سجْنَنَة سورية…(أنثروبولوجيا السجن)

قاسم الهندي

محاولة معرفة الأسباب أو تتبّع النتائج في أي بحث اجتماعي، وبناء نظرية على أي منهما ( الأسباب، النتائج ) تبقى منقوصة، منقوصة معرفياً من حيث أن الانطلاق من نقطة محددة سلفاً، يفترض حتمية الوصول لنقطة محددة أيضاً، هذه الحتمية تلغي كل المسافة المفترضة ما بين النقطتين بعد أن جعلت تلك المسافة الافتراضية مجرد عبور بين نقطتين، لتتطابق النقطتان فيما بعد، ليعودا و يشكلا بعد اندماجهما و ضغطهما للمسافة فيما بينهما إلى درجة الإلغاء نقطةً واحدة كوجهي العملة في تطابقية التعبير عنها، أي أنها ألغت كل الحركة المشكّلة للمشهد، واكتفت بالعناوين كمعبّر وحيد عن الحقيقة بشكل دكتاتوري و قسري حول ما كتب عن السجن وعن سورية، إن كان أدباً (رواية) أو دراسة اجتماعية، كان جلّ التناول للموضوع السوري و السجن خاصة، يتعلق بأحد أمرين: إمّا ( النتيجة ) الناشئة عن التعذيب/السجن (الألم، الفقر، العذاب،…)، ضمن هذا الطرح لا يتجاوز التناول سردية الصراخ و العويل بشكل ذاتوي جداً، يلغي لهذا التناول إمكانية الوصول، رغم كل ما يحمله من مصداقية و مقدرة تعبيرية، أو الكلام عن السجان( السبب )، وهو هنا رأس النظام ممثَّلاً بمدلولاته كسجان (ظلم، حرمان، قهر،…..)، هذا الطرح يُدخل صاحبه بموضوعية جامدة مستثنى منها المدلول الإنساني( التعبيري )، الذي هو موضوع التناول، فيفقد أيضاً إمكانية الوصول كخطاب معبّر عن الموضوع السوري/السجن .

بين العويل ( الذاتي/النتيجة )، والجمود ( الموضوعي/السبب )، هناك مسافة تعجّ بالحركة ألغيت لصالح العناوين، على حساب الماهية المعبّرة عن الحركة بكل تشعّباتها وعدم انتظامها. في هذه المسافة تقع حياة الناس، طريقة عيشهم، ومأكلهم، وعلاقاتهم مع بعض، وعلامَ يفرحون في السجن، وما الذي يحزنهم (عدا كونهم في السجن طبعاً) لإعطاء هذه المسافة إمكانية التعبير عن ذاتها دون دكتاتورية العناوين، نحتاج ليس إلى إلغائها (أي العناوين)، بل إلى إعادة موضعتها في نسق يتجاوز إمكانية الافتراض المسبق في إمكانية التنبّؤ، هذه الموضعة و التنسيق تساعد في إعادة إمكانية التعريف و تحديده بشكل أكثر دقّة عن طريق تعرية المفاهيم و إزالة خيمتها الأيديولوجية، وتوطينها بشكل جغرافي نستطيع المرور عليه كلما أردنا أن نستكشف زاوية من زوايا المفهوم، كانت متخفّية سابقاً، عندما كان متشرداً مفسحاً المجال لتأويل تعريفي قد لا يعبّر عنه. عملية التوطين هذه لا تعني جموداً للمفهوم، بل تجعله أكثر إمكانية للتفاعل، و ذلك عن طريق إمكانية رؤيته من الداخل و الخارج، والإضافة إليه دون أن تلغي ماهيّته، بل تعطي مجالاً متجدداً لإمكانية أن يكون التعريف عملاً متجدداً و قابلاً للاستمرار، إعادة جغرفة (من جغرافية) التعريف، تعريف النظام السوري تساعد في إزاحة كل ما للأدلجة من إمكانية إخفاء المعنى و تشويهه أحياناً، وصفه بأنه مجرد نظام دكتاتوري، يعطي إمكانية للخلط بينه و بين العديد من الأنظمة الدكتاتورية المشابهة له في بعض النقاط التعريفية، فتلغي ما له من خصوصية تساعد في استثنائية التعريف المحددة له، عملية جغرفة التعريف تساعد في أطرنته (من تأطير)، والأطرنة لا تعني العزل بقدر ما تعني التمييز و التمايز عن غيره من التعاريف المتشابكة معه.

في الأطرنة لا يتمّ عزل التشابكات عن بعضها بعضاً، بل توضيح أماكن و نقاط التشابك التي – قبل عملية الأطرنة – كانت تُدخل المفهوم في إشكالية تعريفية .فالنظام السوري من حيث التعريف قبل توضيح التشابكات مع غيره من الأنظمة الدكتاتورية كان يدخلنا في متاهة عدم تمييزه سوى من الخارج دون تفاعلاته الداخلية المعطية للتعريف أكبر قدر من التوصيف الخاص به . هذه التفاعلات هي ما يعطي لكل كيان صفته الخاصة به، تفاعلات النظام السوري – إن أدخلناها ضمن مفهومي القياس و المقارنة مع الأنظمة الدكتاتورية الأخرى، وطريقة تعامله و سلوكه مع السوريين – هي ما يشكّل علامة فارقة في تمييز التعريف، فنظام ككوريا الشمالية و عراق صدام حسين – سابقاً – وإيران الحالية رغم تشابكهما مع النظام السوري في الكثير من النقاط ( الظلم، القهر، …)، إلا أنهما لا يتطابقان معه في نفس التعريف. فمثلاً تفاعلات النظام الإيراني مع الإيرانيين، رغم كل ما فيها من عسف و جور بحقّ الإيرانيين، إلا أنها تحاول تزييف البناء الخارجي لها عبر أدلجة الخطاب و تضخيمه، بحيث يتجاوز تفاعلات الداخل، ويصبح الخارج هو المعبّر عن شكل النظام ( قوة عسكرية، توسّع إمبراطوري،…. ) بالنسبة للنظام السوري، وحده السجن لا يحتاج إلى إبراز شكله الخارجي كمعبّر عنه ( جمود السجن هو يافطته )، ومحاولاً إخفاء تفاعلاته الداخلية ( محاولة الإخفاء هي ما تعطي للنظام السوري تعريفيّته )، في أنه نظام سجني. وحدها السجون تظهر ذاتها عندما تحاول إخفائها) فسورية تحت حكم النظام السوري تحوّلت إلى نظام فريد في العالم من نوعه هو: ( نظام السجن( .

نظام السجن ليس المقصود به فقط هو بناء السجون، ( وما أكثرها في سورية )، بل تحويل حياة الناس إلى حياة سجناء عن طريق( سجننة ) حياتهم وطريقة معاشهم وعلاقاتهم و اقتصادهم وأسلوب تفكيرهم وحركتهم، ليصبح مجرّد الخروج من سورية أشبه بورقة إطلاق سراح . أمّا كيف حوّل، ومارس –ويمارس- النظام السوري سجننة السوريين( المعنيّون بهذه المقالة )، يتمّ تفصيلها في جزء آخر مكمل لهذه المقالة.

اترك رد

Translate »