هزائم عسكرية وانحسار نفوذ.. هل اقترب عهد أمريكا العظمى من نهايته؟

يرى كثير من الكتاب والباحثين السياسيين أن عالم ما بعد كورونا سيشهد تحولاً كبيراً في بنية النظام العالمي، وأن هيمنة الولايات المتحدة داخل النظام العالمي أحادي القطب قد شارفت على الانتهاء، وأن حقبة النظام العالمي متعدد الأقطاب بدأت تتشكل بالفعل.

في ظل السلوك العدائي والمضطرب الذي اتسمت به حقبة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب وما رافقها من هفوات سياسية واقتصادية كبيرة مع الصين ودول أخرى، فضلاً عن تلك التي أصر على ارتكبها عندما بدأت الجائحة التي كلفت البلاد خسائر كبيرة، برزت إلى السطح المزيد من المؤشرات التي تنذر بتراجع مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية كقوة عظمى متفردة، والتي ازدادت حدتها بعد الخروج الأمريكي المُهين من أفغانستان وما تبعها من هفوات ومواقف محرجة متكررة فعلها سيد البيت الأبيض، جو بايدن.

فيما يشير خبراء العلاقات الدولية إلى أن بداية تزعزع الهيمنة الأمريكية يعود إلى الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد والعالم أجمع عام 2008، وأنها كانت بمثابة المسمار الأول الذي دق في نعش الهيمنة الأمريكية التي تفردت كقوة عظمى وحيدة في العالم منذ انتهاء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي 1991، و أحالوا ذلك لعدة أسباب، جاء على رأسها شعور الإدارات الأمريكية المتعاقبة بالغرور بعد وصولها لذروة قوتها في شتى المجالات، وبدأت في ارتكاب أخطاء كبيرة جراء ما يعرف بسُم السلطة المطلقة، وفقاً لما كتبه الصحفي البريطاني ديفيد هيرست.

بداية التراجع

صحيح أن فترة بايدن الحالية تشهد ذروة التراجع الأمريكي، خصوصاً بعد انحسار النفوذ العسكري في أفغانستان ودول الشرق الأوسط استعداداً لخوض مغامرة جديدة مع الصين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن بايدن هو المسؤول الوحيد عن تراجع الهيمنة الأمريكية والسماح بصعود قوى منافسة مثل الصين التي استغلت انشغال أمريكا في قضايا الشرق الأوسط الكبير، لكنه حصد محصول سياسات فاشلة زرعها أسلافه الأربعة السابقين (كلينتون وبوش الابن وأوباما، بالإضافة إلى ترمب).

وبينما يرى البعض أن أمريكا في طريقها لخسارة مكانتها كقوة عظمى، أكد الباحث السياسي شاتاتي جولر الذي تحدث لموقع TRT Haber أنه “لا يعتقد أن هيمنة الولايات المتحدة وحقبة النظام العالمي أحادي القطب قد انتهت، وأن الآراء المعاكسة تتشكل في التوقعات وليس في الواقع”. وصرح جولر قائلاً: “أن الولايات المتحدة تتحمل التكاليف اللازمة للحفاظ على موقعها المهيمن، وأنها في وضع أقل قوة نسبياً اليوم مقارنة بالتسعينيات، لكنها لا تزال قوة عظمى”.

من جانبه قال المستشار الأكاديمي بمعهد السياسات الخارجية، البروفيسور طارق أغوزلو: “إن الكلمات الجازمة مثل حقبة الولايات المتحدة تقترب بالتأكيد من نهايتها لن تكون صحيحة، لكن يمكننا القول بسهولة إن عملية الانتقال نحو حقبة ما بعد أمريكا قد بدأت”. وأشار أوغلو إلى أنه منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، بدأ موقع الولايات المتحدة وحلفائها في السياسة والاقتصاد العالميين يتآكل.

تأثير الانسحاب من أفغانستان

كان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير فيما يتعلق بانحسار النفوذ الأمريكي. صحيح أن الانسحاب بحد ذاته لم يكن مفاجئاً، فالقرار معلن منذ بدء المفاوضات مع طالبان بالدوحة منذ ولاية ترمب، غير أن كل ما هو مرتب تقوّض بأسرع من أي توقع، وشاهد العالم أجمع انسحاب أمريكا المهين وسط مشاهد أليمة للأفغان اليائسين وهم يحاولون الفرار بعد انهيار حكومة أفغانستان المدعومة من الولايات المتحدة.

وبينما قال عضو بالوفد الإيراني الخاص بملف المباحثات النووية إن “أمريكا عاشت للتو أزمة السويس، لكنها لم ترها بعد”، فيما يتعلق بسقوط أفغانستان في أيدي طالبان، وذلك في إشارة إلى هزيمة بريطانيا خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وصف شاتاي جولر تجربة الولايات المتحدة في كابول بأنها مأساة حقيقية أضرت بصورة الولايات المتحدة.

فيما رأى مراقبون أن أمريكا حسمت أمرها بالتخلص من الأعباء على أكتافها التي تمثلها الحروب التي لا نهاية لها في أفغانستان والشرق الأوسط والتي استغلتها الصين وروسيا أفضل استغلال لشَغْل أمريكا، وأن واشنطن قررت وقف كل ذلك والتوجه نحو آسيا والمحيط الهادئ باتجاه الصين.

الأمر الذي خلق مشكلة مصداقية لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين في دول الاتحاد الأوروبي ودول الشرق الأوسط، إلى جانب كوريا الجنوبية وأستراليا واليابان الذين خلصوا إلى فكرة أنه لا يمكن الوثوق بأمريكا بعد الآن.

عالم متعدد الأقطاب

على الرغم من التفوق الأمريكي في المجال العسكري بفضل الميزانية العسكرية الضخمة التي تصل لنحو 800 مليار دولار سنوياً وأكثر من 800 قاعدة عسكرية حول العالم ونحو 70 حليفاً، وهو الذي يجعل منها الدولة الأقوى عسكرياً لسنوات قادمة نظراً للفجوة الكبيرة بينها وبين أقرب منافسيها الصين وروسيا، فإن ذلك لا ينطبق على النواحي الاقتصادية والأيديولوجية التي بدأت أمريكا في فقدان سيطرتها عليها.

وفي نقطة الأيديولوجيا تحديداً، يشير البروفيسور طارق أغوزلو إلى أنه “لا يمكننا أن ندعي أن أمريكا تقود العالم من الناحية الأيديولوجية، لأن الديمقراطية الليبرالية تضعف في معقلها في ظل صعود النماذج البديلة، وخاصة النموذج الصيني”. ويرجع أغوزلو أسباب ذلك إلى الأيام المضطربة التي شهدت مداهمات مبنى الكونجرس عام 2021، وهو ما جعل من قضية الديمقراطية الأمريكية موضع تساؤل.

أما ما يخص الوضع الاقتصادي فإن الوضع مشابه، فالحال لم يعد كما كان في منتصف السبعينيات عندما تأسست مجموعة السبع الكبرى، فبينما كانت حصة هذه الدول في الاقتصاد العالمي حوالي 80% عند تأسيس المجموعة، نجدها قد انخفضت لتصل الآن إلى 35% في ظل الصعود الاقتصادي الكبير للصين ودول آسيوية أخرى.

واعتماداً على المعطيات الأخيرة يرى الخبراء أنه لم يعد هناك عالم أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة، بل يتجه العالم إلى نظام متعدد الأقطاب، وهو ما دفع ديفيد هيرست ليكتب: “يجب أن تعتاد الولايات المتحدة على الوضع الجديد وترسم استراتيجيتها وفقاً لذلك”، وأضاف: “إن وضع الاستراتيجيات كما لو أنه لا يزال هناك عالم أحادي القطب سيسرع من تدهور الولايات المتحدة”.

 

TRTعربي

اترك رد

Translate »