Views: 369 هل بقي ذهبٌ في سوريا؟ – الرقة بوست-Raqqa Post

هل بقي ذهبٌ في سوريا؟

بعد عقودٍ من استخدام الذهب لتقديم الودّ، وعلى شكل هدايا تعكس حالةً من الرفاه لدى شريحةٍ من السكان، يعود السوريون لاستعماله كأحد الأصول الادخارية الأساسية، وكوسيطٍ آمنٍ لحفظ القيمة في تعاملاتهم. يعكس هذا نكوصاً نحو أساليب عيشٍ أقلَّ انشغالاً بالطقوس الاجتماعية ومحاولات التدليل على الثراء، وتستكين للدفاع عن الأمن المعيشي في ظل تهديدٍ اقتصاديٍّ متواصل، لا يفتأ يطال من نمط حياتهم.

العودة الذهبية 

يعود الناس في أوقات الأزمات إلى الاكتناز أو الاستثمار بالذهب، وهذه -على ما يبدو- حالٌ عالميةٌ اليوم، لكننا بلا شك سبقْنا إليها غيرَنا وفُقناهم في تكريسها، وهذا لأسبابٍ قديمة وأخرى آنية، فلمنطقتنا إرثٌ خاصٌّ حيال التعامل بالذهب، ملتحقةً بِرَكب سكّ العملات مُبكراً منذ القرن الخامس قبل الميلاد باستعمال خلائط الذهب والفضة، ما عكس حينها قوة دول المنطقة وازدهار تجارتها. تطورت أشكال العملات والربط بالنظام النقدي تباعاً منذ ذلك الحين، مُستمِدّةً استمرارها دوماً من رسوخ الإمبراطوريات التي تُصدِّرها، لتبقى عملاتٌ كالعثمانية التي ارتبطت بآخر أيام انتمائنا لدولةٍ عظمى في أوقات أوجها، مصدراً ورمزاً للثروة والغِنى والمكانة الاجتماعية حتى بعد أفول تلك الدول، ما يُبرّر ارتباطنا بها وبما كانت تمثّله لنا.

في العصر الحديث، أصبحت العملات الذهبية طريقةً للادخار بدل كونها طريقة لتبادل السلع والخدمات، خاصةًبالنسبة لأصحاب الملاءات المالية المحدودة؛ لسهولة بيعها وشرائها ونقلها وحفظها وانخفاض أو انعدام أجور صياغتها، وكذلك لارتباطها بسعرٍ عالمي يقاوم موجات التضخم المحلية. وتنتشر في سوريا الجنيهات الإنكليزية، والليرات العثمانية الرشادية أو العصملية (نسبةً لمحمد علي رشاد خان الخامس بن الخليفة عبد المجيد الأول)، وتأتي معظمها بوزن حوالي 8 غرامات وعيار 22 أو 21. وبدأ تصنيع ليرات ذهبية سوريّة عام 2013، وأونصات ذهبية عام 2014، وتم طرحها في الأسواق عندها لتقليل الطلب على شراء واكتناز الدولار بشكلٍ أساسي، وذلك باعترافٍ حكوميٍّ ضمني بانهيار القيمة المُستدامة للعملة السورية، وتحوّلها لناقلٍ تبادلي في التعاملات قصيرة الأمد لا أكثر، والتي لا يتجاوز زمنها بضع ساعات مؤخراً.

اليوم، يُحوّل الناس ليراتهم النقدية السورية التي يجنونها عبر عمليات البيع والشراء إلى دولاراتٍ أو ذهب، وغالباً في يوم التبادل نفسه، خوفاً من فقدان قيمة أموالهم خلال نومهم.

ثروة البلاد

 

 

 

رغم ارتباط الذهب والمال كصِنوين، تخلّت الدول الغنية عن المُلكية الفردية للمعدن الثمين مقابل استثماره صناعياً، ولكن في دولٍ أقل نهوضاً كسوريا، يستَبقيه الناس للحفاظ على الثروة والتباهي بها على أجياد النساء وفي أيديهن. خلال العقد الأخير، تبدّلَ كثيرٌ من أصحاب هذه الثروات وتغيّرت مناطق اكتنازها بشكلٍ فارق، لتنتقل كمياتٌ منها من مناطق سيطرة المعارضة ومن أصحاب الحاجة في مناطق سيطرة النظام إلى السوق، إلى التُجار الكبار ورجال السلطة ثم إلى خارج سوريا في نهاية المطاف. وتَعرَّضَ المناوِئون للنظام بشكلٍ خاص لفقدان مُقتنياتهم الذهبية أو لجأوا إلى بيعها عبر السنوات، فقد هَرَب كثيرون بثيابهم من مناطق اشتعلت بالقصف أو المعارك، تاركين وراءهم كل ما امتلكوا للنهب والتعفيش، واضطروا لاحقاً، هم ومَن بقي خلفهم، لبيع ما لديهم تباعاً، لسدّ حاجاتٍ أساسيةٍ بعد أن أنهكهم الحصار أو النزوح.

صورة حصرية من دمشق

ولعلَّ حال ثروة سوريا الجمعية لا تُنبِئ باختلافٍ كبير، رغم أنّ التقديرات العالمية الرسمية تشير إلى أن سوريا لم تفقد كثيراً من احتياطيات المصرف المركزي الذهبية خلال الحرب، لتمتلك حوالي 25.8 طناً من الذهب حالياً، مُحتلّةً بذلك المرتبة العاشرة عربياً. لكن بافتراض دقة تلك التقديرات، لا يُظهِر ثبات الاحتياطي أهميةً كبيرةً في الحفاظ على قيمة العملة، ويبدو عاجزاً عن إيقاف سيل تضخّمٍ تهوي فيه هذه القيمة بتسارعٍ عنيف، في الوقت الذي يَبرزُ فيه العاملون في قطاع المجوهرات الذهبية من الصنّاع والتجار (الصاغة) كمؤثرين ذوي قيمةٍ أكبر في اقتصاد سوريا، وذلك لقدرتهم على تحريك ثروة البلد من الممتلكات الذهبية الشخصية، ومساهمتهم بشكلٍ غير مباشر بالاحتفاظ بها داخلياً أو ترحيلها للخارج، متعاونين مع أعوان النظام أو غيره من القوات المُسيطرة على المعابر.

تبدو أهمية هؤلاء جليةً من خلال مطالعة سلوكيات التسعير الخاصة بالجمعيات الحرفية للذهب، وعبر مواقفهم المُتحديّة للقرارات الحكومية، وإنْ بطرقٍ سلبيةٍ صامتة. تُسعِّر جمعيات الصاغة في سوريا غرام الذهب حسب السعر العالمي بالدولار، وتحوّله إلى الليرة السورية معتمدةً أرقاماً تُوازِن بين نشرة المصرف المركزي للعملات وسعر السوق السوداء، متجاهلةً القوانين التي تنصُّ على الالتزام بسعر الصرف الرسمي، مع تعليلها لذلك «بتثبيت أثمان موازية لأسعار المنطقة، منعاً لتهريب الذهب خارج البلاد».

الخسارة غير مقبولةٍ بالنسبة لتجار الذهب، وهي تعني إيقاف حركة السوق فوراً. ومن أجل تعديل السعر بما يتناسب مع سعر تداول الليرة السورية في السوق السوداء (أو السعر الحقيقي في الواقع)، يلجأ التجار إلى رفع أَجر الصياغة على كل غرامٍ ذهبي بما يتراوح بين 20.000 و100.000 ليرة سورية، أو ما يعادل سعر ربع غرام على الغرام الواحد، وذلك لمعادلة الثمن بما يضمن ربحهم. وتترك جمعيات الصياغة هذه المساحة للتجار مُستميلةً جانبهم، رغم عدم تجاوز تكلفة الصياغة الحقيقية 5.000 ليرة لا أكثر.

ونتيجة الشراكة، أو لدرء المشكلات مع أصحاب هذا القطاع الحيوي، تُحابي السلطات هؤلاء بتقديم تسهيلاتٍ ووعود؛ من قبيل الإعلان عن خطة لتجميع ورش الصياغة وسكب الذهب، المتناثرة حالياً في جرمانا بريف دمشق والتجارة والحريقة بدمشق، في منطقةٍ واحدة سيجري تخديمها بشكلٍ متكامل، أو بالتحضير لإنشاء مدينةٍ للذهب في حلب، تتركز فيها كل الفعاليات ذات الصلة. كما أن السلطات تُفرز دورياتٍ خاصةً لحماية أسواق الذهب في النهار وفي الليل.

أي صناعة!

في حين يُدرك التجار الكبار في هذا القطاع أهميته الاقتصادية، ويجادل البعض في تَدخُّلهم في تحديد قيمة العملة السورية، يبدو العاملون الصغار كغيرهم من العاملين في سورية، ويواجهون تحدياتٍ مماثلةً ويعيشون يومياتٍ مشابهة. تختصّ حرفة الذهب باحتكارٍ واسعٍ من المسيحيين والأرمن، تحديداً في ما يخصّ سكب وصبّ وصياغة المشغولات الذهبية، وتعاني كمهنةٍ من مشكلات تتشاركها مع باقي الصناعات في ظلّ نقص الطاقة وارتفاع تكاليف الإنتاج. وبينما يشكو الصنّاع، بشكلٍ خاص، من نقص المواد الأولية الخاصة بإنتاجهم، فإنه -وعلى سبيل المثال- قد توقَّفَ استيرادُ الألماس الخام من بلجيكا منذ عام 2012 نتيجة العقوبات المفروضة على النظام السوري، ما يدفع الصنّاع إلى إعادة تدوير القطع الذهبية المُرصَّعة بالألماس، بتفكيكها وإعادة استخدام الألماس المُلحق بها في قطعٍ أخرى.

سوق الذهب، دمشق 2023

وفي الوقت الذي يطمح فيه الصاغة السوريون لفتح أبواب التصدير بقصد رفع الطلب على الذهب السوري، تُعرقل القيود على منحِ التأشيرات وقوانين وزارة الاقتصاد والتجارة الداخلية الخاصة بالتصدير إمكانياتهم الهادفة للانفتاح على أسواق جديدة بشكلٍ قانوني والمشاركة في المعارض الخارجية، وتَحصرهم في نطاقٍ ضيّقٍ يتحايلون فيه على السلطات والحدود. حالياً، يدخل سوريا حوالي 25 كيلوغرام شهرياً من الذهب ليتمّ تشكيله وصياغته ثم تصديره، فلا يمكن للتجار العرب شراء الذهب السوري إلا بعد إدخال الكميات نفسها من الذهب الخام. وفي حين يفخر صناع الذهب السوريون بمنتجاتهم، المصنوعة يدوياً في الغالب والتي تحتل مكانةً في دول كالعراق أو السودان، يرى الاقتصاديون في دولٍ أخرى مثل تركيا أنّ التحوّلَ إلى شراء المصوغات الذهبية السورية يدلّ على تراجع القدرة الشرائية، إذ تقلّ جودتها عن نظيرتها التركية أو عن تلك المصنعة باستخدام آلات بحسب وجهة نظرهم.

 

وقد لفظت المهنة جزءاً كبيراً من العاملين خارجها خلال سنوات الحرب، بسبب الدمار الذي طال كثيراً من الورش ونتيجة تقلُّص سوق التصريف، فمن أصل 300 ورشة في دمشق لم تبقَ سوى 150 مع نهاية الأعمال العسكرية في محيطها1. بينما لم يبقَ من 1200 ورشة في حلب، وهي التي كانت تصنع حوالي 65 بالمئة من إنتاج سورية من الذهب، إلا القليل، ونَقلت كثيرٌ منها عملها إلى دمشق.

 

يتقاضى العاملون في صياغة الذهب أجوراً تُماثل غيرهم من الصُنّاع المهرة (أو المعلمين) في سوريا، لكنها بقيت ضمن حدود أجور الحرفيين في سوريا، وتراجعت قيمتها مع التضخم المستمر، لتغدو غير مُجزيةٍ بما يكفي لإبقائهم في المهنة. مع بدء الحرب، تحول طارق إلى قيادة سيارة الأجرة بين دمشق ولبنان: «نعمل على القِطعة، وما من حجم إنتاج يكفينا، بينما ازداد الطلب على النقل إلى السفارات والمطار في لبنان، ونستطيع عبر نقل الأمانات توفير ربحٍ لا بأس به مقارنةً مع ما قد نكسبه من العمل في الذهب».

أي تجارة!

لا تزيد حركة مَبيع الذهب في الأسواق إلّا مع الأعياد وخلال أشهر الصيف، وذلك بوصول المغتربين المُقبلين على الخطبة أو الزواج، إذ يشترون قطعاً ذهبيةً ويبدّلون بعضها بأخرى. وفي حين باع الناس مقتنياتهم خلال الذرى السياسية والعسكرية، تتركز الحركة معظم أوقات العام على تداول الليرات والأونصات، التي قلّما تجدها إلا عبر صلاتٍ شخصية بالصاغة. ويزعم بعض الصاغة أن لا فرق بين أسعار صياغة الليرات وغيرها، وتكثر المضاربة على الليرات الذهبية في السوق السوداء مما يرفع سعرها، وقد بدأت الجمعية الحرفية للصاغة مؤخراً بنشر سعر الليرة والأونصة الرسميين يومياً، إلا أن ذلك لم يَحُدَّ من الاتجار بها بأسعار أخرى في السوق السوداء.

وفي الوقت الذي تتراجع فيه سلطة القانون، فإن على الباعة التحلي بسلوكٍ على قدرٍ عالٍ من الدبلوماسية لمواجهة التبعات الإجرامية للوضع الحالي. يأتي بعض الزبائن بحُليٍّ مزيفة، قاصدين أو غير قاصدين، ويحاول البعض سرقة المجوهرات، فيما يزدهر عمل الشحاذين في المناطق التي تشغلها محلات الذهب. يتطلب هذا سلوكاً حازماً من التجار، فيتجمّعون في محلاتٍ متقاربة، ويحتفظون بوجهٍ «ناشفٍ» لحماية أنفسهم من مخاطر المهنة. يُجيب الصائغ إبراهيم زبائنه بأقل الكلمات، حتى أنه يكتفي أحياناً بإرجاع رأسه للوراء بتجهّم عندما يسأله الزبائن عن بضائع لا يريد بيعها؛ كالليرات أو الأونصات، وغالباً ما يفي هذا بالغرض لإبعادهم.

تتميز مهنة تجارة الذهب بعلاقاتٍ شخصيةٍ طويلة المدى، تتوارثها الأجيال من الباعة والمشترين، فيرتبط كل صائغ بعوائل معينةٍ تثق به وتوصي إليه وتمر وإياه باختباراتٍ عديدةٍ على مدى الزمن. اعتادت النساء المُقتدرات على ترديد عبارة «الصايغ تبعي» بفخر عند الحديث عن تعاملاتهنّ فيما يخص مجوهراتهنّ، كما لو أنّه أحد الأشخاص فائقي الأهمية في حياتهن.

الأمس واليوم

لئن امتلكَ الذهب مكانته الخاصة عبر الأزمان، إلا أن مكانه في المنطقة يتموّج مع تَغيُّر الدول والأحوال المعيشية المختلفة. وليس جديداً استخدامه في التعاملات التجارية، حيث تُخصَّص له بنودٌ في دراسات الاقتصاد الإسلامي، ويُستعمل للرهون بكثرة، فيبقى كوديعةٍ لحين ردّ الدَّين. ويدخل كعنصرٍ ثابتٍ في الطقوس الاجتماعية للمنطقة: هدايا المواليد الجدد؛ والحرف الأول من الاسم؛ والأقراط الصغيرة للإناث برفقة الخرزة الزرقاء؛ إلى الجزء ذي القيمة في نقاش المهر؛ وكذلك الهدايا المقدمة للعروس من الأقرباء والأصدقاء. 

واختصت نساء المنطقة بالغالب بالمجوهرات الذهبية، كما أنه يرتبط بالأزياء والثقافات المحلية بوضوح، ليُستخدم في زنانير تُزيّن خصورهن وعصائب رؤوسهن، أو ما يسمى بـ«الغوازي» التي شاعت في المنطقة الشرقية من سوريا، والتي لطالما عُقدت على وجوه السيدات لتُزيّن خمورهنّ في القرون الماضية. لكنّ معظمهنّ ينتقلن من اقتناء المشغولات المعقدة كالخواتم المرصعة والأساور دقيقة التصنيع إلى القطع الصماء، كونها سهلة التداول وقليلة الخسارة؛ كالأساور المبرومة أو السحب. كما يلجأن بشكلٍ فارق لاقتناء قطع أقل وزناً وأرخص ثمناً، أو ما يَصفنَه بالحلي «الناعمة»، لتَظهر عياراتٌ لم تكن شائعةً سابقاً، ملبيةً الحاجة الاجتماعية لتقديم الذهب دون دفع مبالغ كبيرة جداً، فبات عيار 16 أكثر حضوراً أو عيار 12 متوفراً في الأسواق.

ليرة ذهب سوريّة

وتَحوَّلَ استخدامُ المجوهرات أيضاً ليلعب أدوراً محورية في أوقات الأزمات، ليُستخدم في التداولات طويلة الأمد وذات الأهمية المعنوية. إذ تلعب كمية الذهب التي يُتّفق عليها عند العقد دوراً مهماً في الزواج التقليدي، وتُسجِّل الكثيرات اليوم مهورهنّ بالليرات الذهبية،  وتبدو هذه العودة لاستخدام النقد الذهبي إعراباً عن توقّع الأسوأ اقتصادياً، وبحثاً عن أمانٍ ضروري، وإصراراً من النساء على الاحتفاظ بما تراه بعضهنّ «امتيازاتٍ جندرية».

ولا تفتأ النساء تستغنينَ عن مصاغهنّ في أوقات الحاجة، ليمارسنَ دوراً اقتصادياً فعّالاً لطالما أُنكِرَ عليهن. كثيراتٌ يتذكرن تلك اللحظات اللاتي اضطُررن فيها لبيع ذهبهنّ عند النكبات الاقتصادية أو الرغبة في التطوير أو الاستثمار. وفي حين سُرقت كثيرٌ من حليّ النساء خلال الأعمال العسكرية عبر السنوات الماضية، بيعت كثيرٌ منها من قبل صاحباتها لضروراتٍ لم تنتهِ: لتمويل كتائب تقاتل ضد النظام، وشراء منازل بدل تلك التي هُجِّرنَ منها أو للاستئجار بأسعار مرتفعة، وإعادة تأهيل منازلهنّ عند العودة إليها، وسفر الأبناء والأزواج عبر السنين. كما موّلت النساء زيجات الأقرباء بمصاغهنّ، وحوّلن ثرواتهنّ الصغيرة إلى هدايا للمناسبات المهمة، أو إلى رأسمال لاستثمارٍ عائلي ينجّين به أسرهن، وبقيت معظم السوريات اليوم بلا معدن أصفر يزيّن أيديهنّ وأعناقهنّ كما اعتدن.

ورغم تجريم التداول بغير الليرة السورية، بدأ الذهب يأخذ مكانة العملات الصعبة في تأمين تداولات متوسطة وطويلة المدى، لا تأخذ في معظمها الطابع العلني، وتتفاوت بين تسعير العقارات والممتلكات الثمينة وصولاً إلى دفع الرشى للعاملين في جهاز الدولة بالليرات الذهبية.

لا غنى!

في الوقت الذي تتداعى فيه قيمة العملة بشكلٍ شبه يومي، ويخشى كثيرون اقتناء الدولارات والتنقّل أو التعامل بها، يُعتبر الذهب وسيلةَ حفظِ القيمة الأنسب، فيُسارع الناس إلى تحريك ما يملكونه من ليراتٍ سورية ما أمكنهم ذلك، فقد يفقدون من قيمتها خلال ساعات. تنتقل الثروة من الأصول كالممتلكات العقارية أو السيارات إلى ليرات سورية ثم ذهب وبالعكس بين أيدي السوريين، ما يساهم في تحريك اقتصادٍ حلزونيّ المنطق، يتراجع عن جرأة الاستثمار إلى زاوية الترقّب. وما يُحزن فيه هو انتقال معظم مخزون الثروة هذا إلى الخارج عبر أيدي المهربين، إلى الجامعات الأوروبية ولتغطية نفقات السفر ونقل الاستثمارات، مُقلِّصاً مُقدّرات البلاد على قلّتها.

مدخل إحدى الصاغات في دمشق

ورغم قدرته على حفظ الثروة، لكنّ الذهب غير قادرٍ على زيادتها على المستوى الجمعي، فيبقى مناسباً كآلية للتحوّط في الأوقات المضطربة وغير المتوقعة لا أكثر. هذه الآلية تساهم في تكريس الركود، وتقلّل من فرص الاستثمار والنمو، إذ تَحُولُ دون الإنفاق على مشاريع جديدة، وهي وإن أَكسبت وتُكسِبُ مئات المليارات من الدولارات لحفنة من اللاعبين الكبار، لكنها لا تنتج أي فوائد حقيقية سواءً لمالكي المدّخرات أو للمجتمع. وقد تبدّى هذا كسمةٍ أساسيةٍ لاقتصادات المنطقة خلال العقد الماضي، ولا شيء يُنبئ بتغيُّرها في المدى المنظور ما لم تتغير الظروف السياسية في المنطقة وتتبيّن التغيّرات الدولية في العالم.

يبقى الذهب ملاذاً للناس وسط كل هذا، وللسوريين للحفاظ على بعضٍ من قدرتهم الاقتصادية بانتظار لحظةٍ قادمة، ولحفظ كرامتهم ومَنحهم إحساساً ببعض الأمان حتى تحين تلك اللحظة.

 

ديالا المصري – الجمهورية نت


Posted

in

by

Tags:

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »