من حيدر الأفغاني إلى ريان المغربي… نحن عالقون في الجب

يخبرني أصدقائي في تونس عن عادة قديمة عند بعض أهل القرى في الوطن القبلي شمال تونس، تهدف للتنبؤ بمصير الطفل المريض، كانت تقضي بإنزال الطفل المريض في سلة إلى قاع البئر، فإن صرخ فهذا يعني أنه قوي وسيعيش، وإن صمت فهذا ينبئ بموته، ولكن ماذا عن الخيار الثالث؛ إن سقط الطفل من السلة وعلق في البئر.
لا يمكن التحقق بسهولة من دقة هذه الرواية، إن كانت من وحي الأساطير، وإن كانت متداولة عند كبار السن الذين يقولون، إنها كانت تحدث على عهدهم، وأخبرتني إحدى السيدات، أنها نفسها تعرضت لهذا الاختبار عندما مرضت بعد ولادتها، وعموما اعتدنا على سماع مثل طقوس وممارسات كهذه، في البلدان ذات التراث الصوفي من المغرب العربي حتى المشرق العربي، ولا نعرف كم من الأطفال كانوا يسقطون في الآبار، إن كان خلال هذا الطقس العجيب، أو في حوادث سقوط كتلك التي وقعت مع الطفل ريان المغربي قبل أيام، أو ما يحدث هذه الساعات مع الطفل حيدر الأفغاني، الذي تجري محاولات لإنقاذه بعد سقوطه في بئر بعمق نحو 30 مترا، وحضر وزير الدفاع الأفغاني بنفسه للإشراف على جهود الحفر المتواصلة منذ يومين، وتعيقها صخرة وجدت في نفق الحفر نحو البئر.

نحن عالقون في قرون من التأخر، وقعنا في أزمات والوقت ينفد، وصخرة صماء تسد طريق الإنقاذ، صخرة متكلسة من الجمود والتحجر في العقول

وكما أراد اخوة يوسف رميه في غياهب الجب لقتله عمدا، فإن والد الطفل المغربي ريان هو من حفر البئر، الذي سقط فيه ابنه، لم يحفره بالطبع ليسقط فيه فلذة كبده، وإنما لطلب الماء في تلك القرى الفقيرة، فكان أن تسبب خطأ الوالد في وفاة الابن، وكم من أب قتل ابناءه باخطائه في مجتمعاتنا المبتلاة بظلم ذوي القربى قبل البعيد. تكرر حادثتي السقوط في «الجب» من أفغانستان في أقصى شرق العالم الإسلامي إلى المغرب في أقصى غرب العالم الإسلامي، مشهد يوحي برمزية ما في العالم الإسلامي، لا أعرف إن كان يمكن إطلاقها هنا، ولكنها تماثل ما نواجهه من أزمات في هذه المنطقة منذ عهد طويل: «نحن عالقون في جب وتأخر الإنقاذ، وصخرة صماء تعيق طريقنا.» عالقون في قرون من التأخر، وقعنا في أزمات لم نستطع إلى الآن الخروج منها، ورغم كل محاولات الإنقاذ إلا أن الوقت ينفد، وصخرة صماء تسد طريق الإنقاذ، صخرة متكلسة من الجمود والتحجر في العقول، جعلتنا نراوح مكاننا داخل البئر السحيق، وتوشك الرمال أن تدفننا في هذا الجب العميق، ونحن منشغلون بالتناحر في ما بيننا، قبائل وطوائف، قوميات ومذاهب، لا أعتقد من المبالغة القول، إن العرب مهددون بالانقراض إذا واصلوا هذا الانحدار على جميع المستويات، فقر وفشل اقتصادي هنا وغنى ووفرة مالية بلا اقتصاد هناك، اقتتال أهلي دموي هنا، واستقرار وسكينة تحت أحذية العسكر والاستبداد هناك، دمار وحطام مدن هنا، وبناء وعمران يناطح السحب هناك، تقوم على سجون ومعتقلات في باطن الصحراء تحبس حتى الطيور المغردة إذا مست مقام طويل العمر.

وائل عصام
كاتب فلسطيني

اترك رد

Translate »