تركيا، وسنقضي على الحزام الإرهابي”، لأن استحقاقاتٍ تطرق أبواب الجميع-اللجنة الدستورية- على طريق تنفيذ القرار الأممي 2254 الحاضر الغائب في كل المحافل، وتسارع خطوات أمريكية – تركية تجري لتخليق منطقة آمنة “شرقاً”، بدأ بالأمس عمل مركز عملياته المشتركة. وربما سيكون ذلك مؤشّراً أو دافعاً لمستقبل يقوم فيه مركز عمليات مشتركة في منطقة آمنة “غرباً” برعاية روسية – تركية حفظاً للأمن القومي التركي من جهة، وحفظاً لأمن النظام من الإرهاب، كخطوة تؤسّس لتغييرات تالية. وبذلك تكون تركيا بين منطقتين آمنتين تًوظّفان مستقبلاً تبعاً لتطوّرات الصراع السوري إقليمياً ودولياً.

إن خرائط جديدة تُرسم للشمال السوري وشرق وغرب الفرات، لتكتمل المقايضة الروسية الأميركية في تحجيم الدور التركي، والتفرّغ لتحجيم الدور الإيراني بجهد روسي وتفويض إسرائيلي يستبيح الوجود الإيراني في العراق وسورية ولبنان، لتتمّ محاصصة الشركاء، وكل حسب موقعه ودوره حالياً ومستقبلاً. فتنفّذ روسيا بذلك سياسة دولية متّفقاً عليها ضمناً، بدليل الصمت حيال كل ما يحدث. ولكن ثمة أسئلة ترسم سيناريوهات محتملة لمتابعة ماراثون الدمار السوري، فماذا لو: تمّ الانقلاب –والمسوّغات كثيرة-على منطقتي غصن الزيتون ودرع الفرات؟ أو إنهاء اتفاق منبج؟ أو إنهاء أستانا أو سوتشي؟ أو إغراق أوروبا بالسوريين؟ أو قيام تحالف أمريكي- تركي مقابل تحالف روسي- إيراني؟

يمكن لأي طرف إرباك اللعبة فيخلق حرباً جديدة تخلق حروباً، ويتناسى الجميع أن الصراع المتصاعد المفتوح وقوده سورية وطناً وشعباً ومستقبلاً.

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: