Views: 124 رسائل إلى سجاني في سجن “سدّ البعث” (2/2) – الرقة بوست-Raqqa Post

رسائل إلى سجاني في سجن “سدّ البعث” (2/2)

حكمت محكمة هولندية على لاجئ سوري مقيم على أراضيها بالسجن 15 سنة. اكتشفت أن هذا السجين لم يكن سوى عبد الفتاح الحاصود، وهو سجاني في سجن “سدّ البعث” عام 2013. كتبت هذه الرسائل، وأرسلتها له فعلًا. لا أدري إن كان قرأها، أو لاهنا، الرسائل الثلاث الأخيرة.


الرسالة الرابعة

إلى رضا… طِب حيًا أو ميتًا،

في عام 2005، على ما أعتقد، زارني في بيت القرية أحد أقربائي، وهو من عتاة “السلفية” في المنطقة، كان على باب الدار “بوش” باسطًا ذيله، وبوش كلب أبيض، ربّيته جروًا، وهي عادة أغلب بيوت الريف في منطقتنا، أسميته “بوش” إهانة للرئيس الأميركي جورج بوش، حيث كان الجو العام وقتها مليئًا بالإحباط واليأس نتيجة غزو العراق، ورأيت أن تسمية كلبي باسم “بوش” نوع من المقاومة!
استهجن قريبي تربيتي للكلب، والسماح له بالاقتراب كثيرًا من الباب، “فسلخني” حديثًا عن الرسول، “لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب”، وأورد إسناده، وأرغى وأزبد وكثّر وقلّل عن المجاهدين في العراق، والأميركان، والإسلام، والقابضين على الجمر ووو… ممّا أعطاني الوقت للتفكير بردّ يسكته عني، قلت له: لذلك بالضبط أنا أربّي الكلب. “وشلون بالله”؟ سألني مستغربًا، قلت له: هل عزرائيل من الملائكة؟ فأجابني: نعم، قلت: بهذا الكلب أضمن عدم دخول ملك الموت داري.
هل لاحظت يا سجّان أن “الكفّار” هنا، حيث نقيم الآن، لا يطعمون “الكلاب ولا الحمام” لحوم البني آدميين، ولا يتركونها تشرد في البراري، بل تسكن معهم داخل البيوت وتنام فوق أسرّتهم؟
هذه المقدمة تذكّرتها وأنا أريد أن أحدثك عن بيت الكلب (1)، وسيلة التعذيب الأخرى التي لا أعتقد أن أي عقل مجرم تفتّقت أفكاره عن هكذا وسائل كما أنتم.
في أقصى الزاوية الجنوبية الشرقية من غرف السجن المتلاصقة، غرفة بها آلات ميكانيكية، ومحركات وقطع خردة، في صدرها وعلى عرض الحائط وارتفاعه أقفاص حديدية، صُفّت فوق بعضها أربعة ارتفاعًا وثمانية عرضًا، وفيها من الجهة الشرقية ثلاثة “بالنغوات”.
دخلت الغرفة أول مرة عندما طُلب أن يقوم أحدنا بإطعام شخصين معزولين قدما من سجن “المناخر”، تيبّست أطرافهما العلوية لطول فترات الشبح بالبلانغو، فكانا يحتاجان المساعدة في الدخول إلى المرحاض، وأيضًا للأكل، فتطوعت لذلك، أدخل معهما المراحيض، وأرفع لهما ثيابهما ليقضيا حاجة، وأطعمهما لأنهما لا يستطيعان الأكل إلا كما الأغنام، هناك عرفت ما يسمى بيت الكلب، صحيح لم أدخله، ولا يحقّ لي التحدث مع “الكلاب” المحشورين في تلك الأقفاص، فقط نتواصل بالعيون، عيونهم ترمقني من خلف الشبك، تبحث عن نجدة ما، ولكنني لا أملك لهم سوى تعاطف بائس، أعبّر عنه برفع كتفي وزمّ شفتي، ولكنني عايشت هذا العذاب من خلال الشاب رضا ابن عمة عيد الشمسي! هل تتذكّره؟ وإذا نسيته أنت، هأنذا أذكّرك به. رضا وعيد قضيا خمسة أيام في تلك الأقفاص.
يقول رضا: حشروني هناك صباحًا مع ستة “كلاب” آخرين، تدخل بيت الكلب القفص بالعكس، تُدخِل ظهرك وهو محني، ثم تزحف على مؤخرتك للخلف إلى نهاية القفص، ثم تطوي ساقيك للأعلى، بحيث تلامس ركبتيك ذقنك، ويغلق الباب. يُطلَب منا، ونحن نُحشَر أن نعوي مثل الكلاب عندما تجوع، يجب أن تطلب الطعام، أو الماء، عن طريق العواء، وكذلك عندما تريد الذهاب إلى المراحيض، والذهاب إلى المراحيض فقط للخراء، أما التبوّل فتتبوّل على نفسك. يقول رضا: كان يؤلمني أن “يشرشر” بولي على مَن قفصه أسفل قفصي، رغم أنني خلعت قميصي واستخدمته كحفوظة الأطفال، ولكن إجبارهم لنا على شرب الماء بكثرة، كنوع من العقاب ليؤدي إلى هذه النتيجة، يجبرنا على التبول بكثرة، فلا تنفع خطّتنا التي اكتشفوها لاحقًا، ومنعونا منها.
أيضًا، يجب أن تبدأ بالعواء عندما تسمع خشخشة مفاتيح السجان وهو يفتح الزنازين، وعندما لا يعجبه العواء، يسحب سيخًا حديدًا على قضبان الأقفاص، ويرفع يده الثانية كما قائد فرقة موسيقية، يشير لطابق بالعواء، على أن تصمت بقية الطوابق، وهكذا بالتناوب، ثم يشير بكلتا يديه أن تعوي الطوابق كلها مع بعضها، هكذا للتسلية وبأي وقت، وأحيانًا يُحضر أصدقاءه؛ لكي يتسلّوا بنا وكان بعضهم يقوم بتصويرنا.
هل تتخيّل أن تبقى مقرفصًا هكذا خمسة أيام بلياليها؟ هل تتخيّل أن أسعد لحظات يومك هي الذهاب إلى المرحاض الذي لا حاجة لك به؟ ولكن تحاول أن تقضي أطول فترة به لتريح عظامك.
بعد الأيام الخمسة، حملنا عيد ورضا بالبطانيات؛ لأن ظهريهما كانا متيبّسين، ولا يستطيعان المشي.
هل أنت نادم على أي شيء؟

فرنسا 15 شباط/ فبراير 2020

 

***

 

مهجع السجناء في سجن “سدّ البعث” الداعشي 

الرسالة الخامسة

إلى روح “أبو صالح”

اليوم كانت الكنيسة في الحي حيث أسكن، تدقّ أجراسها منذ الصباح. من النافذة، أرى الناس يدخلونها حاملين الشموع. استفسرت من جارتي العراقية الآثورية، التي خرجت وطفلتاها تحملان الشموع عن المناسبة، قالت: اليوم الذكرى الثانية لحريق كاتدرائية نوتردام في باريس، وهم يقيمون صلاة، أو قداسًا، أو شيئًا من هذا القبيل.
هل سمعت بكاتدرائية نوتردام يا سجّاني؟ شخصيًا… عرفتها فقط من خلال رواية “أحدب نوتردام” لفكتور هوغو، والتي قرأتها، أعتقد، في الصف الحادي عشر.
تداعى إلى ذهني، وأنا أراقب التلفاز، اهتمام العالم كله بالحريق، وأيضًا تفاعل المجتمع العربي والمسلم المحيط بي، الشعور لدى كثيرين منهم بالشماتة! تعرف؟ أستغرب ــ عن جد ــ هذه الشماتة! فكثير من هؤلاء الشامتين ركب قوارب الموت ليصل إلى هنا، هل تستغرب مثلي الشماتة بأي كارثة إنسانية تحصل في أي بلد هنا، رغم أننا نعيش فيه؟
أتعرف يا سجاني… أناقش نفسي، وأيضًا أناقش كثيرًا من الناس الذين يشبهون وضعنا هنا، لماذا كثير منا يحمل كل هذا الحقد والكراهية وثقافة الرفض والعدائية؟ ما الجحيم أكثر من أن يعيش الواحد منا حالة كراهية دائمة مع مجتمع استقبله واحتضنه وقدم له رعاية واهتمامًا؟ أي جحيم نعيشه بحق أنفسنا وغيرنا؟ الجحيم ليس في الفقر ولا بالحروب، الجحيم هو ألّا تعرف إلا الكراهية، حتى لو كنت في وسط بحر من المحبة.
الجحيم هو العجز عن التعايش والتفاهم والمحبة، أن تعيش نفسك بجحيمك.
المهم… هو حدث يسيطر على الفضاء العام للإعلام، فأحببت أن أضعك في صورته، ولا أدري مدى اهتمامك، سأعود إلى ذكرياتنا المشتركة.
الشمعة ترمز للنور والعلم وللرومانسية، ولكن لم نكن ندري عندما طلب منا “أبو علي الشرعي” أن نكسر جزءًا من الأرضية الإسمنتية للزنزانة، أي رومانسية سيجلب علينا هذا التكسير. بدأنا بتكسير مربع رسمه بجانب الباب من جهة اليسار. كانت الأرضية صلبة جدًا، بحيث أخذت منا ساعات حتى استطعنا أن نكسر مساحة ربما أقل من متر بمتر، وعمق حوالي 25 سم. مساء أحضر كرسي حديدي لحمت قوائمه من الأسفل بحصيرة حديدية، أشرف شخصيًا على وضعه في الحفرة، وخلط الإسمنت والرمل، فهو كما تعرف اختصاصه الأساسي الذي كان يعمل به في السعودية نجار بيتون، ولم يغادرنا ذاك المساء حتى اطمئن أن الكرسي قد جف الإسمنت على قاعدته إلى حد ما، وأوصى الجميع بعدم الاقتراب منه. كان شكله غريبًا، فمسند الكرسي من الأعلى جزءان، يفتح ويغلق بمفاصل متحركة، بحيث يمسك من يجلس عليه من الكتفين نزولًا إلى أسفل البطن، وتأتي حديدة عرضًا، بحيث ما إن يغلق حتى يصبح الشخص أسير الكرسي من حيث الظهر والبطن، وكذلك على مسندي الأيدي قيدان حديديان يمسكان اليد من المرفق، ومثلهما للساقين، قضينا تلك الليلة نحاول فك شفرة هذا الكرسي متوجّسين الشرّ منه، من دون فهم.
وكان ظهر اليوم التالي عندما حضرتم بجمعكم لتدشين الاختراع العظيم، وكان حظ أبو صالح أنه أول من بدأ معه التحقيق. أتذكر كيف طلب منه أبو علي أن ينزل ملابسه كاملة إلى ما تحت الركبة، ويجلس بمقعدته العارية على الكرسي الحديدي؟ أجلستموه جبرًا على الكرسي وربطتموه، وأشعلتم شمعة تحت الكرسي مرفوعة على علبة فول فارغة.
حاول أن يرى ما وضعتم تحته، ولكنه لم يستطع، ولكننا كنا نرى ونتابع ذؤابة الشمعة ودموعها التي تسيل كما دموع أبو صالح. عند منتصفها بدأ أبو صالح “يحوحز”، ولكن لم يستطع أكثر من تحريك مؤخرته السمينة قليلًا، ومع نهاية الشمعة الثالثة بدأ بالصراخ.
“يا شيخ مشان الله… مشان محمد… داخل على عرضك… داخل على ناموسك… دخيلك يا شيخ والنبايا علقت (احترقت)”، ولكن أبو علي، ومن دون أن يلتفت إليه قال: الاستعانة بغير الله شرك، وتابع التحقيق والجلد وإصدار الأحكام على بقيتنا قبيل غروب ذاك اليوم من أيام رمضان. وعند نهاية الشمعة السادسة، والتي تمّ رفعها أكثر بوضع علبتي فول فوق بعضهما لتكون أقرب “لطيز” أبو صالح، والذي وصل صراخه الموصل، كما كنتم تتهكمون عليه، نظر أبو علي إلى ساعته، وقال: إنه وقت الإفطار، وأخذ يتلو دعاء، بعد أن أجبرنا أن “نؤمن”.
“اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل، والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. اللهم إني أسألك العفو والعافية، في الدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك العفو والعافية، في ديني ودنياي وأهلي ومالي. اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك أن أغتال من تحتي”.
أنهى دعاءه وقال: فكّوه، وخرج. لم يستطع أبو صالح القيام عن الكرسي، حملناه من تحت إبطيه، وأجلسناه على الأرض، ولكنه أخذ بالصراخ، فقلبناه على بطنه وأنزلنا سرواله الداخلي. كان منظرًا لن أنساه ما حييت.
كان يحاول أن يتشهد بسبابته اليمنى، ولكن كما تعلم كان أبو علي قد قطعها له في يوم سابق بمقص تقليم الشجر، فكان تشهده بالوسطى، الأمر الذي أشاع جوًا من الابتسام بين الجميع، رغم الألم وسوداوية الموقف.
قال أبو صالح وهو يحاول أن يزيد من جو المرح ومحاولة منه الاعتذار عن تأخّر الإفطار محملًا نفسه المسؤولية، “تعرفون عن جد اللي “طيزو بالمي مو متل اللي تحت طيزو النار”، عندما يعود أبو علي غدًا سأسأله إن كان يجوز شرعًا التشهد بالوسطى، وأشار بوسطاه إلى السماء.
أسألك يا سجّان سؤالًا لم يمهل أبو علي أبا صالح الوقت لسؤاله عنه، حيث عاجله برصاصة في الرأس.
هل يجوز التشهّد بالوسطى؟

15/4/2020

 

***

 

السجان عبد الفتاح الحاصود في هولندا عام 2016 

الرسالة السادسة

يُعد دفن الإنسان حيًا من أكثر المخاوف الإنسانية بدائية، الخوف الفطري من الظلام، من الاختناق، من الانقطاع عن الحياة وناسها، من كميات التراب فوقه، من العجز عن أي حركة، من الدود الذي سيلتهمك، من ومن…
يا سجّاني! هل تخيّلت يومًا أن تُدفن وأنت حي؟
لا أدري أين كنت أنت في ذاك اليوم ببداية الحدث عندما أخذونا أنا وصاحبي للدفن، الأمر الذي لم نسمع به سابقًا، أخذونا لندفن أحياء، ولكنني رأيتك حين “بُعثتُ” حيًا. أتعرف إلى هذا اليوم لا أعرف ما الغاية الفعلية التي أردتموها من التعذيب بالتابوت (2)، وإيهام الشخص المعذّب أنه يُدفن حيًا، ولا أجد تفسيرًا إلا أنكم تريدون القول، أنتم من يحي ويميت، وإن أحدنا ــ أي المعذبين ــ يُبعث على نيّته، ومهمة الله الفرز فقط.
على منطقكم، الله نفسه الذي بيده مفاتيح الغيب الخمسة التي لم يعطها لأحد سواه، والتي أحدها معرفة موعد موت الشخص، كما ورد في القرآن، الله نفسه، تعدّيتم، حتى على مهمته في الحياة والموت، كما ورد أيضًا في القرآن: هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (سورة يونس. الآية 56).
ذات عصر طلب منا الجلاد موسى الطبل “أبو حمزة”، صديقي وأنا، أن نستحمّ، فقد آن الأوان، فرحنا أننا سنستحمّ، ولكن أوان ماذا؟… ما الذي حان؟ تبادلنا النظرات المستفهمة مع الجميع، ولكن لا جواب من أحد، فبادرنا أبو حمزة أن اغتسلوا غسيل الأموات. هنا متنا قبل أن نموت، تحوّلت أرجلنا إلى خيطان، ولم نستطيع حتى التحرّك، ودخلنا ما يشبه الغيبوبة، وكأننا في عالم آخر. نحن هنا ولسنا هنا، نسمع ولا نسمع، نرى ولا نرى، فقط صدى كلمات أبو حمزة: اغتسلوا غسيل الأموات.
لا أذكر إن استحممنا أم لا، وكم طالت المدة، ولا كيف وصلنا إلى القبر، هل حملنا أم مشينا؟ لا أدري، ولكننا كنا واقفين على طرف حفرة بيتونية مستطيلة الشكل، على أحد طرفيها من جهة الطول كومة تراب، وفوق التراب غطاء حديدي، يعادل طول الحفرة، وفي الحفرة نفسها صندوق حديدي على شكل تابوت مفتوح من أعلاه، كان حجمه أقلّ بقليل من حجم الحفرة البيتونية. طلبوا بداية من صديقي المريض بالسكر أصلًا أن ينزل في الصندوق الحديدي، لحظات وتحوّل لونه إلى اللون الشمعي الأبيض، وارتخت كل عضلاته، ووقع على الأرض ككومة لحم لا عظام فيها، تناقله اثنان من زبانية “أبو حمزة” وألقياه بعيدًا عن الحفرة متندّرين عليه، مات من الخوف قبل أن يُدفن.
رجعا إليّ وألقياني في الصندوق الحديدي، وطلبا مني أن أتمدّد على طولي، ثم وضعا الغطاء الحديدي وأنا أسمع الجميع يرددون: الله لا يرحمك. ظلام دامس، إقياء، ضيق نفَس، رِهاب الأماكن المغلقة الذي أعاني منه أصلًا، بدأ يخنقني مع صوت أول مجرفة تراب سقطت فوق الغطاء، أصرخ بكل صوتي، ولكنني لا أسمع صراخي، أحاول أن أضرب الغطاء أو الجدران الحديدية، ولكن لا يستجيب أي عضو في جسمي، لذلك يمر شريط حياتي بلمحات… صور، صور، صور… صور أمي، أبي، أخوتي الشباب، أختي الوحيدة، القرية، بيتنا الطيني، مدرستي الابتدائية الطينية في القرية، طالب، طالب، طالب، مدرسة، الأغنام، الحصاد، بوسطة نرسيس الأرمني، القرية، الرقة المدينة، المدرسة الثانوية، “بسكليتي البيجو”، أخوتي الثلاثة المعتقلون عند الأسد الأب، أول فتاة أحببتها، الخدمة العسكرية، معمل السكر، ليبيا، الأردن، القرية، المزرعة، شجرات الزيتون، هيئة البطالة، البقرات، النحل، زواجي، ابني الأول، توريث بشار الأسد، غزو العراق، معلم صف، تلاميذي، أبو وسيم قائد مفرزة المخابرات العسكرية، الثورة، درعا، حمص، طيران، البراميل، الأهبل بشار، جراثيم، لجان التنسيق المحلية، فراس، تحرير تل أبيض، المجلس المحلي، يوم الخطف 10/ 7/ 2013، تتباطأ الصور، تكاد أن تتوقف، لا لم تقف، ولكنها تكاد أمام عيني، وكأنها شاشة سينما، هل ولدت زوجتي؟ فذا موعد ولادتها، هل ولدت زوجتي؟ هل زادت عائلتي روحًا بدلًا عن روحي التي تخرج الآن؟ ماذا… أسمت زوجتي مولودتها، أم تنتظرني لنختار اسمًا للطفلة معًا؟ لا تنتظري، أسميها كما تحبين وسأحبّ الاسم…
توقف شريط الصور تمامًا، ثبتت الشاشة على صورة عائلتي الكبيرة جمعًا ياااااه ما أكثرهم وما أحلاهم! الأخوة وأولادهم وبناتهم… زوجتي بحضنها وليدتها، أولادي وبناتي… الجميع مبتسم، ويمدون أيديهم في اتجاهي… تتوالى مجارف التراب كلما زادت كمية التراب خفت صوت وقع سقوط التراب، أحاول أن أتمسّك بصورهم، أحاول أن أتثبّت بالصورة التي بدأت تتلاشى مع تلاشي وعيي… شيء يشبه الدوامة… خدر يجرّني إلى القاع أي قاع لا أدري، أمد يدي التي لا تتحرك لأقبض على الصورة… أغيب تمامًا لا أحسّ… فقط عيناي قبضتا على الصورة، وأسدلتا الجفون عليها.
فتحت عيني مع شهقة وارتجاف كردة فعل على الماء البارد الذي سكب علي، ولكن عضلاتي وأعصابي لم تستجب لردة الفعل، فقط عيناي اللتان فتحتهما، ثم أغمضتهما لقوة الضوء المبهر المعلق في السقف، هل هو نور الله، يقول عقلي، أجل إنه الله بنوره، ولكن عينيّ خلال هذه الرمشة التقتطا صورة هيئة رجلين ينحنيان فوقي، وأغيب مرة أخرى. إذًا، أنا ميت فعلًا، وهما ملكا الحساب، منكر ونكير، ولكن عقلي لا يقبل، فالصورة التي التقطتها عينان لشخصين ذوي شعر طويل ولحيتين كثتين… لا إنهما ليس ملكين، فالملائكة، كما يقال، مُرد وجميلو الشكل… أفتح عيني مرة أخرى، أفتحهما لأقبض بهما مرة أخرى على النور الإلهي، ولكنهما لا تتحملان الضوء المبهر المدلّى من السقف، ولكني هذه المرة أسمع صوتك أنت “خلاص شيخي قعد”. كان إلهي الحقيقي هذه المرة “أبو علي الشرعي”، وأنت ومن معك “ملائكة الحساب”.
هذه رسالتي الأخيرة لك… رغم أن هنالك كثير مما يُكتب… ولكنني لا أعتقد أن عندي القدرة للمتابعة… أودّ أن أقترح عليك الردّ على رسائلي هذه… عسى نجد بالكتابة علاجًا لك ولي.
لا أريد اعتذارًا… أريد العدالة لي ولك، حتى لا يُدفن أحد حيًا مرة أخرى.

سجن داعش “سدّ البعث”

 

هوامش:
(1) بيت الكلب: قفص مصنوع من قضبان حديدية تتباعد بحدود 5 سم ما بينها، ارتفاع القفص 80 سم، وعرضه 60 سم، وعمقه 80 سم. أرضيته صاج حديد ثقوبه على شكل نجوم، وواجهته الأمامية كلها باب. ومن ضمن الباب أيضًا فتحة على شكل باب صغير ربما 40*20سم، ولكل قفص من هذه الأقفاص قفل خارجي مستقل.
(2) التابوت: حفرة إسمنتية 2*1م، الضلع الرابع من جهة العرض مفتوح، وفي داخلها صندوق حديدي على شكل تابوت مفتوح من الأعلى. مفتوح من جهة العرض لجهة الرأس. حجمه أقل قليلًا من حجم الحفرة، وله سكة يتحرك عليها إلى خارج الحفرة الإسمنتية من الجهة المفتوحة بواسطة كابل حديدي يجره دينامو كهربائي مثبت خارج الحفرة. بعد أن يستلقي الشخص داخل التابوت توضع قطعة حديدية من جهة الرأس مثقبة بثقوب صغيرة مربوطة بكابل حديدي مربوط أيضًا إلى دينامو كهربائي، ثم يوضع غطاء حديدي فوق التابوت، وأكبر بقليل من حجمه يردم التراب فوقها، فيحس الشخص الموؤود أنه فعلًا يدفن حيًا.

أحمد إبراهيم – ضفة ثالثة – العربي الجديد


Posted

in

,

by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »