عمر قدور: هل يلجأ الائتلاف إلى أوروبا؟

يصرّ أردوغان على تبديد الشكوك التي يثيرها البعض في ما يخص جدية انعطافته تجاه الأسد، ففي اجتماع لحزبه قبل يومين في أنقرة أعاد التأكيد على حدوث اللقاء الثلاثي بين وزير خارجيته ونظيريه الروسي والأسدي منتصف الشهر. الأهم هو تأكيد أردوغان على وجود مسار ثلاثي انطلق بلقاء وزراء الدفاع ومسؤولي الاستخبارات، ليُتوَّج “وفق التطورات بتعبيره” بلقاء الرؤساء الثلاثة، بهدف “تحقيق الطمأنينة والهدوء، وإحلال السلام في المنطقة”.
قد تستضيف الإمارات لقاء وزراء الخارجية المرتقب، في إشارة متعددة الاتجاهات، أهمها أن المسار الثلاثي يحظى بدعم خليجي، ربما باستثناء تحفظات الدوحة المعلنة على التطبيع مع الأسد. والحديث عن مسار يحظى بهذا الزخم لا بد أن يتعدى تطمينات وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، إذ صرّح أن سياسة حكومته الجديدة لن تكون على حساب المعارضة السورية، مستبقاً بتصريحه اجتماعه مع المعارضة السورية لإبلاغها بالتوجهات الجديدة.
ما نقلته الدائرة الإعلامية للائتلاف الوطني السوري عن رئيسه، عقب الاجتماع بأوغلو، يشير بين السطور إلى ما لا يسرّ المعارضة في السياسة التركية الجديدة، بمعنى أن الأخيرة ستكون على حساب المعارضة، بخلاف التطمينات المعلَنة. على سبيل المثال، نُقل عن رئيس الائتلاف سالم المسلط تحذيره المسؤولين الأتراك “من نظام الأسد وما يقوم به من خداع، وعدم وفائه بتعهداته وهو ما تعوّد عليه المجتمع الدولي طيلة السنوات الماضية”. وحتى ما نُقل عن المسلط لجهة التمسك بمبادئ الثورة، بوصفها “أمانة لا يمكن التفريط بها”، يجوز فهمه خارج تكرار الشعارات على أنه تذكير بها في مواجهة المستجدات التي طرحها المسؤولون الأتراك في الاجتماع.
الحديث عن مسار ثلاثي ينطوي على شراكة مع الأسد، تستبعد بطبيعة الحال هدف الانتقال السياسي بما أن قبوله بتسليم السلطة مستحيل. المسار الثلاثي الجديد، في حال نجاح التصور التركي “المشترك ربما مع موسكو”، يُفترض أن يرث مسار أستانة، فيرضي دولاً خليجية وإسرائيل لاستبعاده إيران “الشريك في أستانة”. على المعارضة “ممثَّلة بالائتلاف” القبول بالسمّ التركي، هل من خيار أخر؟
لنستبعدْ أولاً تصوير الائتلاف وأعضائه كمجموعة من المرتزقة الصغار، والذين يأتمرون بالتعليمات التركية عن طيب خاطر، حتى إذا طُلب منهم الانتحار. لنبتعد عن التبسيط، ولنفترض أنهم يريدون رفض التوجهات التركية الجديدة، ولنفكرْ في الأوراق التي في حوزتهم إقليمياً أو دولياً.
نذكّر بأن القضية السورية وُضِعت مبكراً، وعلى التوالي، تحت العديد من الوصايات الإقليمية، إلى أن استقرت برغبة دولية تحت الوصاية التركية، مع مشاركة للرياض في الوصاية على هيئة التفاوض بموجب تفاهمات فيينا. أي أن وجود الائتلاف تحت الوصاية التركية ليس انحرافاً ذاتياً، وإن لاقى الهوى الأيديولوجي للكتلة المسيطرة فيه. لذا، يصعب أو يستحيل عملياً خروج الائتلاف من تحت العباءة التركية، ما لم تكن هناك مساندة دولية قوية لهذا التوجه، وبما يعكس اعتراضاً عملياً على السياسة التركية المستجدة.
ينبغي أن نشطح بعيداً جداً بخيالنا كي نتوقع قراراً أمريكياً باحتضان الائتلاف، واستضافة مكاتبه في واشنطن أو نيويورك، ما يرتّب على الولايات المتحدة التزاماً معنوياً تعاقبت إدارات البيت الأبيض منذ عام 2011 على تحاشيه. هذا السيناريو “غير الممكن” لم يُطرح إطلاقاً من قبل، حتى من قبل معارضين يتوسلون الدعم الأمريكي، لا بسبب الرفض الأمريكي فحسب، وإنما أيضاً بسبب الحساسيات التقليدية تجاه السياسة الأمريكية.
البديل المعتاد طرحُه، عن الوجود في إحدى دول المنطقة، هو التوجه إلى أوروبا، بما أن ذهاب الائتلاف إلى أية دولة أخرى سيضعه تحت وصايتها. هذا الاقتراح تكرر منذ سنوات، وقبل استفحال الوصاية التركية على مفاصل المعارضة، وانتعش خاصة مع انخراط أنقرة في تفاهمات “مناطق خفض التصعيد” ثم تفاهمات سوتشي وأستانة، وقد انصاعت المعارضة لجميعها.
نظرياً، ونظرياً فقط، تبدو أوروبا طوق النجاة من التحكم التركي، أو أية وصاية لا بد من الخضوع لها في دول المنطقة. التأكيد على أن هذا الطرح يبقى في الإطار النظري مردّه أن القطيعة مع تركيا، بناء على مخالفة توجهاتها، تعني التضحية بالعلاقة مع الداخل السوري الواقع تحت نفوذ أنقرة، لأن الأخيرة تتحكم بكافة منافذه. وإذا كان أحد المآخذ على المعارضة هو تدني فعاليتها في تلك المناطق فإن القطيعة مع أنقرة تعني الانعدام التام لتلك الفعالية، مع عدم استبعاد ردود انتقامية على حساب الأهالي العالقين هناك.
نظرياً أيضاً، ثمة افتراض مفاده قبول أوروبا باستضافة المعارضة السورية، كما تستضيف نظيرتها الإيرانية مثلاً. هذا صحيح نسبياً، وبشرط أن نستبعد منه ترحيباً أوروبياً بالائتلاف على قاعدة افتراق الأخير عن أنقرة. لنتذكرْ أن قضية اللاجئين هي في رأس التبريرات لانعطافة أردوغان، وللتخلص منهم هناك خياران؛ إعادتهم إلى الأسد أو فتح السبل أمامهم ليغادروا إلى أوروبا. الخيار الثاني منهما كان ورقة تخيف بها أنقرة أوروبا، ووطأة التهديد اليوم أشدّ كثيراً من قبل جراء الأزمات الاقتصادية التي تسبب بها كورونا والحرب على أوكرانيا.
وإذا افترضنا جدلاً أن أوروبا تجاوزت حساباتها الضيقة، لن يقوى موقف الائتلاف “بوصفه كياناً معترفاً به دولياً” على نحو تلقائي لوجوده فيها. وإذا تجاوزنا دواعي الضعف الإضافية لابتعاده عن سوريا، لن يحلّ وجوده في أية دولة أوروبية الخلل المتعلق بمدى كفاءته؛ مؤسسةً وأفراداً. ناقشنا خيار اللجوء إلى أوروبا لأنه يظهر كطوق نجاة ممكن، لكنه أشبه بالمستحيل، ونضيف إلى ما سبق الفجوة الواسعة بين الحريات التي تتيحها أوروبا وطريقة استثمار السوريين لها؛ في مثال غني بالمعنى لدينا ما يزيد عن مئتي جمعية سورية مرخَّصة في فرنسا، يرفض أصحابها مجرد تشكيل لوبي سوري يجمعهم.
لن يحترم العالم المعارضة زيادة عن قبل، لمجرد تغيير في عنوانها البريدي، وسيبقى الائتلاف مطلوباً فقط لأداء الدور المُقرَّر له لا أكثر، وهو دور في أحسن الأحوال لا يتعدى المشاركة في إعادة تدوير سلطة بشار، وهذا أيضاً أقصى ما يهدف إليه أردوغان إذا أقنع بوتين والأسد بتسوية تدمج المعارضة تحت سلطة الأخير. هناك كثر سبقوا أردوغان إلى التواطؤ على بقاء الأسد، والمعارضة نفسها كانت طرفاً في التواطؤ؛ بصمتها وبتهافتها. استكمالاً لسياق من الانحدار، لا خيار أمام المعارضة سوى تناول جرعات السمّ التي يقدِّمها لها الحليف، ولا حيلة لها إزاءه إلا الانتحار السريع بدل الموت البطيء، لتكون لمرة قد امتلكت الشجاعة والقرار!

اترك رد

Translate »