أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات رأي / الأسدية من الشعوذة والدجل، إلى التحلل والاحتضار
الأسدية من الشعوذة والدجل، إلى التحلل والاحتضار

الأسدية من الشعوذة والدجل، إلى التحلل والاحتضار

معبد الحسون

بتاريخ 4 حزيران/ يونيو، من عام 2014، أي بعد اندلاع الثورة السورية في كل البلاد بثلاث سنوات ونيّف، أذاع السيد محمد جهاد اللحام، رئيس ما كان يسمى مجلس الشعب السوري، نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجراها النظام السوري، في أجواء من التنافس الحر، والتعددية على منصب رئيس الجمهورية. كان القصد الواضح، شبه المعلن، من هذا النفج، وهذا “الترف” الذي لا معنى له، هو إيصال رسالة عامة وشاملة إلى جميع دول العالم؛ رسالة فحواها الجلي الواضح، يكاد أن ينطق بالقول: (نحن لا نخاف من الانتخابات الحرة، وشعبية الرئيس بشار الأسد ليست محط شك أو مناط ريبة. وهذه الانتخابات هي الدالة والمصادقة على ادعائنا هذا).

بعد تلك الانتخابات التي تكبد النظام عناءها ومشقتها، والتي جرت لانتخاب رئيس الجمهورية في سوريا،  جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الرسمية، وكما أعلنها اللحام يومذاك، كما يلي:

في المرتبة الأولى فاز بشار الأسد بنسبة من الأصوات تساوي (10,319,723). وتعادل نسبة (88,7%) من المقترعين.

وفي المرتبة الثانية فاز حسان النوري بنسبة من الأصوات تساوي (500,279). وتعادل نسبة (3,4%) من المقترعين.

وفي المرتبة الثالثة فاز ماهر الحجار بنسبة من الأصوات تساوي (372,301). وتعادل نسبة (3,8%) من المقترعين.

وهناك أصوات باطلة، لأشخاص صوّتوا ولم تتطابق أوراقهم مع شروط التصويت، عددهم (442,108). ونسبتهم(3,8%).

وهذا في النتيجة النهائية، يعني أن عدد المقترعين لانتخاب رئيس للجمهورية كان (11,634,401) مواطناً سورياً. وتعدل نسبتهم (95,9%). من السوريين الذين يحق لهم الانتخاب (بحسب البيان الذي أذاعه اللحام). فإذا كان الذين يحق لهم الانتخاب، (أي الذين تبلغ أعمارهم فوق 18 سنة)، يجب أن يكون عددهم، بناءً على هذه النسبة المعلنة، (12,131,805). فهذا يعني أن الذين لم يذهبوا إلى تلك الانتخابات، ولم يصوتوا لأي من المترشحين الثلاثة، عددهم يجب أن يكون: 12,131,805 – 11,670,806 =  461000 مواطناً سورياً تقريباً.

بالطبع مع احتساب أن نصف الذين ذهبوا تقريباً ـ ونصف الذين لم يذهبوا ـ إلى تلك الانتخابات هم من النساء، والنصف الباقي من الرجال، ممن “شاركوا في هذا العرس الديمقراطي”. فاذا أسقطنا نسبة النساء اللائي لم يشاركنَ في الانتخابات، (باحتساب أن النساء لم يشاركنَ في العمليات الإرهابية، ولم يحملنَ السلاح ضد الوطن وضد حكومته الشرعية المنتخبة وضد رئيسه المنتخب)، فإن هذا سوف يقلص نسبة الذين لم يشاركوا في تلك الانتخابات من الرجال، إلى الرقم 230000 سورياً تقريباً.

لنصدق مبدئياً جميع هذه البيانات الرقمية التي أوردها السيد (لحام). وذلك لغاية أن نجري بعض المقاربات والمقايسات الذهنية والتصورية، بين ظاهر الأسدية المعلن، وبين باطنها المتخيل والمتصور. وسنفترض بأنفسنا جدالاً حيادياً، بعيداً عن كل انحياز مسبق، بل وأكثر من ذلك، ولكي ندعم هذا التصور حتى نزيل كل غبش للصورة المراد تظهيرها، سوف ننحاز بعض الشيء إلى تصورات الأسدية وتخيلاتها المُجاهر بها، وذلك حين سنأخذ على محمل الجد، وعلى مستوى من المسؤولية السياسية، التصريحات الهتلرية لرأس النظام بشار الأسد، في خطابه أمام مجلس الشعب، في آب عام 2017: “صحيح أننا خسرنا خيرة شبابنا والبنية التحتية للمجتمع، لكننا ربحنا مجتمعاً متجانساً”.

والمعنى الحرفي لتصريح بشار الأسد ذاك، هو أن مجتمعاً يحتوي على مئات الآلاف من الخونة والإرهابيين والمتآمرين، والمرتبطين بقوى الهيمنة الخارجية؛ مثل هذا المجتمع إذا تمّ التخلص من كل هؤلاء “السيئين” فيه، والذين يشكلون قوة تدمير مضادة للوطن وقوة معطلة لتقدمه، فإن هذه العملية الجراحية، وإن شابها قتلٌ ذريع وصل إلى حد استخدام الطيران، وكافة صنوف أسلحة الإبادة الجماعية ضد المدنيين، أفضت إلى قتل الآلاف واعتقال الآلاف وتهجير الآلاف، فإن تصفية الوطن وتنقيته من كل أولئك الأشرار و”السيئين”، لا يعني في المؤدى الأخير، أكثر من تنقية مياه الشرب، أو تخليص شذور الذهب المختلطة من شوائبها العالقة، ثم الإبقاء على “الجيدين” فقط من السوريين.

النظام أعلن رسمياً، وعبر تصريح أهم شخصية تشريعية تمثل الشعب، حسب دستوره، بأن 95,9% من السوريين الذين يحق لهم الانتخاب، قد ذهبوا إلى صناديق الانتخابات، واختاروا انتخاب بشار الأسد بأغلبية ساحقة. وأن هنالك نسبة عددية أخرى، لا يؤبه كثيراً لها قد اختارت منافِسَيْه الآخرَيْن، وإن تكن هذه النسبة بالغة الأهمية، من حيث أنها منحت الانتخابات مشروعية التنافس الحر، وأفسحت لتعددية الترشيح والتصويت، بعداً ديمقراطياً وحراً، غير مسبوق. وهذا يعني، ومرة أخرى بحسب ما جهر به النظام عن طريق بيان اللحام المعلن، أن هنالك نسبة تقدر بـ 4,1% لم يصوتوا، ولم يذهبوا إلى تلك الانتخابات.

ها قد أوشكنا أن نقارب ـ ونقرِّب ـ بين متخيلات وتصورات النظام، كما صدح بها وأعلنها للبشرية جمعاء. بل وأكثر من ذلك، سوف ندعم نظريته الخاصة تلك، بوجود مئات آلاف المسلحين الإرهابيين من السوريين، وهم جموع من الخونة والمتآمرين والمرتبطين بأجندات خارجية، وأنّ هؤلاء الآلاف من الخونة، لهم حاضنات شعبية تعضدهم وتؤازر مؤامراتهم، وتساعد على التمرد ضد الدولة السورية ونظامها الشرعي. مع أننا لم نسمع، بل ولا يُتَصَوّر، حتى من باب التخيل والتوهم، بأن سلطة أو نظاماً، في بلد من بلدان الديمقراطيات في العالم، قد أقدم على إبادة جميع الذين لم يذهبوا إلى الانتخابات، ولم يُصوّتوا بـ”نعم”، لصالح رئيسه. وذلك حرصاً على تنقية المياه الملوثة، والحصول على شعب أكثر تجانساً. مع هذا، هبْ أننا صدقنا بأن أولئك الـ 4,1%، الذين لم يدلوا بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية، هم إرهابيون مجرمون، وخونة مرتبطون بمؤامرات خارجية، يحيكها من لست أدري ضد الوطن ونظامه الوطني الصامد والممانع.

للأسف، رغم كل مسايرتنا لمنطق الدكتاتور، صاحب نظرية الشعب الأكثر تجانساً (على ما تنطوي عليه من شعوذة فاشلة وغير بارعة)، ورغم كل إقرارانا المجامل والمصادق على أرقام السيد اللحام، رئيس مجلس الشعب، ورغم أن مجاملتنا لهذه الأرقام الحسابية، قد وصلت إلى حد افتراضنا بأن كل من لم يشارك في هذا “العرس الديمقراطي”، الباذخ المترف، هم إرهابيون وخونة، حملوا السلاح ضد الدولة والنظام الشرعي؛ مع هذا فإن فجوة وفارقاً كبيراً، بين الحقيقة العارية كما هي متجلية بالبيانات والوثائق، وبين الايحاءات المشعوِذة التي تحاول أن تعيد ترسيمها، وأن تُخَلِّقها تخليقاً إيمائياً، قائماً على الدجل وبراعة سحر الكلمات والأرقام.

فالذين قتلهم النظام من السوريين، والذين غيَّبهم بالاعتقال، والذين هجرهم؛ كل أولئك ليسوا هم الـ 4,1% الذين امتنعوا عن الذهاب إلى صناديق الانتخابات، بل لعل أعدادهم تتفوق على هذه النسبة بأكثر من أربعة أو خمسة أضعاف الرقم المعلن. وعلى النظام نفسه أن يفسر لنا إعضال هذه الإشكالية التي لا حل لها: هل قتل النظام، أو غيَّب قسرياً، أو هجَّر أضعاف هذه النسبة التي قرَّرها هو بنفسه، من مواطنيه الذين ذهبوا إلى صناديق الانتخابات، وانتخبوا بأنفسهم بشار الأسد؟

لو أعلن (اللحام) يومذاك، أن نسبة الذين شاركوا في الانتخابات، وذهبوا إلى صناديق الاقتراع، ليقولوا “نعم” لبشار الأسد، أو لمنافسيه الذين لا يعرفهم كثيرٌ من السوريين؛ لم تتجاوز الـ 40% او الـ 50%، طالما أن كل هذه النسب والنتائج، هي ضربٌ من خفة اليد ولعب الكشتبانات، التي لا يستطيع أحدٌ توكيدها أو نفيها أو إقرارها، حيث لا مرجعية موثوقة تؤكدها أو تدحضها. لو فعل اللحام ذلك، لكان أحرجنا فعلاً.. أحرجنا أمام أنفسنا، نحن السوريين الضحايا، وأمام العالم الذي يرى ويراقب كل ما يحدث في سوريا. بل ولأحبط حماسنا ورأينا المسبق بتجاربه الدجلية والشعواذية. ورحم الله أبا الطيب المتنبي، حين قال:

كرمٌ تَبَيَّنَ في كلامِكَ ماثلاً * ويبينُ عِتْقُ الخيلِ من أصواتِها

يتحلل النظام اليوم ويحتضر، وتتحلل الأسدية معه وتتبخر شيئاً فشيئاً. ويذهب دون أن يخلّف خيلاً أصيلة، ويُسلم كل تركته للروس قبل إعلان وفاته ودفنه. حيث لا خيلٌ عتاق، ولا أصوات ولا أفعال. فهل سينعيه ويتحسر على فقده ورحيله أولئك الـ 95,9% ممن انتخبوه؟

كاتب وروائي سوري ، مدير القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

 

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: