عبد الباسط سيدا: الصراع على سورية ومسؤولية السوريين

كانت سورية الجغرافية على مرّ العصور ساحة الصراع بين القوى الإقليمية والدولية التي كانت تسعى للسيطرة عليها والتحكم فيها، لكونها ممرًا إستراتيجيًا متقدمًا للعبور، وميدانًا دفاعيًا للحدّ من الهجمات المحتملة؛ حيث كانت سورية -بحكم موقعها كنقطة وصل بين القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا- مَعبرًا لحملات جيوش العالم القديم المتبادلة، كما كانت مجالًا حيويًا شهد التحصينات والمدن التي استخدمت قلاعًا ومراكز عسكرية استطلاعية ودفاعية، إلى جانب مراكز تموين الجيوش واستراحتها، لتتمكن من متابعة سيرها، وتنفيذ الخطط المكلفة بها.

فقد شهدت سورية حملات الآشوريين والحثيين والمصريين، واليونان والرومان؛ ومن ثم جاء الجيش العربي الإسلامي، وأصبحت دمشق عاصمة الدولة الأموية التي أسقطها العباسيون، ونقلوا العاصمة إلى العراق. ولكن أهمية سورية استمرت، فهاجمها الصليبيون، وكان حكم صلاح الدين، ثم جاء المغول، وظلت خاضعة لحكم العثمانيين، على مدى أربعة قرون، حتى تمكن الحلفاء من الانتصار في الحرب العالمية الأولى 1918، وقسموا سوريا الطبيعية، وشكلوا كيانات سياسية لتصبح نواة دول حديثة حصلت على استقلالها بعدالحرب العالمية الثانية 1945.

وقد أدت كل هذه الحملات والصراعات، فضلًا عن الهجرات التي كانت من وإلى سورية، إلى تنوع مجتمعي لافت، يتمثل اليوم في واقع التنوع الديني والمذهبي والقومي الذي يتسم به الشعب السوري. ولكن هناك أمرًا آخر ما زال يمارس فعله في لا شعور السوريين، ولا يمكن فصله عن الإرث التاريخي، وهو عدم ثقة السوريين بإمكاناتهم الذاتية، وبقدرتهم على بناء وطن يكون بهم ولهم جميعًا، وهذا ما دفعهم، ويدفعهم، من مواقعهم المختلفة إلى انتظار المنقذ الخارجي، سواء العربي أم الإسلامي، وحتى الروسي السوفييتي في مرحلة ما. وهكذا، توزع السوريون بين ثلاثة تيارات بالمعنى الأوسع: العربي والإسلامي والأممي أو الدولي. واختلفوا، ويختلفون، في ما بينهم لصالح توجهات كبرى تفوق طاقاتهم، وتتناقض مع المعادلات الإقليمية والدولية التي رسمتها وفرضتها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، ثم أكدتها وثبتتها تلك التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، مع تحوّل لافت تمثل في تعاظم دور كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي في المنطقة عمومًا، على حساب فرنسا وبريطانيا، وانعكاسات ذلك على الأوضاع السوري.

ومع حصول سورية على استقلالها، بعد التوافقات الدولية التي ألزمت فرنسا بالخروج، ونتيجة مطالبة السوريين بمختلف انتماءاتهم بالاستقلال، ونضالهم في سبيل ذلك باستمرار؛ كانت الآمال معقودة على توافقات رواد الاستقلال، من سائر الانتماءات المجتمعية السورية، على مشروع وطني سوري يضمن حقوق الجميع، ويفتح الآفاق أمام نظام برلماني ديمقراطي، تتنافس وفق قواعده الأحزاب الوطنية السورية، وذلك ببرامج تركّز على الداخل السوري، وتلتزم بتحسين مستوى معيشة السوريين، من خلال تطوير مختلف القطاعات الاقتصادية، وبناء المؤسسات الإدارية الفاعلة التي تفسح المجال أمام أصحاب الكفاءات من دون أي تمييز. وقد كانت المؤشرات والإمكانات واعدة في ذلك الحين. ولكن سرعان ما تغيرت الأوضاع نحو الأسوأ، مع تدشين حسني الزعيم مرحلة الانقلابات العسكرية عام 1949، وهي الانقلابات التي عكّرت صفو الحياة السياسية السورية.

وللتغطية على عجز الحكومات، أو عدم قدرتها على تحقيق ما كان يتطلع إليه السوريون، بدأت مرحلة المزاودات بالشعارات الكبرى، سواء القومية أم الاسلامية أو الاشتراكية. ومع بلوغ الصراعات ذروتها، جاء قرار الوحدة مع مصر 1958، ليكون بمنزلة هروب إلى الأمام. وسرعان ما كان الانفصال 1961، ومن ثم سيطر حزب البعث على الحكم عام 1963 بانقلاب عسكري، وتبين مدى البون الشاسع بينه وبين المشروع الناصري، على الرغم من اشتراكهما في التوجهات العروبية والشعارات الوحدوية ذاتها.

وهكذا كانت الصورة أيضًا لاحقًا مع الحكم البعثي في العراق، الأمر الذي أكد مجددًا أن المسألة الأهم للأنظمة العسكرية في الجمهوريات العربية كانت تتمثل في كيفية الوصول إلى السلطة، والاحتفاظ بها بكل السبل. أما الشعارات فقد كانت، وما زالت، بالنسبة إلى هذه الأنظمة، وسيلة لتعبئة الناس وتضليلها، لتتمكن من الانقضاض على الداخل الوطني، وشلّ قواه، ليكون عاجزًا عن المساءلة والمحاسبة.

وهذا ما فعله كذلك حافظ الأسد في ما بعد، إذ انقلب على “رفاقه” عام 1970، وأعلن نفسه “بطل التحرير”، مع أنه لم يحرر شيئًا، وتبنى القضية الفلسطينية، وهو الذي حارب الفلسطينيين أكثر من أي جهة أخرى، ثم تصدّر المشهدَ العربي بعد إخراج مصر من الجامعة العربية، على إثر توقيعها اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978؛ ولكنه سرعان ما نسج العلاقات مع إيران الخمينية، ضد رفيقه وخصمه اللدود البعثي في العراق. وعقد معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفييتي، ليحوّل الحزب الشيوعي إلى جملة أحزاب مدجنة لا حول لها ولا قوة.

غير أن حافظ الأسد مع كل هذا، كان في حاجة إلى فزّاعة يهدد بها السوريين، ويقدم نفسه بوصفه المنقذ القوي المعتدل، القادر على حماية الجميع. فشدّد على جماعة “الإخوان المسلمين”، وأصدر قانون 49 عام 1980، قانون العار الذي يقضي بإعدام كل من ينتسب إلى الجماعة.

وما ساعد حافظ الأسد على تمرير مشروعه، هو أن الجماعة في ذلك الحين لم تكن تركز كثيرًا على ما كان يطمئن سائر المكونات السورية من جهة الاعتراف بالخصوصيات والحقوق، ولم تعط مسألة تحسين الظروف المعيشية وقواعد العيش المشترك الاهتمام المطلوب، ولم تكن علاقاتها السياسية مع مختلف التيارات السياسية في البلد متطورة.

وتمكّن حافظ الأسد من التفرّد بالحكم على مدى ثلاثة عقود، بعد أن استطاع إقناع الأميركان، والروس أيضًا، بأهمية دوره الوظيفي سوريًا، وعلى مستوى المنطقة.

وبعد أن شل الأسد الحياة السياسية في سورية، وهيمن على جميع مفاصل الدولة والمجتمع عبر أجهزته الأمنية القعمية، ومن خلال حزب البعث الذي تحوّل في واقع الحال إلى مجرد واجهة تغطي الحكم الفعلي للأجهزة الأمنية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المنظمات والاتحادات والنقابات المهنية، وحتى بالنسبة إلى الجامعات، والمؤسسات الرسمية لجميع الأديان، بل لم يترك حتى الفرق الصوفية وغُرف الزراعة والتجارة، لتتحول الدولة بذلك إلى دولة أمنية بامتياز. ولم يكتف الأسد بكل ذلك، بل عمل باستمرار على أن يكون ابنه وارثه في الحكم، فطلب من أعضاء الدائرة الضيقة حوله مساعدته، وألزمهم بمبايعته رئيسًا من بعده، وهذا ما ما كان.

واليوم، بعد مرور نحو أحد عشر عامًا على الثورة السورية التي كانت بفعل انسداد الآفاق أمام الشباب السوري من جميع المكونات، نتيجة استبداد وفساد الحكم، وبعد كل التضحيات التي قدمها السوريون، والأوضاع الصعبة التي يعيشونها؛ نرى أننا ما زلنا في مواجهة المعادلة العقيمة ذاتها: العسكر في مواجهة القوى الإسلامية، مقابل تراجع كبير في مواقع القوى الوطنية الديمقراطية، وتصاعد النزعات ما قبل الوطنية من مذهبية وقومية، وحتى عشائرية وجهوية.

وما يعقّد الوضع أكثر هو دخول الجيوش والميليشيات الأجنية إلى الساحة السورية، وتحكّمها في إرادة السوريين وموارد بلادهم. فسورية اليوم قد باتت ميدانًا للشد والجذب بين الأميركان والروس، على المستوى الدولي، وبين إيران وتركيا وإسرائيل، على المستوى الإقليمي. ولكل دولة من هذه الدول حساباتها ومشاريعها، وأخطرها هو المشروع الإيراني، لأن أصحابه لا يكتفون بالدور أو النفوذ فحسب، بل يعملون على قدم وساق لإحداث تغييرات بنيوية في المجتمع والعمران السوريين، بهدف تحويل سورية إلى قاعدة ثابتة في مشروعهم التوسعي الذي يستهدف المنطقة بأسرها، وذلك بناء على استلهام تاريخي متخيل، وقراءات مستعجلة لطبيعة المعادلات الجديدة التي يُعتقد أنّ الأدوار ستتوزع بموجبها في المنطقة، وذلك بالتناغم مع المتغيرات والحسابات الدولية القادمة.

ما هو دور السوريين في كلّ ذلك؟ أو بكلام آخر: ما هو المطلوب من السوريين، مقابل كلّ هذا الصراع على بلادهم، وهو صراع لا يعطي أي اعتبار للأضرار التي أصابت السوريين والآلام التي يعانونها، سواء في المخيمات أم في مختلف المناطق السورية؟ بل على النقيض من ذلك، إن أطراف الصراع قد وجدوا فرصة في حاجة السوريين لاستغلالهم، وتجنيدهم كمقاتلين في مشاريعهم، سواء في سورية نفسها، أم في الجوار الإقليمي.

من الصعب تقديم وصفة جاهزة ناجعة، خاصة بعد إخفاق محاولات عدة قام بها السوريون في امأكن شتى تحت شعار استعادة القرار، أو إجراء المراجعات، أو الوصول إلى توافقات لإعادة توحيد الصفوف، وتحديد الأولويات. ولكن المؤكد الذي نراه ماثلًا أمامنا هو أن الحالة الراهنة لهيئات “المعارضة الرسمية” والمنصات لا تبشّر بأي تغيير إيجابي لصالح السوريين، لا في المدى المنظور ولا في المدى البعيد.

إلا أن هذا لا يعفي السوريين في جميع الأحوال من مسؤولية الاستمرار في مساعي جمع الصفوف، والعمل عل توحيد الرؤى والمواقف، والتواصل مع السوريين في الداخل والمخيمات والمهاجر لبلورة موقف عام، يطالب بتغيير سياسي حقيقي يطمئن سائر السوريين. مثل هذا الموقف يمكن أن يكون أساسًا لإجراء الاتصالات مع القوى الإقليمية والدولية، بهدف إقناعها بأن استمرار حكم بشار الأسد لن يجلب الاستقرار إلى سورية ولا إلى المنطقة؛ وأن البديل السوري المقنع الذي يمكنه طمأنة السوريين، والإسهام في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، موجود.

 

مركز حرمون للدراسات المعاصرة

اترك رد

Translate »