عمر قدور: وداعاً فيسبوك..وداعاً تويتر..

نحن، على الأرجح، نعيش انتهاء زمن فيسبوك وتويتر، بعدما عشنا قبل سنوات ليست بالبعيدة زمن صعودهما في الشرق الأوسط وفي العالم. عُمر فيسبوك وتويتر هو بعمر شاب صغير الآن، وهذا المراهق ريما يعرف القليل، أو لا يعرف، عن المنصتين. هو ليس من جيل “فيسبوك” الذي قام بالثورات في بلدان الربيع العربي، وربما كانت طفولته نائية جداً عن أخبار من قبيل مساهمة حسابات وهمية على تويتر وفيسبوك في صعود موجة الترامبية، وفي فوز ترامب بالرئاسة.

اليوم، بينما يحتضر فيسبوك ببطء وصمت، يرافق الضجيج ما قد يكون مصيراً مشابهاً لتويتر. فقبل أربعة أيام أقام إيلون ماسك دعوى مضادة على شركة تويتر، وهي ليست الثانية فحسب، لأن أحد كبار المساهمين في شركة تويتر سبق أن أقام دعوى عليها وعلى ماسك معاً، متهماً الاثنين بالتلاعب.

كانت شركة فيسبوك قد خسرت في الربع الأخير من العام الماضي مليون مستخدم نشط يومياً، ما تُرجم آنذاك انخفاضاً في قيمة أسهمها قدره 22%، وبلغ بمجمله حوالى 200 مليار دولار من القيمة السوقية للشركة. على صعيد مشابه، تسعى شركة تويتر إلى إلزام ماسك بعقد استحواذه عليها بسعر 54.20 دولاراً للسهم الواحد، وهي قيمة صارت مرتفعة جداً عن القيمة الحالية للسهم. ومهما كانت نتيجة المحاكمة التي ستنعقد في 17 أكتوبر المقبل، من المستبعد عودة سهم تويتر إلى زمنه الذهبي، فإلزام ماسك بالصفقة سيُفهم إرغاماً له على صفقة خاسرة قد لا يستطيع التعويض عنها إلا بإحداث تغيير جوهري في طبيعة منصة تويتر، أي بالإجهاز عليها كما هي الآن.

لتبرير تراجعه عن الشراء، تذرع ماسك بوجود نسبة مرتفعة من الحسابات المزيفة، أو تلك التي تُدار من روبوتات بغرض ترويج الأخبار المضللة. ورغم إعلان فيسبوك عن الانخفاض اليومي في عدد المستخدمين النشطين فإن هناك نقصاً في المعلومات عن الحسابات المزيفة، وأيضاً عن متوسط عدد ساعات النشاط للحسابات التي تقوم به. في حين هناك شكاوى عديدة تتعلق بانتهاك الخصوصية، ومنها فضيحة اختراق بيانات طالت 87 مليون مستخدم، وهناك تحقيقات تتعلق باستغلال الشركة مركزها، بعد تسريب وثائق داخلية تثبت أنها تضع الربح “أي أولوية المُعلنين” قبل سلامة المستخدمين.

في عام 2006 أُطلق موقع تويتر، وفي التوقيت نفسه تقريباً كان فيسبوك قد أصبح متاحاً لكلّ من لديه بريد إلكتروني. نسبة ضخمة من الذين ولدوا في تلك السنة ليست اليوم في عداد مستخدمي المنصتين، بل ينظر أفرادها إليهما كشيئين من الماضي المتخلف، أو بوصفهما موقعين لـ”الآباء” بكل ما لهذا الوصف من ثقل وجمود. الأجيال الجديدة ميّالة للاشتراك في تطبيقات مثل تيك توك وتلغرام وأنستغرام، بالإضافة إلى قنوات يوتيوب التي راحت تتكاثر في السنوات القليلة الماضية.

ورغم المحافظة على تسمية “وسائل التواصل الاجتماعي” إلا أنهما كما نعلم انحرفا كثيراً عن التسمية، فقد صارا ميداناً للسياسة من قبَل مئات ملايين المستخدمين حول العالم، ونحن بهذا الرقم التقديري نُبقي على نسبة بقيت أمينة للوظيفة الأم لفيسبوك وتويتر. وعندما نتحدث عن التسييس يجدر بنا الانتباه جيداً إلى الاختلاف في طبيعته بين البلدان الديموقراطية وتلك التي تحكمها الديكتاتورية أو أنظمة طغيان، ففي الأولى هناك أصلاً مساحة متاحة من الإعلام الحر، ما جعل تسييس وسائل التواصل منذ البداية ملجأً للشعبوية التي لم تجد لها مكاناً ضمن وسائل الإعلام التقليدية.

في البلدان المحكومة بأنظمة استبدادية، حيث لا يُسمح بوجود إعلام حر ولا تنظيمات معارضة، حلت منصتا فيسبوك وتويتر مكان الإعلام الحر والمعارضة. في هذه البلدان يصحّ مؤقتاً ذلك الربط بين شيوع استخدام وسائل التواصل والديموقراطية الآتية من حرية تداول المعلومة، ومن حرية إبداء الرأي والمساواة بين المستخدمين الذين تعود إليهم القدرة على التأثير واجتذاب الآخرين. هنا كانت ثمة مساواة بين النخب وسواها، بما أن الحرية ممنوعة أصلاً عن الجميع، واعتُبر ذلك من علامات الثورة المركّبة التي جمعت معاً التحرر من قمع السلطات ومن مفهوم النخبة.

ذلك الاحتفال بالشعوب القادمة إلى رحابة وسائل التواصل سرعان ما بدأ يخمد مع المآل اليائس الذي وصلت إليه ثورات الربيع العربي، وظهر أكثر مما سبق التحاقُ وسائل التواصل في المنطقة بنظيرتها الغربية من حيث طغيان الشعبوية عليها بعد انحسار المد التحرري. في الوقت نفسه، ولو أبطأ قليلاً، بدأت مغادرة ذلك الزخم الجماعي السابق، ونستطيع بغياب إحصائيات محلية ملاحظة التراجع الشديد في نسبة التفاعل على فيسبوك، والتراجع في الحسابات النشطة من حيث النشر، والزيادة المتواصلة في عدد الحسابات غير النشطة.

مع التسييس، حدث انحراف ثانٍ عن وظيفة التواصل الاجتماعي تولته شركتا فيسبوك وتويتر، وذلك من خلال تقديم هدف الربح، وبالتعامل مع المنصتين وفق منطق التسويق والإعلان. نحن نعلم مثلاً أن هذا المنطق هو ما يستكشف اهتمامات المستخدمين، ليقدّم لهم الإعلانات الملائمة لها. لكن هذا هو منطق السيستم بأكمله، فالمستخدمون الذين لا يحدث بينهم تفاعل قد لا يرى البعض منهم الآخر على صفحته الرئيسية التي ستكون الأولوية فيها للمتفاعلين فيما بينهم، وللمنشورات التي يدفع أصحابها لترويجها، وللإعلانات التجارية المعتادة. في مثال بسيط، بتكلفة منخفضة يمكن الوصول إلى أعداد كبيرة نسبياً، وشراء مشاهدات لا تعكس عدد القرّاء الفعليين، ما بات يقوّض مصداقية الكثير من الإحصائيات. في مثال معكوس، صارت الهجرة دارجةً إلى منصات أخرى مثل يوتيوب، تحديداً للذين يحققون تفاعلات جيدة على فيسبوك ويريدون استثمارها وتحويلها إلى عائد غير افتراضي.

لكن، كالمعتاد، يجب علينا التمهّل كي لا نخلط بين ما يصحّ عالمياً وما يصحّ في العديد من بلدان منطقتنا. نحن مثلاً لا نستطيع تعليل تراجع عدد مستخدمي تويتر وفيسبوك في سوريا بذهاب الأجيال الجديدة إلى منصات أخرى، لأن كلفة شبكة الانترنت باهظة قياساً إلى الدخل، ورديئة جداً بالقياس إلى السرعات اللازمة للمتابعة. قد لا يختلف الحال كثيراً في لبنان واليمن وليبيا، وربما في مصر والعديد من البلدان الأخرى، وذلك سيتفاقم مع شيوع تقنيات الجيل الخامس عالمياً وبقاء تلك البلدان على ما هي عليه أو تردي أوضاعها. من دون امتداح هذه التحولات، أو امتداح العوالم الافتراضية برمتها، سيكون واحد من أوجه الكارثة أن جيل الفيسبوك قد خلّف أولاداً عليهم مكابدة قسوة الواقع “الواقعي” مطولاً، قبل أن يحظوا بـ”نعمة” الواقع الافتراضي، إن أُتيحت لهم.

المدن

اترك رد

Translate »