الرئيسية / ثقافة / قبل حلول الظلام والمسكوت عنه ..
قبل حلول الظلام والمسكوت عنه ..

قبل حلول الظلام والمسكوت عنه ..

الرقة بوست ـ أحمد ظاهر

في رؤية مغايرة لما يتوارد إلى الذهن مما اصطُلح على تسميته بأدب السجون، سواء في الرواية أو الشعر أو المسرحية، حيث تحضر الصورة النمطية التي لاتعدو في أغلبها سرداً لآلام المعتقلين (من لحظة (شرب فنجان القهوة في أحد الفروع الأمنية والذي يمكن أن يطول لسنوات وربما انتهى بموت تراجيدي تحت التعذيب، أو حكماً صورياً بالإعدام لايتعد النطق به عدة دقائق أو ثواني) إلى رحلة عذابات سرمدية يولد منها الف مسيح وقد تحيلنا تلك العذابات لأنات وصرخات ضحايا محاكم التفتيش… مع ملاحظة تباين أساليب السرد في تسجيل وتوثيق ذلك الجحيم الذي لايعرفه إلا من ولج إلى دهاليزه وعاين محتواه. والتأكيد على أن كل ماكُتب في هذا الشأن شهادات حية مكتوبة بالدم والألم، وماهي الا جروح يفتحها كتابها بمحض ارادتهم ليلقوا فوقها كومة من ملح.
في أتون الهلوكوست السوري المستمر منذ تسع سنوات، تطل علينا رواية /قبل حلول الظلام /للكاتب معبد الحسون المعتقل السابق في أقبية الموت الأسدي، في سردية روائية جديدة، إن لم يكن على مستوى الخطاب وأدوات السرد فهي جديدة في طروحات المسكوت عنه، واقصد بالمسكوت عنه تجاوز الرواية لمسلمة التعذيب الجسدي والنفسي الذي ينتهي بالموت أو الجنون أو العاهات الجسدية والنفسية التي تبقى ندبة في روح وجسد المفرج عنهم. إلى سردية جديدة تطرح المعتقل كنموذج إنساني في ظرف قاهر وكيف يلعب لعبة الحياة في دهاليز الموت، مع ملاحظة أن الكاتب لم يهمّش العذابات لكنه استطاع بديناميكية سردية رائعة توجيه عقل المتلقي إلى جانب آخر طالما تساءل عنه من لم يعش ذلك الأتون.
فالرواية تتحدث عن التضحية التي تصل لحد الملحمية في قصة فايز الذي يضحي بنفسه بدل أخيه بشكل سري يجعل القارئ ينصرف إلى التضحية كقيمة اخلاقية وشخصية فايز الأسطورية الذي اعتمد التضحية المباشرة بالجسد في حين أن الطبيب زاهي يموت بالسل نتيجة اصراره على معالجة المرضى بما لديه من وسائل في تضحية أخرى غير مباشرة تنقلنا لشخصية الطبيب المثالي صاحب الرسالة الذي قلما يجود به الواقع.
وفيما يشبه الكوميديا السوداء، يسرد لنا الكاتب عن القانون الذي يتحول إلى أداة للبطش، على نقيض الصورة الحقيقية للقانون كمؤسسة لحماية المستضعفين في الدولة المدنية، ففي صور كوميدية نسمع شتائم قضاة أمن الدولة في محاكمات المعتقلين وكأنهم في رحلة سباق مع السجانين في تدمر لإثبات الولاء للثورة المزعومة التي يقودها القائد الفرد الصمد،من خلال أحكام تحيلنا لقرارات محاكم التفتيش، في صور صارخة تظهر حقيقة القانون تحت مظلة الدكتاتورية.
ثم تجد صورة كوميدية سوداء، في حديث ذلك الشاب الذي تكلم مع السجانين بأدب وكلام جميل معتقداً انهم بشر مثله ليغدو كلامه المهذب لهم شتيمة يذوق من أجلها أقسى العذابات.
وفي صورة أخرى ينقلنا معبد الحسون لنتعرف على موقف السجان من المعارض ابن طائفة الرئيس وهل له من مزية عند سجانيه لنكتشف ان هذا النظام لايبالي بطائفته الا كوجاء يختبئ خلفه، فليس من شفيع لك، وأنت تعارض الوهية الأسد.
الرواية زاخرة بأحداث أخرى غير التعذيب بصفته حامل لأي رواية عن السجن، فالمعتقل الذي كشف لنا معبد الحسون عن جانبه الآخر، عالم زاخر بالقصص والشخصيات المتباينة في فكرها واحلامها ومعاركها اليومية وتشبثها بالحياة، في تلك الرواية إجابة لسؤال كبير طالما طرح نفسه : كيف يستطيع المعتقل البقاء على قيد الأمل في سبيل حلم الحياة وهو في قاع الجحيم وكل ثانية في زمن المعتقل بألف مما تعدّون، كيف يتسرب نور الحياة في ذلك الظلام السرمدي.

Print Friendly, PDF & Email

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »
%d مدونون معجبون بهذه: