سجننة سورية انثروبولوجية السجن -2-

قاسم الهندي

اجتماعياً عودة الى التعريف، السجن كوصف للنظام السوري (نظام سجني)لا يكتفى بالعناوين لتكون مقدمة لما يليها من تشكّل نصوصي يحاول أن يكثف ما يريد أن يقوله بالعنوان. التشكّل النصوصي ليس مهمته شرح و تبيان ما يكثفه العنوان فقط فهو بحالة انبثاق عناويني دائم ليس لخدمة العنوان بل لتجاوزه أيضاً، و كأننا نقرأ حالة عَنْونة مستمرة تلغي ما للبداية (العنوان) من تهيئة الانبثاق من العدم، (و كأن المفهوم لم يوجد قبل عنونته)، لتحيلنا لصيرورة نصوصية تعيد إنتاج إمكانية تعريفية داخل النص لا تنتهي حتى بنهايته، أي النص.

فاجتماعياً حياة الناس في السجن و علاقاتهم، هي جزء من تعريفية النظام السجني، حتى وإن لم نعرفه هو(كنظام سجني)، حياة الناس في السجن(سورية)، تشرح وظيفة وعمل هذا النظام، هذه التعريفية تستمد وجودها من نسق حياة الناس، وليس من تعريفنا للسجان(النظام)، كنظام استبدادي فقط.  السوريون في علاقاتهم البينية يعيدون تعريف النظام السوري في كل سلوكياتهم، ليس ككونهم نتيجة(سجناء) لفعل السجان(النظام) في سجنهم، بل كتكاملية عمل سجني ما بين السجين و السجان، فحياة السجناء ليست حياة فارغة (مجرد سجناء يعيشون فقط لحظة الإفراج عنهم!) دون إنتاج اجتماعي يصوغون به حياتهم، (حتى في الجحيم تمارس الحياة)، السجناء يعيدون إنتاج نمط حياة اجتماعي يتناسب ووظيفة السجن(الدولة)، والسجان (النظام)، ليس كما يطرحه السجان، بل بما يجعل للحياة إمكانية تعريف جديدة من قبل ممارسي الحياة أنفسهم.

في السجن يعيد السجناء بناء عقد اجتماعي طارئ يحاول أن يحافظ لهم على أدنى حدّ من إمكانيات الحياة، هذا العقد ليس نتاج اتفاق و دراسة بينهم بقدر ما هو نتاج الحاجة، و يلغى هذا العقد لمجرد تحطّم جدران السجن (انتهاء النظام)، أو الإحساس بهذا التحطّم (كما يحدث في سورية حالياً بانفراط العقد الاجتماعي الاضطراري بين السوريين بعد أن لم يعد لقبضة النظام من قوة تسيطر عليهم).

العقد الاجتماعي الاضطراري بين السوريين غير المعترف به فيما بينهم، إلا أنه يشرح حياتهم، ويستطيع تفسيرها، فهو يكثف العلاقات الاجتماعية بحكم الانحشار بين الجدران إلى درجة الثبات كعينة تحت المجهر، لكن بشكل معكوس(المراقب ليس خارجياً/حيادياً، بل داخلياً/مؤثراً) من حيث أن كل عينة من العينات، ترى الآخرين بنفس المجهر الذي تستخدمه باقي العينات(الأفراد) في النظر إلى بعضها.

في حالة الثبات (السجن) لا تتثبت العلاقات الاجتماعية، بل تتكثف بشكل أسرع مما لو كان المكان متحركاً (دولة ديمقراطية)، فالحركة تسمح لممارسها بإمكانية التخفّي دون إمكانية الرصد المجهري(الاجتماعي) من الآخرين، وتساعده على فردانيته.  للمراقب الخارجي تبدو حياة السجناء نوعاً من أنواع التكاتف الاجتماعي فيما بينهم؛ بسبب أن ظاهرية العينة سلوكياً، لا حواجز لديها في تعاملها الاجتماعي مع الآخر، بينما الإشكالية لدى العينة، ليست بوجود الحواجز بل بانتفائها نفسه، حواجز يُستطاع التخفّي وراءها ليُستطاع بعد التخفي إلغاء حواجز الحجر السجنية التي بعد إنهائها يستطيع الفرد تكوين حيازته الفردية التي تعطيه إمكانية عدم المراقبة من الآخرين، فتصبح هذه الحيازة التي يؤسّسها بإرادته ملجأ له، بينما بإرادة الآخرين لا تحتمل تعريفية غير السجن، حتى وإن كان بيتاً، يتحول إلى سجن إن أُرغمنا على البقاء به.

عملية الحشر السجني، و تفتيت الحواجز الداخلية (لتسهيل عملية المراقبة، و ليس لاندماج السجناء مع بعضهم) تجلب معها خاصية التعرّي الاجتماعي أمام الجميع، أمام من يشارك المتعرّي حيّزه المكاني، وأمام السجان نفسه، فتتحول العلاقات، رغم وجود طارئية العقد الاجتماعي فيما بينهم، إلى علاقات تناحر و تنافر، فكلما زاد تلاشي الحواجز الداخلية بين السجناء كلما ارتفعت أسوار نفسية داخل شخصية السجين، تحاول أن تقي نفسها بها من الآخرين، فيجلسون عرايا بجانب بعضهم بعضاً، و كأنهم لا يعرفون بعضهم بعضاً.

إمكانية التخفّي المؤسّس عليها الفردانية/الخصوصية، هي ما يحاول النظام السجني إلغاءه، و إعطاء العقد الاجتماعي الطارئ للسجناء فيما بينهم صفة الديمومة والثبات، ليلغي بها تعريفيته كسجن لاغٍ لحرياتهم ومحتجز لهم، فكلما استطاع السجان إقناع مسجونيه بأن الحيّز المكاني الذين هم فيه، هو مكانهم الطبيعي لممارسة حياتهم، تلغى عن المكان صفة السجن، لتصبح المساومة، ما بينه وبين المسجونين، ليست إلغاءً للسجن، بل تحسيناً لظروف السجن، وتصبح أي محاولة من أي أحد من ساكني هذا الحيز المكاني لإلغاء تعريفيته، وبأنه ليس مكاناً لإمكانية ممارسة الحياة، وبأنه سجن. تصبح تلك المحاولة عبارة عن محاولة لتدمير حياة الناس و تشريدهم و جعلهم دون مأوى! فيحاول الكثير من السجناء ردع أي محاولة تعريف جديدة للحيز المكاني الذي هم فيه، فيتشاركون دون تنسيق مسبق مع السجان في انتهاج آليات تثبيت السجن نفسها، وعلاقاته الطارئة كشكل يمكن ممارسة الحياة به.

اترك رد

Translate »