Views: 300 كيف نكون معًا لأجلهم؟ – الرقة بوست-Raqqa Post

كيف نكون معًا لأجلهم؟

ورقة تقدير موقف

 

أولًا: طبيعة الحملة وأهدافها

سَيَّرَتْ رابطة مسار، تحالف أُسر الأشخاص المُختطفين لدى تنظيم داعش، حملة إعلام وتواصل استهدفت عددًا من أُسر المختطفين لدى تنظيم داعش ممن سبق لهم توثيق مفقوديهم لدى رابطة مسار خلال العامين الماضيين. تركَّزت الحملة حول موضوع التوثيق وقدمت مادة معرفية تتناول مفاهيم قانونية وحقوقية أولية وتعريفًا مُبسطًا لأهم المؤسسات الدولية والوكالات الأُممية ذات الصلة بملف المفقودين في سورية. كما سعى فريق الحملة إلى تلمس مدى التغير في آراء وانطباعات أهالي المختطفين لدى تنظيم داعش، مِمَنْ سبق لهم توثيق ذويهم من المختطفين لدى تحالف أُسر المختطفين لدى تنظيم داعش-مسار- خلال عامي 2021 و2022 ، حيال عملية التوثيق ذاتها، كما إلى التعرف على تجاربهم السابقة في التوثيق وموقفهم من المأمول من التوثيق وتوجهاتهم في ما بعد التوثيق.

قياس آراء المُستجوبين من أهالي المفقودين جرى عبر استبيان قبلي وآخر بعدي تضمنا 21 سؤالًا تمحورت كلها حول التوثيق ودوره المأمول في كشف مصير المفقودين وتثبيت حقوقهم وحقوق أسرهم في المساءلة والمُحاسبة. ترافقت عملية جمع آراء المُستطلعين مع تقديم المادة المعرفية عبر منصة ZOOM، في حين تواجد أفراد من أسر المفقودين على يد تنظيم داعش في مجموعات من عشرة أشخاص اجتمعت في مكان واحد. وأُخذت آراء أفراد كل مجموعة من المجموعات قبل وبعد تقديم المادة المعرفية من أجل التعرف على مدى تفاعلهم مع المادة المُقدمة واحتمالات تطور هذه الآراء بتأثير المزيد من المعارف ذات الصلة كما سعت إلى معرفة احتمالات تطور مساهماتهم في العمل على ملف المفقودين في مرحلة ما بعد التوثيق.

ثانيًا: العينة المُستهدفة

توزعتْ عينة المُستجوبين على ثلاثة مناطق في سورية، سبق أن أُخضعتْ جميعًا لسيطرة تنظيم داعش بين عامي 2013 و2019. هذه المناطق المشمولة بالحملة هي محافظة الرقة، ما عدا الريف الجنوبي ومنطقة تل أبيض، وقد عُقدتْ جلستيها يومي 14 و20 آذار 2023. الريف الشرقي من محافظة دير الزور، منطقة الشعيطات، قرية أبو حمام، وقد عُقدتْ جلستيها يومي 1 و20 آذار 2023. والريف الشمالي الشرقي من محافظة حلب، بلدة عين العرب/كوباني وريفها، وقد عُقدتْ جلستيها يومي 16 و17 آذار 2023.

تألفت العينة الإجمالية للمستجوبين من 60 شخصًا، 18 من الإناث و42 من الذكور. توزع أفراد العينة على المناطق المذكورة بالتساوي، 20 شخصًا من كل منطقة، وقُسِّم أفراد عينة كل منطقة من المناطق الثلاث إلى مجموعتين من 10 أشخاص وقُدمتْ المادة المعرفية ومُلئت الاستبيانات القبلية والبعدية قبل وبعد تقديم المادة المعرفية. وقد عُقدتْ الجلسات الست بتيسير من موثقين عاملين مع مسار في هذه المناطق الثلاث.

 

ثالثًا: الاستبيان القبلي

يُظهر تحليل بيانات الاستبيان القبلي أن 14 مُستجوبًا يُبدي تشككًا جذريًا في جدوى التوثيق، بينما يرى 46 مُستجوبًا بدرجات متفاوتة أن التوثيق ضروري. وقد أفاد كل أفراد العينة المُستجوبة أنهم سبق أن وثقوا مفقوديهم مرة واحد على الأقل، فيما أفاد 7 أفراد أنهم وثقوا مفقودهم أكثر من مرة سابقًا. وأفاد 34 مُستجوبًا أن الجهات الموثِّقة لم تتواصل معهم بعد توثيق حالة مفقودهم. بينما تواصلت هذه الجهات مع 26 من أُسر المفقودين في ما بعد التوثيق مرة واحدة على الأقل.

 

شكل رقم (1): عدد مرات التوثيق

شكل رقم (2): عدد مرات التواصل من قبل المنظمات

يوافق 59 من المستجوبين وبدرجات متفاوتة من الشدة أن توثيق حالات المختطفين يُساعد في كشف مصائرهم وأماكن وجودهم، بينما خرج شخص واحد فقط عن هذا الإجماع. وفي السياق نفسه، يوافق 57 من أفراد العينة المُستجوبة بدرجات متفاوتة في شدتها على أن التوثيق يساعد في معرفة الجُناة ومحاسبتهم، فيما يرى 3 منهم فقط أن لا جدوى من ذلك.

 

شكل رقم (3)

التوثيق يمكن أن يساعد في كشف مصير ومكان وجود مفقودي

وعن عدم جدوى التوثيق مع احتمال وجود المفقود حيًا في مكان ما، يوافق 20 مُستجوبًا بدرجات متفاوتة على هذا الطرح، بينما يعارضه 40 مُستجوبًا. أما عن جدوى التوثيق مع احتمال الموت، فإن 24 مُستجوبًا يرونه زائدًا على الحاجة، فيما يعارض 36 مُستجوبًا هذا الرأي. ويوافق 54 مُستجوبًا على أن عملية التوثيق لا يجب أن تفقد معناها بعد انهيار تنظيم داعش، ذلك أن 9 مستجوبين فقط ما زالوا مُتشككين في شأن هوية الجهة الخاطفة لمفقودهم، بينما أعلن 51 منهم تيقنهم من مسؤولية تنظيم داعش عن الخطف.

شكل رقم (4)

التوثيق يمكن أن يساعد في معرفة الجناة ومن ثم محاسبتهم

وعن الأثر النفسي الذي يتركه التوثيق في نفوس أهالي المختطفين، يرى 56 مُستجوبًا أن التوثيق فعل إيجابي، فيما يرى 4 أشخاص فقط أنه لا يترك في أنفسهم هذا الأثر. ويرى 57 مُستجوبًا أن التوثيق يقربهم من معرفة حقيقة ما جرى لمختطفهم، فيما تشكك في ذلك 7 مُستجوبون فقط. كما أبدى 58 مُستجوبًا ثقتهم في مساهمة التوثيق في التوصل إلى العدالة مُستقبلًا، بينما تشكك في ذلك اثنين فقط من المُستجوبين.

 

شكل رقم (5)

التوثيق يجعلني أشعر بأنني قمت بفعل إيجابي تجاه المفقود

شكل رقم (6)

التوثيق يريحني لأنه الخطوة الأولى في معرفة الحقيقة

 

شكل رقم (7)

التوثيق يمكن أن يساعد في تحقيق العدالة في المستقبل

 

لا يزال 39 مُستجوبًا من أفراد العينة يخشى تلقي أخبار سيئة عن مصير مختَطَفه، رغم مرور ما يقرب من 6 سنوات في المتوسط على اختفاءه. وعن الخوف من قوى الأمر الواقع وأثر هذا الخوف على رغبة الأهالي في توثيق مفقوديهم، ينقسم المُستجوبين إلى فئتين متساويتين عددًا. لكن الفئة التي أبدت خوفًا من هذه القوى توزعت خشيتها على درجات متفاوتة. وأبدى 10 مُستجوبين خشيتهم من أن يؤدي توثيق حالات مختطفيهم إلى التسبب بأذى تلحقه الجهة الخاطفة بهؤلاء المختطفين في حال كانوا أحياء، بينما أعترض 50 مستجوبًا وبدرجات متفاوتة من الشدة على هذا الطرح.

شكل رقم (8)

أتخوف من أخبار سيئة عن مصير مفقودي

 

 

يبدى أفراد العينة المُستجوبة موقفًا إيجابيًا في المجمل من دور أكثر فعالية لأُسر المفقودين في أعمال التوثيق؛ إذ يُبدى 59 مُستجوبًا موافقتهم وبدرجات متفاوتة على ضرورة تشجيع أهالي المختطفين على المبادرة لتوثيق مفقوديهم دون انتظار جهة معينة لتقوم بذلك؛ كما أبدى 56 مُستجوبًا رغبته على الانخراط في تدريبات على أعمال التوثيق. وألح 57 من المُستجوبين على ضرورة إطلاع أهالي المختطفين على مجريات ما بعد التوثيق. كما أبدى 57 مُستجوبًا موافقته على ضرورة رفع مستوى معرفة أهالي المفقودين بالقوانين والمؤسسات والمعاهدات ذات الصلة بملف المفقودين. ويبدي 56 مُستجوبًا موافقته على رفع دعاوى ضد الجُناة في محاكم دولية، بينما يرفض 4 منهم هذا المسار.

 

 

 

شكل رقم (9)

يجب تدريب الأهالي على طرق التوثيق

شكل رقم (10)

أؤيد رفع دعاوى في محاكم دولية

 

 

وأخيرًا، أبدى 57 موافقته بدرجات متفاوتة على ضرورة إنشاء مؤسسة دولية تُعنى بكشف مصير المفقودين في سورية نظرًا إلى عجز وتمنع قوى الأمر الواقع عن تقديم أي حل في هذا الصدد، بينما رفض 3 منهم فقط هذا الطرح.

شكل رقم (11)

إنشاء مؤسسة أممية لكشف مصير المفقودين في سورية لأن أطراف الصراع وقوى الأمر الواقع غير معنية وغير قادرة على معالجة هذه القضية

 

 

رابعًا: الاستبيان البعدي

ساهمت المادة المعرفية المُقدَّمة والحوارات التي تلتها بين المُحاضر وأُسر المختطفين في تطوير مواقف أفراد العينة من أهمية عملية التوثيق في كشف مصائر وأماكن تواجد المختطفين وفهمهم لدور هذه العملية في صون حقوقهم؛ إذ لم يُظهر أي من المُستجوبين في الاستبيان البعدي تشككًا في تأدية عملية التوثيق للدور المأمول منها في كشف مصائر المختطفين وأماكن تواجدهم، بل انقسم المُستَجوبون بين الموافقة 18 مُستجوبًا والموافقة الشديدة 42 مُستجوبًا. كما زادت ثقة أفراد العينة باحتمالات معرفة الجُناة ومحاسبتهم بواقع 47 أبدوا موافقة شديدة و13 عبروا عن محض موافقة. لكن عند السؤال عن الثقة بالتوثيق مقرونة بعدد مرات التوثيق السابقة، عاد 4 من المستجوبين إلى إبداء بعض التشكك، ما يشير إلى أن نسبة من أسُر المختطفين لا تزال تربط بين التوثيق والحصول على إجابات سريعة عن مصير المفقودين.

شكل رقم (12)

التوثيق يمكن أن يساعد في كشف مصير ومكان وجود مفقودي

شكل رقم (13)

التوثيق يمكن أن يساعد في معرفة الجناة ومن ثم محاسبتهم

 

وعن مساهمة التوثيق في ضمان حقوق المختطفين، في حال كانوا أحياءً، وحقوق أسرهم خالف مُستجوب واحد فقط إجماع بقية المُستجوبين. تاليًا، فقد تطور موقف أفراد العينة جميعًا من ضرورة التوثيق بين الموافقة والموافقة الشديدة. لكن حيرة 9 من المستجوبين حيال أهمية التوثيق بعد انهيار تنظيم داعش وفقدانه السيطرة بقيت قائمة. في المقابل، أبدى 54 مُستجوبًا من أفراد العينة رأيًا بضرورة التوثيق حتى في حال عدم التأكد من هوية الجهة الخاطفة.

وعن التأثير النفسي للتوثيق على أفراد العينة المُستجوبة، انقسم كامل أفراد العينة في الاستبيان البعدي بين الموافقة والموافقة الشديدة على أن التوثيق جعلهم يشعرون أنهم قاموا بفعل إيجابي تجاه مفقودهم. كما توزع كل أفراد العينة بين الموافقة والموافقة الشديدة على أن التوثيق أراحهم لأنه يًمثِّل الخطوة الأولى في معرفة حقيقة ما جرى لمفقودهم. بموازاة ذلك، انقسمت عينة المُستجوبين بين مجرد الموافقة والموافقة الشديدة على الطرح القائل إن التوثيق يمكن أن يُساعد في تحقيق العدالة في المُستقبل.

شكل رقم (14)

التوثيق يجعلني أشعر بأنني قمت بفعل إيجابي تجاه المفقود

 

 

 

شكل رقم (15)

التوثيق يمكن أن يساعد في تحقيق العدالة في المستقبل

 

ولم يتطور موقف أُسر المختطفين تجاه قوى الأمر الواقع والخشية منها في حال معرفتها بتوثيق مفقوديهم لدى جهات التوثيق ذات الصلة. إذ بقي الخوف حاضرًا في إجابات 18 مُستجوبًا. كما أن الحوارات اللاحقة لتقديم المادة المعرفية شهدت إيراد المُستجوبين عددًا من الأمثلة الملموسة عن تهديدات تلقوها من بعض قوى الأمر الواقع في حال السؤال عن مفقود ما. وبقي 6 مستجوبين على رأيهم في أن التوثيق يمكن أن يُسبب أذى لمفقوديهم، في حال كانوا أحياءً، وفي حال علمت الجهة الخاطفة بالتوثيق، بينما أعلن باقي أفراد العينة رفضهم لهذا الطرح منقسمين بين رافضين ورافضين بشدة.

بطبيعة الحال، يجد أهالي المختطفين في مناطق سيطرة تنظيم داعش السابقة أنفسهم بين تهديدين جديين في ما يتعلق بوضعهم بوصفهم أُسر مُغيبين. فمن جانب أول يخشون على أنفسهم وعلى أحبتهم المختطفين، في حال كانوا أحياء، من خلايا تنظيم داعش النائمة في مناطقهم. ويخشون من الجانب الثاني من قوى الأمر الواقع التي تمنع السؤال في بعض الأحيان أو تحاول استتباع أهالي المُغيبين خدمة لمنظورها السياسي في أحيان أخرى.

من المثير أن عدد المُستجوبين الذين يخشون تلقي أخبار سيئة عن مصير مفقوديهم زاد من 39 في الاستبيان القبلي إلى 43 في الاستبيان البعدي. ويُرجح أن النقاشات، التي تلت تقديم المادة المعرفية بين المحاضر وأفراد العينة وبين الأفراد في المجموعات المحلية بالإضافة إلى عامل الزمن المُقدر بست سنوات من التغييب بالمتوسط، قد أيقظت حس بعض المُستجوبين بتعقيدات الواقع في سورية وأثر هذه التعقيدات على مصائر المختطفين والمخفيين قسرًا. إذ تردد كثيرًا ذكر “الأمل” و”فقدان الأمل” على ألسنة المُستجوبين من أفراد أُسر المختطفين أثناء الحوارات البينية وخلال تفاعلهم مع المادة المعرفية المُقدمة.

شكل رقم (16)

أتخوف من أخبار سيئة عن مصير مفقودي

بالمقابل، فقد تطور موقف أفراد العينة المُستجوبة الإجمالي من التوثيق. فبينما أحجم مُستجوب واحد فقط عن تأييد الطرح القائل بضرورة تشجيع المزيد من الأُسر على توثيق مفقوديها دون انتظار جهة محددة لتوم بذلك، فإن باقي أفراد العينة أعلنوا موافقة صريحة. وفي السياق ذاته، رأى أفراد العينة جميعًا ضرورة لأن يتدرب أفراد من أُسر المفقودين على أعمال التوثيق من أجل الإمساك بزمام المبادرة. كما توافق أفراد العينة المُستجوبة كافة وبدرجات متفاوتة في الشدة على ضرورة اطلاعهم بكل ما يستجد بخصوص المفقود لدى الجهة الموثقة. وتاليًا، ضرورة إنشاء قنوات تواصل دائمة وفي الاتجاهين مع الجهة الموثِّقة.

 

شكل رقم (17)

يجب تدريب الأهالي على طرق التوثيق

100%

إنشاء مؤسسة أممية لكشف مصير المفقودين في سورية لأن أطراف الصراع وقوى الأمر الواقع غير معنية وغير قادرة على معالجة هذه القضية

 

وعن تطوير دور أهالي المختطفين في حمل القضية إلى مدى أبعد، يوافق كل أفراد العينة المُستجوبة على ضرورة تنمية معارف أُسر المختطفين بالقوانين والمؤسسات والمعاهدات المعينة بقضايا المفقودين. كما يوافق كل أفراد العينة على ضرورة رفع دعاوى ضد الجُناة في محاكم دولية.

وحول الطرح القائل بضرورة إنشاء مؤسسة أُممية (عبر الأمم المتحدة) لكشف مصائر المفقودين في سورية بالنظر إلى أن أطراف الصراع وقوى الأمر الواقع غير معنية وغير قادرة على معالجة ملف المفقودين في سورية، فقد رفض مُستجوب واحد هذه الفكرة، فيما أبدى باقي أفراد العينة جميعًا استحسانهم لهذا الطرح. وقد أُضيفتْ إلى الاستبيان البعدي فكرة عن وجوب توحيد جهود التوثيق ضمن مؤسسة واحدة، فكانت إجابات المُستجوبين جميعًا هي الموافقة.

خامسًا: تحديات وعوائق

واجه تسيير حملة “معًا لأجلهم” أربعة أنواع من التحديات. الأول عام تواجهه معظم الأنشطة العامة في سورية، سواء كانت سياسية أم حقوقية؛ يظهر هذا التحدي في الضغط الأمني الذي تمارسه قوى الأمر الواقع ما يدفع الفاعلين عادةً إلى اللجوء على التكتم واختيار أماكن غير مألوفة وغير مُهيئة لاستقبال عدد كبير من الأشخاص، أو القبول بإخضاع أنشطتهم لمنظور قوى الأمر الواقع وتاليًا تغيير طبيعة وأهداف هذه الأنشطة. ويتمثل التحدي الثاني في طبيعة حملة “معًا لأجلهم” الموجهة إلى أهالي المختطفين لدى تنظيم داعش. إذ تجد هذه الفئة من الضحايا نفسها في نقطة يتقاطع في فيها الخوف من قوى الأمر الواقع مع الخوف من خلايا تنظيم داعش النائمة وعناصره السابقين في المجتمعات المحلية وضمن صفوف قوى الأمر الواقع الحالية. يأتي التحدي الثالث من سوء الواقع الخدمي في مناطق سيطرة داعش السابقة، وبوجه خاص تقطع التيار الكهربائي وضعف شبكة الانترنت. فقد أُجلتْ أحدى جلسات الحملة بسبب ضعف الاتصال، وتوقفت جلسة ثانية لحوالي ربع ساعة للسبب ذاته. كما توقفت إحدى الجلسات لدقائق بسبب انقطاع التيار الكهربائي. واضطر الحاضرون إلى الاستماع إلى المادة المُقدمة وهم جالسون في ظلام الغرفة في جلسة أخرى. أما رابع التحديات فيخص النساء من أفراد العينة المُستهدفة. إذ تركت مرحلة سيطرة التنظيم على المناطق المُستهدفة بالحملة آثارًا اجتماعية سلبية على قدرتهن على الحركة. وهذه تُضاف إلى الأعباء الفعلية على هذه الفئة من النساء اللواتي يقمن اليوم بدور المُعيل مما يُثقل حركتهن خارج إطار هذا الدور ويُضعف مبادرتهن. كما أن الواقع الأمني والفوضى وانعدام الأمان، بالنسبة للنساء بوجه خاص، في مناطق سيطرة داعش السابقة في سورية يحدُّ من قدرة النساء على الفعل والاختلاط والتنقل.

سادسًا: خُلاصات

تمحورت جهود رابطة مسار خلال حملة “معًا لأجلهم” على استكشاف آراء وانطباعات أُسر المختطفين لدى تنظيم داعش مِمَن سبق لهم توثيق مختطفيهم مع الرابطة. فحاولت الحملة أن تعيد وتعزز ثقة الفئة المُستهدفة بدور أعمال التوثيق في كشف مصائر المغيبين وتحصيل حقوقهم وحقوق أسرهم بغض النظر عن طول الزمن اللازم لتحقيق هذه الغايات.

إجمالًا، ومن خلال تحليل الاستبيانين القبلي والبعدي ودراسة مضامين الحوارات التي أعقبت تقديم المادة المعرفية يتبين أن بعض أُسر المختطفين لدى تنظيم داعش في سورية تعاني من نقص في المعلومات حول قيمة وأهداف عملية التوثيق نفسها. وبينما لا يتجاوز دور بعض هذه الأُسر في ملف المفقودين تقديم البيانات للموثقين، فإن بعضًا آخر منها بقيت حياته متمحورة حول المفقود وحول معالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والقانونية الناجمة عن تغييبه.

هذه الآثار انعكست بقوة أشد على الإناث، أمهات وشقيقات وزوجات مختطفين في الغالب، من أفراد العينة على ما تظهره مداخلاتهن في الحوارات اللاحقة لتقديم المادة المعرفية. إذ تركزتْ هذه المُداخلات على ما يواجهنه من صعوبات وتحديات عملية يومية آنية نتيجة غياب المُعيل المُغيَّب. بالمقابل، تركزت مُداخلات الذكور على جوانب فنية وسياسية وقانونية وأمنية أشد ارتباطًا بموضوع الحملة والمادة المعرفية المُقدَّمة.

لقد وَسَّع الحديث عن التوثيق أفق التناول ليطال قضايا ومُشكلات متنوعة تمس عائلات المفقودين. يمكن تصنيف اهتمامات أفراد العينة الإجمالية في المحاور الرئيسة الآتية.

  • محور اقتصادي: يتعلق أساسًا بغياب المُنتج المُعيل، الزوج أو الأب أو الشقيق. وأشد المتأثرين هم النساء والأطفال.
  • محور اجتماعي: يتعلق بغياب دور الأب والزوج، نظرًا إلى أن كل المُغيبين هم من الذكور أرباب الأُسر. وأشد المُتأثرين هم النساء والأطفال أيضًا. واضطرار زوجات أو أطفال لانتحال دور الأب أو المُعيل في ظروف اجتماعية واقتصادية غاية في القسوة وسرعة التبدل.
  • محور قانوني وحقوقي: يتعلق بغياب مؤسسات موثوقة ذات صلة بقضايا المفقودين مخولة منح شهادات وفاة أو شهادة مفقود وغيرها من الوثائق التي تُيسر حياة أُسرة المفقود أثناء فترة تغييبه من زواج وتعليم وإرث وغيرها من القضايا التي تمس كل أفراد الأُسرة، لكنها تضغط بدرجة أشد على الزوجات وأطفالهن.
  • محور نفسي: يتعلق بمعاناة أفراد أُسرة من الفُقدان الغامض وغياب اليقين حول مصير المفقود. وكذلك معاناتهم من العيش في المؤقت ترقبًا لعودة قد تطول أو قد لا تحدث. لا سيما أن عمليات التوثيق تساهم بطبيعتها في تحريك آلام الأسرة وتدفعها للتقلب بين الأمل واليأس مع كل توثيق جديد للحالة.

سابعًا: توصيات

يتطلب ملف المفقودين في سورية، وضمنه ملف المختطفين لدى تنظيم داعش، مقاربة أشد شمولًا. مقاربة لا تقف عند الجوانب الحقوقية والقانونية، عبر التوثيق، رغم أهميتها الحاسمة في كشف مصائر المفقودين وصون حقوقهم وحقوق أسرهم، بل تتسع لتطال جوانب اجتماعية واقتصادية ونفسية مما يمس حياة أُسر المفقودين ويجعلها أقدر على حمل قضية المفقودين. فدور أُسر المُغيبين لا يجب أن يقف عند حدود التوثيق، بل يجب أن يتخطاه إلى عمل استراتيجي يستهدف كشف مصائر المختطفين ومُحاسبة الجُناة. وهذا يستلزم أن تكون أُسر ضحايا التغييب محور العمل وأن يكون كشف المصير معيارًا لجدوى هذا العمل. ولذلك يجب على الفاعلين المحليين والدوليين والأمميين أن يعنوا بالاستجابة لاحتياجات أُسر المختطفين لدى تنظيم داعش والمخفيين قسرًا وعموم المفقودين ضمن المحاور الرئيسة الآتية:

  • تقديم المزيد من الدعم لأعمال التوثيق وتطوير قدرات حاملي الحق الشخصي من أُسر المفقودين في مجالات البحث عن المفقودين.
  • مساعدة اُسر المفقودين على تنمية معارف أفرادها في الجوانب الحقوقية والقانونية ذات الصلة بملفات المفقودين.
  • إنشاء نظام إحالة بين المؤسسات والروابط وغيرها من الفاعلين المديين لمساعدة أُسر المفقودين في مواجهة الصعوبات والمشكلات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية الآنية.
  • إنشاء قاعدة بيانات مركزية موحَّدة لجمع بيانات المفقودين وتوحيد أهدافها ومعاييرها في وتنسيق جهود التوثيق بين كل المؤسسات ذات الصلة لتلافي المزيد من تكرار أعمال التوثيق والتسبب في صدمة أهالي المفقودين مع كل عملية توثيق.
  • إنشاء قنوات تواصل بالاتجاهين بين المؤسسات والروابط المعنية بالتوثيق وأُسر المفقودين من أجل انخراط أكثر استراتيجية وإيجابية لهذه الأسر في ملف المفقودين.
  • إن مركزية دور الضحايا في ملف المفقودين يتطلب أن يكون كشف المصير هو المعيار الأساس لعمل أي مؤسسة على هذا الملف.
  • إيلاء النساء والأطفال من ذوي المغيبين اهتمامًا مُركزًا نظرًا إلى ما يُحدثه غياب المُعيل من مشكلات اجتماعية واقتصادية وقانونية تُعيق سير حياتهم.
  • إنشاء نظام إحالة خاص بزوجات المفقودين لمواجهة ما يواجهنه من مُشكلات قانونية واجتماعية.
  • إنشاء نظام إحالة خاص لمواجهة المُشكلات النفسية والتعليمية والاجتماعية التي يواجهها أطفال المُغيبين.

“مسار”


Posted

in

by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »