دروز السويداء… رفض التمدد الإيراني وترحيب بالروس!

تبقى السويداء بخصوصيتها الدينية والإجتماعية بوابة مشرعة للهيجان الأمني، عبر الفتن الأهلية المحتملة أو عبر مواجهات مع النظام، في حال فشل الروس في الحفاظ على الهدوء النسبي بين الطرفين.

بعد الأشهر الأولى من الثورة انطوت السويداء على نفسها، عن قصد أو بدونه، لكن يبدو أن فشل الثورة السريع وتحولها إلى صراع سياسي وطائفي، دفع بالحراك في السويداء لإعادة حساباته، ربما على أساس الخوف من التهميش الذي يراود الدروز كونهم أقلية، وربما بانتظار انتهاء الصراع وخروج المنتصر. لكن أحداً لم ينتصر بشكل قاطع، وبقيت السويداء تتأرجح بين النظام والثورة، حتى غدت ساحة لحروب العصابات والتفلّت الأمني.

الثورة والخوف

لم يولد القلق بين ليلة وضحاها، فالمحافظة الصغيرة ذات الأقلية الدرزية، قامت في الأصل على فكرة الخوف من التهميش أو الإقصاء، كما المدن السورية الأخرى، التي تشبه السوداء ببنيتها الطائفية، لكن ذلك لم يكن معلناً خوفاً من النظام الذي كان مستفيداً من هذا الوضع.
رأت السويداء نفسها في مهب الحرب الطائفية فتصرفت منذ البداية على هذا الأساس، منعت أبناءها من الالتحاق بالخدمة العسكرية، وطلبت مراراً وتكراراً من النظام حصر خدمة أبناء السويداء داخل المحافظة، وعمدت معظم العائلات إلى التسلح، وهو ما استفز النظام الذي لقن المدينة دروساً قاسية على مدى السنوات السابقة.
دمشق تخضع اليوم لسلطة النظام، أما إدلب فبيد المعارضة والحسكة بيد “قسد”، أما السويداء فحكمت نفسها بنفسها، ليس من خلال حاكم واحد أو جهة واحدة، فكان لمشيخة العقل دورٌ أساسي، إضافة إلى جهات دينية عسكرية كحركة رجال الكرامة المسؤولة عن حماية السويداء في السنوات الماضية.

أحداً لم ينتصر بشكل قاطع، وبقيت السويداء تتأرجح بين النظام والثورة، حتى غدت ساحة لحروب العصابات والتفلّت الأمني.

على مشارف حرب أهلية

لم يترك النظام السويداء بشكل كامل، وإن كان يحاول إظهار ذلك، فشعبة المخابرات العسكرية بقيت الذراع الأساسية للنظام، لكن من دون أن تتدخل مباشرة، إذ اكتفت بدعم عصابات بصلاحيات واسعة منها الخطف والقتل وتجارة المخدرات، ومع تمادي هذه العصابات التي كان أقواها تلك التابعة لراجي فلحوط الابن البار لشعبة المخابرات العسكرية. اشتعل خلال الأسبوعين الفائتين غضبٌ شعبي في السويداء وانتفضت المدينة ضد عصابة راجي فلحوط انطلاقاً من مدينة شهبا والقرى التابعة لها، إضافة إلى “حركة رجال الكرامة” أكبر الفصائل العسكرية في السويداء والتي أرسلت تعزيزات كبيرة لمساندة مدينة شهبا، أسفرت المواجهات على القضاء على عصابة راجي وكانت الحصيلة النهائية للمواجهات مقتل 23 شخصاً، إصابة 35 أخرين.
وهكذا يكون النظام نجح للمرة الأولى بدفع المدينة إلى اقتتال أهلي، لكن ما لم يكن بحسبانه أن الأهالي هم أكثر ترابطاً من توقعاته، فتمكنوا من التعامل مع المواجهات بأكبر قدر من التفهم، وحصر المواجهات مع راجي فلحوط وعصاباته على رغم محاولة كثيرين بث الشائعات ومحاولة إشعال الفتنة. على سبيل المثال قام الشيخ ليث البلعوس مؤسس “حركة الكرامة” بإطلاق سراح ستة من أفراد عصابة راجي فلحوط وقال أمام عائلات الأسرة: “إن اقتلاع عصابة راجي فلحوط، هو اجتثاث للتمدد الإيراني في المنطقة”.

النظام يستبعد نفسه

أسفرت هذه المواجهات عن توحيد القيادات الدينية والاجتماعية التي وجهت لدمشق رسائل شديدة اللهجة، محملة الحكومة مسؤولية ما حصل ومستنكرة السلوك الأمني الذي تتبعه السلطة مع المدينة والذي كان سبب انفجار الأوضاع، علماً أن المواجهات المسلحة نادرة الحدوث في الجبل. كادت العوامل المجتمعة تؤدي إلى حرب أهلية وحمل شيوخ الطائفة الدرزية السلطات الأمنية وتحديداً جهاز الاستخبارات العسكرية مسؤولية ما يحدث في السويداء.
أما رد فعل النظام فكان كما تجاهل استغاثات الأهالي، كالعادة، حتى إن وسائل إعلامه تغاضت عن نقل أي خبر يتعلق بالمواجهات، عدا جريدة “الوطن” الرسمية التي تحدثت بإيجاز عن المواجهات، ليقرر في النهاية تغيير الضابط المسؤول عن فرع الأمن العسكري في السويداء، العميد أيمن محمد، مع بعض المسؤولين في الفرع ولم ينص القرار على محاسبته أو حتى إحالته للتحقيق إنما سيتم تعيينه مسؤولاً عن الفرع 216، التابع لجهاز الأمن العسكري في دمشق.

السويداء تبارك الوجود الروسي

استلم الروس منذ سنوات زمام المبادرة عوضاً عن النظام في السويداء، إذ أسس في المحافظة المركز الروسي للمصالحة، ويقوم الضباط المسؤولون عن المركز بزيارات منتظمة إلى القيادات الروحية والاجتماعية، لسماع مطالبهم والاطمئنان على الأوضاع الأمنية للمحافظة وبخاصة مع الجارة درعا التي طالما حدثت مناوشات معها. وفي الواقع فإن هذه اللقاءات، بين الروس ودروز السويداء، لم تسفر عن أي تغيير جدّي في المحافظة.
يبدو وصول الروس للوهلة الأولى مبادرة لتقريب وجهات النظر مع النظام، لكن الهدف الحقيقي هو المحافظة على وجود النظام من خلال حلفائه. ليست المرة الأولى التي يحاول فيها الروس التدخل بطريقة أو بأخرى، لكنهم لم يفلحوا دوماً، فقد سبق أن طردهم الأهالي في بلدة القريّا، أمّا آخر زيارات الروس للسويداء كان لقاء بين مسؤول من الشرطة العسكرية الروسية مع الشيخ ليث البلعوس وبعض الأهالي في بلدة المزرعة بريف السويداء الغربي، الذين تحدثوا عن رفض التمدد الإيراني في السويداء، لأنه ساهم في نشر المخدرات، وتعزيز حالة الفلتان الأمني، كما طلب البلعوس من الروس إخراج المجموعات المسلحة التابعة لحزب الله وإيران من محافظة السويداء، ورفض أي وجود إيراني في السويداء، معتبراً أنه ومنذ لحظة الاجتماع سيكون أي شخص تابع لإيران و”حزب الله” في السويداء، هدفاً مشروعاً للحركة. فيما قال متحدثٌ من أهالي السويداء، في فيديو متداول، إنه يعتبر روسيا دولة ضامنة لطائفة الموحدين الدروز، لتعكس هذه المشهدية مدى تخبط المدينة، التي ترفض الإيراني بينما تتقبل الروسي إلى حد كبير كضامن لوجودها، وبذلك يبدو الخوف من تهميش أقلية الدروز، هو من يقود المدينة.
وتبقى السويداء بخصوصيتها الدينية والإجتماعية بوابة مشرعة للهيجان الأمني، عبر الفتن الأهلية المحتملة أو عبر مواجهات مع النظام، في حال فشل الروس في الحفاظ على الهدوء النسبي بين الطرفين.

كارمن كريم – صحفية سورية

درج

اترك رد

Translate »