صبا مدور: هل ينجح الاتفاق بين تركيا والنظام السوري؟

في غضون الشهور الثلاثة المقبلة من المفترض حسب ما تسرب من أنباء أن تتوصل تركيا والنظام السوري إلى اتفاق نهائي برعاية روسية، وربما مباركة إيرانية، يتضمن تطبيعاً للعلاقات وإنشاء ترتيبات مشتركة تحفظ (مصالح) أنقرة الأمنية، وتعيد قوات النظام إلى مناطق الشمال السوري لتسيطر على المعابر من جديد، وتتولى إعادة اللاجئين والنازحين، فيما تذوب الفصائل السورية المسلحة وتتبخر مع الأيام بطريقة غير واضحة، وكل تداعيات 12 عاماً من الثورة والحرب مع النظام بما فيها الآثارالسياسية والقانونية.

ولا يمكن بطبيعة الحال تصور أن ما بلغته الجهود الروسية للتقريب بين نظام الأسد وأنقرة كان مفاجئاً وسريعاً، فقد سبقته اجتماعات أمنية شملت تنسيقاً لا تُعرف تفاصيله بين الطرفين تمهيداً للاجتماع الأخير بين وزراء الدفاع، ولا يمكن أن تذهب تركيا إلى وعود بتهيئة الأرض لعودة النظام إلى الشمال السوري بدون أن تكون قد رتبت وضع الفصائل المسلحة وفيالق الجيش الحر، لتكون جاهزة للتعامل مع الواقع الجديد، وربما يوحي صمت هذه القوى المسلحة، التي يفترض أنها قوى المعارضة، بأنها ليست في وارد إعلان مواقف، بل في وضع حركة تنسجم مع الترتيبات المتوقعة التي قد تعلن في قمة ربما تعقد في شباط/فبراير أو آذار/مارس لتتزامن مع بدء الحملة الانتخابية في تركيا.

مثل هذا التحليل الذي تعززه الأحداث، يجعل أهداف الحد الأدنى للثورة تبدو اليوم غير واقعية، بما في ذلك العودة “الكريمة والأمنة” للّاجئين، ناهيك طبعاً عن مصير النظام أو تطبيق قرار مجلس الأمن 2254. فديباجات الاتفاقات وبنودها المستقبلية التي قد تستغرق تنفيذها سنوات، ستتحول على الأغلب إلى وعود لا قيمة حقيقية لها، لاسيما مع بقاء النظام ومؤسساته القمعية، ومع ضامن روسي هو ذاته متهم بجرائم إبادة، فضلاً عن كونه في وضع هش سياسياً وعسكرياً جراء الحرب على أوكرانيا، بالإضافة الى ما سيترسخ عنها من تداعيات لن تتجاوز إلا خدمة النظام حصراً وإعطائه جرعة للقدرة على الاستمرار، ولا شي آخر على المستوى السوري.

لكل هذا السيناريو تغافل تماماً عن إرادة الشعب السوري، ولم يحسب حساباً لردة فعله، ويبدو أن أطراف هذه الترتيبات قد تفاجؤوا بمظاهرات إدلب، وبالرفض العارم من القوى الشعبية والسياسية، ما قد يفسر طلب رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان من الحكومة تأجيل الاتفاقات حسب مصادر، فالاحتجاجات الشعبية قد تخلق عقبات حقيقية أمام الترتيات المتوقعة، وأبرزها عودة النظام ومؤسساته لمناطق وجود المعارضة، لاسيما في إدلب والمعابر مع تركيا.

المضي في إنجازالترتيبات السياسية والأمنية والديموغرافية بين أنقرة ودمشق قد يفضي إلى مواجهات مسلحة وبالتأكيد قد يتضمن انتهاكات مما سيتسبب لتركيا بشكل خاص بحرج يفوق أي مكاسب سياسية داخلية محتملة، وما يزيد في احتمال ذلك أن الولايات المتحدة المستبعدة من هذه الترتيبات، بل المستهدفة بها، إلى جانب حلفائها من عناصر قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ستكون جاهزة للنيل من أي اتفاق وستستثمر أي انتهاكات يتسبب بها للسوريين في نقضه والذهاب إلى أبعد مدى ضده.

الولايات المتحدة، مهتمة بإفشال الاتفاق لتزيد أزمة روسيا، وتحرج الرئيس أردوغان في حملته الانتخابية، وتنفذ “قسد” من الاستهداف المرتقب، إلى جانب تعزيز وجودها المحدود لكن المهم شرقي سوريا. ولن تجد أفضل من استثمار معارضة السوريين لما قد يأتي، لتبني حملة واسعة ومؤثرة في الأمم المتحدة، أو المنظمات الإنسانية أو في المحيط الإقليمي تبطل من خلالها الاتفاق وتجعله غير قابل للتحقيق.

الأمر الآخر، أن عودة اللاجئين تمثل جزءاً محورياً من الرغبة التركية لمجاراة الوضع الداخلي في سياق الانتخابات، لكن مثل هذا الهدف سيظل غير واقعي في غياب أية ضمانات دولية أو إنسانية ومع استحالة دفع السوريين للعودة طوعاً أو قسراً، دون هذه الضمانات وهي بالطبع لن تتحقق بدون عملية دولية شاملة تستند لقرار مجلس الأمن الذي يتضمن في النهاية رحيل النظام السوري.

أخيراً، الشعب السوري يبقى الرقم الأصعب في تنفيذ أي تسوية تضمن إطالة أمد النظام، ولايمكن تغييب إرادته عند محاولة رسم مستقبل جديد في سوريا، لذلك فإن ما يبدو غير واقعي من أمر منع الاتفاق المزمع مع النظام سيتحول ليكون كذلك عند التنفيذ، ما دام الرفض الشعبي مستمراً، سواء من قبل السوريين في مناطق المعارضة، أو اللاجئين في تركيا ذاتها، ولذلك فالأمرلم ينته بعد، وما زالت هناك فرص لم تتعرض للاختبار حتى الآن.

المصدر

اترك رد

Translate »