Views: 4191 “الأسد الشجاع” ينتهي من قتل شعبه ويعود إلى الجامعة العربيّة – الرقة بوست-Raqqa Post

“الأسد الشجاع” ينتهي من قتل شعبه ويعود إلى الجامعة العربيّة

خلال كلمة الأسد، تخيّلت عباراته بطريقة أخرى، كأنه يقول: “ها قد انتهيت من قتل شعبي، ولم أوفر أداة أو طريقة، أنصحكم أيها الأشقاء بالكيماوي كطريقة مدمرة في القتل، كما أن القصف ليلاً فعّال جداً فالعائلات والأطفال يكونون نياماً”

هذا المقال ليس تحليلاً سياسياً أو قراءة للواقع السوري الحالي، هو مجرد أفكار وجب عليَّ كتابتها كي لا يخنقني ضيقُ غياب العدالةِ، لا شيء يمكن فعله وسط هذا الجنون سوى أن نذكّر بأننا هنا، وأن ما يحدث هو مأساة جديدة، فالمآسي لا تقتصر على القتل والتدمير وحسب، فالقاتل وصل إلى حد أن غسل يديه من دمائنا وخرج بربطة عنقه وبكامل أناقته وحضر القمة العربية (رغم أني لا أجد بزة بشار الأسد أنيقة على الإطلاق).

من الأحاديث الطريفة التي تناولها السوريون المؤيدون للنظام خلال السنوات الماضية، أن الأسد خسر بعضاً من وزنه وشحب وجهه وتغيرت ملامحه لكثرة الضغوط والحروب ضده، “العالم كله يحاربه” ردد الداعمون له، حتى المعارضين قالوا إن شكله تغير ونزل وزنه، لكنهم امتلكوا نظريات مختلفة، إذ نسبوا هذه التغييرات الى كونه سفاحاً. ولأتأكد من هذا التغيير، عدت إلى صور قديمة له، قبل 2011، نعم كان مختلفاً قليلاً وكانت لديه كيلوغرامات إضافية، لكن لا أظن أن السبب يكمن في نزول وزنه، بل في كونه قاتلاً. يقال إن الأشخاص يشبهون مع الوقت أفعالهم وأفكارهم، ولو صح ذلك فسيتحول بشار الأسد في يوم ما إلى مسخ، ستظهر دماء الضحايا وصيحات المعتقلين في النهاية على وجهه!

جاءت كلمة الأسد على نمط المثل السوري “الحكي إلك يا كنّة اسمعي يا جارة”، إذ وجه خلال 6 دقائق كماً من الرسائل المبطنة عن خيبة أمله بالعرب، والدور الذي لعبوه خلال العقد الماضي، “يلطش” تركيا من جهة ويسخر من الحضن الإيراني- السعودي من جهة أخرى، من دون أن يأتي على ذكر كلمة تخصّ شعبه المشتت، فالمهم في ذلك كله هو بقاء النظام وحده.

لم ينسَ الأسد بطبيعة الحال أن يتحدث عن العروبة، فـ”سوريا هي قلب العروبة النابض”. وعروبة بشار الأسد مجرد كلام ردده على مدار سنوات، فحياة السوريين خارج مصالحه. العروبة كلمة ثقيلة على مسمع السوريين، تجمع تحت جناحها العرب وخصائصهم ولغتهم لكنها تنفي إنسانيتهم، لا يبدو واضحاً بما ساعدت العروبة السوريين خلال السنوات الماضية! هل أوقفت القصف أو الجوع أو الفقر! عروبة بشار الأسد ليست سوى موازٍ لخدعة الديمقراطية ولكذبة العدو الغربي الذي ينهش مكتسباتٍ لم نرَ منها شيئاً، ماذا سرق الغرب منا إن كانت حكوماتنا فعلت ذلك منذ زمن!

رفع بشار “راية النصر” من جدة، ولم تحتج 12 سنة من القتل والاعتقال والتعذيب الممنهج ضد السوريين، سوى إلى 6 دقائق، يختصر فيها رؤيته وإنسانيته وعتبه على الأشقاء، لم ينسَ خلالها التفريق بين أنواع “الأحضان”، فالأسد شديد الدقة في التفريق بين حضن وآخر: “الأحضان عابرة أما الانتماء فدائم، وربما ينتقل الإنسان من حضن الى آخر لسبب ما، لكنه لا يغير انتماءه”. 6 دقائق كانت كافية لاختصار 12 عاماً من المأساة السورية، لكنها لم تكن كافية لسردية الموت، نعم يستحق الأسد الثناء على قدرته الاستثنائية على اختزال السنين والموت، كان مثالاً يحتذى في الوقاحة حين شكك في فعالية جامعة الدول العربية، مشدداً على ضرورة تطوير آلية عملها، ومراجعة ميثاقها ونظامها الداخلي، وتطوير آلياتها تماشياً مع العصر. يريد القاتل أن يتغير من حوله ليتماهوا مع ديكتاتوريته، ومع آلة القتل التي يديرها.

“شكراً أيها الأشقاء، يعنيني تفهمكم لضرورة قتل السوريين وتشريدهم، يحتاج التغاضي عن هذا كله واستقبالي بحفاوة، دهساً للإنسانية داخلكم، وهذا ما أبدعتم فيه حقاً”.

لطالما كان “الخطر المحدق بالأمة” هو أحد أعمدة بروباغندا نظام الأسد، لم يكن السوريون في مأمن يوماً من هذا الخطر المحدق، الغربي، الغدار والقادر على تدمير هذه الأمة، ولذلك بدأ الأسد كلمته بالأخطار المحدقة لا بل المحققة، والتي لم يصل أيّ منها إلينا، عدا القصف الإسرائيلي الذي ينتظر الأسد منذ سنين الوقت المناسب للرد عليه، من دون أن ننسى أن هذا القصف يستهدف حليفه الإيراني بالدرجة الأولى. 12 عاماً لم تكن كافية لأي تغيير في سياسة أو أفكار النظام السوري الذي زاد وحشية وغطرسة.

لام الأسد الأشقاء على تدخّلهم في شؤون سوريا، إذ قال: “لكن الأهم هو ترك القضايا الداخلية لشعوبها، فهي قادرة على تدبير شؤونها، وما علينا إلا أن نمنع التدخلات الخارجية في بلداننا ونساعدها عند الطلب حصراً”. لكن ما هي القضايا الداخلية؟ هل هي الثورة السورية التي لم يستطع السوريون تدبّر أمرهم فيها لأن نظامهم استخدم كل وسائل الإبادة والقمع بحقهم؟!

خلال كلمة الأسد، تخيّلت عباراته بطريقة أخرى، كأنه يقول: “ها قد انتهيت من قتل شعبي، ولم أوفر أداة أو طريقة، أنصحكم أيها الأشقاء بالكيماوي كطريقة مدمرة في القتل، كما أن القصف ليلاً فعّال جداً فالعائلات والأطفال يكونون نياماً”، تخيلته يقول: “شكراً أيها الأشقاء، يعنيني تفهمكم لضرورة قتل السوريين وتشريدهم، يحتاج التغاضي عن هذا كله واستقبالي بحفاوة، دهساً للإنسانية داخلكم، وهذا ما أبدعتم فيه حقاً”.

لم تعبّر مداخلة الأسد عن أي انتصار، كانت مجرد مداخلة وقحة، أشبه بأداة جديدة يعذب بها معارضيه من بُعد، ففي دقائق الأسد الست، امتلكتني مشاعر الغضب والقرف وفقدان الأمل، أعتقد أن الاستفزازية لم تكن في فكرة حضور الأسد إنما في وقاحته وهيمنته في تلك اللحظة، حين أدركنا أنه أزاحنا جانباً وتكلم باسم قتلاه، وباسم آلاف المعتقلين والمغيبين قسراً، نعم لقد “انتصر” الأسد على نفسه وأثبت أنه المجرم الذي يعود بعد 12 عاماً من الإقصاء ليكون الرئيس المثالي بنظر الأشقاء العرب.

يزن الشامي – درج


Posted

in

by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »