موسكو: من أوكرانيا إلى كازاخستان..الحسابات السورية حاضرة

بالنظر إلى تعاطي الكرملين مع الاحتجاجات في كازاخستان من جانب، وتصاعد حدة التوتر في علاقات روسيا مع الغرب على خلفية الوضع في أوكرانيا، من جانب آخر، يمكن القول إن الأزمة السورية باتت بمثابة “معيار” أو “وحدة قياس” حاضرة في أساس صياغة الموقف الروسي من هذا الحدث أو ذاك؛ فضلا عن أنها تصبح أكثر من أي وقت واحدة من الساحات التي قد يشتد فيها التنافس، وربما الصراع بين روسيا والغرب.
لا علاقة للأزمة السورية بما جرى في كازاخستان. وبعبارة أدق لم يكن لأي من الأطراف السورية، أو للوضع في سوريا بشكل عام أي دور في الاحتجاجات التي شهدتها هذه الجمهورية في آسيا الوسطى، باستثناء أن البلدين شهدا احتجاجات، سوريا في مارس 2011، وكازاخستان الآن. ولعل الرابط الوحيد بين الحدثين هو استغلال روسيا الوضع في الحالتين لتحقيق مصالحها. في الحالة الكازاخية كما في الحالة السورية، استغلت موسكو الوضع للترويج مجدداً لقناعاتها بأن اي احتجاجات شعبية ليست سوى “ثورات ملونة” يجري التحضير لها وتمويلها من الخارج، وأنها إحدى أدوات “التدخل الخارجي” التي يستخدمها الغرب لزعزعة الاستقرار والإطاحة بأنظمة الحكم التي لا تناسبه. وهي على قناعة بهذه الرؤية، وتضعها في سياق مواجهتها مع الولايات المتحدة، التي تعتقد النخب الروسية الحاكمة أنها، اي الولايات المتحدة، قد تعمل على تنفيذ مثل هذا السيناريو في روسيا نفسها.
هدف آخر حققته روسيا عبر الوضع في كازاخستان، كانت فشلت في تحقيقه عبر الأزمة السورية رغم كل مساعيها. ويدور الحديث هنا حول إرسال قوات من منظمة معاهدة الأمن الجماعي، الأمر الذي يعني بالنسبة لموسكو الانتقال بالمنظمة من مؤسسة يقتصر نشاطها على عقد الاجتماعات وإطلاق التصريحات، وإجراء مناورات وتدريبات، إلى منظمة تكون عبارة عن (حلف عسكري) يملك القدرة والإمكانيات لتحريك قواته حال تعرض اي من دوله لتهديد. ويتفق الخبراء على أن روسيا تنظر إلى المنظمة باعتبارها تكتلاً عسكرياً، تسعى إلى تعزيز دوره، لتشكيل مركز ثقل روسي في مواجهة الناتو. اللافت أن إرسال القوات من هذه المنظمة إلى كازاخستان، جاء بالتزامن مع انطلاق المفاوضات الروسية –الأمريكية، والروسية مع الناتو حول الضمانات الأمنية، وسبق وتخلل تلك المفاوضات تلويح موسكو بقدراتها العسكرية الحديثة. وعبر التدخل تبدو وكأنها حددت مناطق هيمنتها وحدود نفوذها في آسيا الوسطى.
وكانت روسيا حاولت أن تعطي منظمة معاهدة الامن الجماعي صفة (حلف عسكري)، لتصبح بمثابة أداة تتحكم بها ويمكن تحريك قواتها حيث تتطلب المصالح الروسية، وذلك حين اقترحت على كازاخستان وقرغيزيا، المشاركة في إرسال “قوات حفظ سلام” إلى مناطق خفض التصعيد في سوريا. إلا أنهما رفضتا الاقتراح، وأكدتا على أن إرسال قوات كهذه يكون بتفويض من مجلس الأمن الدولي لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، ويتم تنفيذه بعد موافقة البرلمان في البلدين على إرسال قوات للمشاركة في “مهام” خارج البلاد. بينما لم يستبعد وزير دفاع أرمينيا إرسال قوات من المتعاقدين. الأمر مختلف بالنسبة لكازاخستان. ذلك أنها دولة عضو في المنظمة، وإرسال قوات من الدول الأخرى الأعضاء في المنظمة “لمساعدتها في استعادة الاستقرار”، وفي “التصدي لعدوان خارجي”، واحد من الالتزامات الجماعية في إطار المعاهدة، لاسيما عندما يسبق ذلك توجيه طلب رسمي من السلطات في الدولة، وهو ما قام به الرئيس الكازاخستاني، حين طلب المساعدة من المنظمة.
في غضون ذلك يبدو أن التوتر بين روسيا والغرب على خلفية الوضع في أوكرانيا، قد يعيد سوريا مجدداً إلى واجهة أولويات الولايات المتحدة وأوروبا. إذ لم تعد روسيا تخفي طابع الاستخدام الاستراتيجي لقواعدها الجوية في مطار حميميم والبحرية في طرطوس. وبعد توسعتها مياه القاعدة البحرية لتصبح مناسبة لدخول غواصات بمحركات نووية، قامت بتوسيع مدرج القاعدة الجوية، وأرسلت في أيار/مايو 2021 3 قاذفات بعيدة المدى من طراز “تو 22-إم 3” إلى هناك، وقالت إنها ستتمركز في القاعدة. وفي تصريحات نهاية الأسبوع الماضي، قال الفريق سيرغي كوبيلاش، قائد القوات الجوية الروسية بعيدة المدى: “إن هبوط وتشغيل طائرة من طراز Tu-22M3 في قاعدة حميميم الجوية ، حدث مهم. أولاً ، أتقنت أطقم الطيران بعيد المدى إستخدام مطار جديد، وسجلت وجود الطيران الروسي بعيد المدى في منطقة البحر الأبيض المتوسط. (…) وتم تأكيد معايير الوصول بواسطة طائرات Tu-22M3 إلى الأهداف في منطقة مياه في البحر الأبيض المتوسط بأكلمها”.
على ضوء هذه التصريحات، ومع الأخذ بالحسبان فشل الجولة الأولى من محادثات روسيا حول الضمانات الأمنية التي تحمل طابعاً استراتيجيا مع الولايات المتحدة والناتو، لايمكن استبعاد أن تتعمد موسكو تكثيف نشاط قطعها البحرية والجوية في منطقة المتوسط، بهدف ممارسة نوع من الضغط، وفي الوقت نفسه توجيه رسائل تحذيرية إلى الأميركيين والناتو، بأن القوات الروسية باتت قادرة على تنفيذ مهام في خاصرة مناطق انتشارهم العسكري. طبيعي أن هذا الوضع لا يناسب الغرب، و للحد من إمكانية الاستخدام الروسي لسوريا بارتياح قد يلجأ إلى خيارات عدة، بينها الضغط لتحقيق تقدم في العملية السياسية وفق بيان جنيف والقرار 2254، مع تمسك بالفقرات التي تؤكد على “المرحلة الانتقالية”. في الوقت ذاته، وعلى اعتبار أن إضعاف موقف الأسد سيكون رسالة قوية لروسيا، التي تخشى أن يؤدي إبعاده عن السلطة، إلى خسارتها مواقعها وهيمنتها في سوريا، قد يعود الغرب إلى سياسة الضغط على النظام السوري، مع ما يعنيه ذلك ، على مستوى أوسع، من فتح لملفات تؤلمه، وتؤرق الروس، مثل المعتقلين واستخدام السلاح الكيماوي، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وغيرها من ملفات.

طه عبد الواحد – المدن

اترك رد

Translate »