حكاية البيت الرقي.. من “السيباط” إلى “القوناق”

الرقة بوست -بعيداً عن السياسة

حكاية البيت الرقي.. من “السيباط” إلى “القوناق”

يوسف دعيس

شهدت مدينة الرقة أول مظاهر العمران في أوائل منتصف القرن التاسع عشر، وأخذ يوماً بعد يوم بالتطور مع ازدياد عدد السكان، وتعدد مشاربهم، بدءاً من بناء السرايا، الذي ترافق مع “السيباط“، ثم تلاه البيت العربي، و”القوناق“، ثم الأشكال الحديثة التي تتمظهر بأشكال مختلفة.

المهندس عبد الحميد النجم من المعماريين الذين يهتمون بدراسة عمران #الرقة، قديماً وحديثاً، يقول عن بدايات العمران في الرقة خلال العصر الحديث: «كانت أول إشارة إلى وجود سكن دائم في خرائب الرقة (الرافقة) وردت على لسان الكونت “دوبر توى” إثر رحلته التي قام بها في عام /1866/، يقول: “إن المؤسسات في المدينة كانت قد أصلحت مجدداً لإقامة الحامية”، فقد تم بناء المخفر التركي عام /1863/، وفي عام /1869/ عندما أصبحت الرقة قضاء، تم إنشاء السرايا القديمة من اللبن والطين، وبجوارها بعض دور السكن أيضاً من اللبن والطين للعاملين في السرايا، وكان عددهم سبعة أشخاص، وتقع مقابل الجامع “الحميدي” من الجهة الجنوبية، وكان السكن مجانياً للموظفين، والهدف من بناء هذه المساكن تشجيع الناس على الاستقرار والسكن في المنطقة، وخلال هذه السنوات لم يكن هناك ما يستحق الدراسة غير تلك الدور البدائية لسكن الموظفين، وبعض الأكواخ غير مكتملة الملامح، أسقفها من نبات السوس والزل».

وحول أشكال السكن لدى أهل الرقة، يقول النجم: «كان أهل الرقة في حالة الرعي يعتمدون على بيت الشعر، وهو مسكن منسوج من شعر الماعز، ويرتفع من المنتصف على عمود من الخشب مناسب لارتفاع الفرد، وكان يقسم إلى قسمين قسم يجلس به الرجال، وقسم خاص للنساء، ويلعب دور الجدران في هذا البيت “الرواك”، و”الزرب”، وتشد أطراف هذا البيت بالحبال، وكلما كان عدد الأعمدة الوسطية التي ترفع هذا البيت كثيرة دل ذلك على الحالة الميسورة لصاحب هذا البيت، كان أهل الرقة يزرعون ضفاف نهر الفرات بعد انحسار مياه الفيضانات، ويقطنون في بيوت تسمى “السيابيط” ومفردها “السيباط”، ويغطى سقفه بنبات السوس، أو الزل للحماية من أشعة الشمس، وهو يدل على وجود قاطنين».

128962_2011_04_22_08_47_10.image1

ويضيف النجم قائلاً: «بعد الاستقرار أي في حدود عام /1875 – 1880/ أخذ البيت الرقي في رسم ملامح جديدة، وتبلغ مساحته /1000/م2 أو يزيد، ويتألف من “الحوش”، ويعني “تحويشة”، وفي البداية لم يكن هناك سور، ثم سوّر “الحوش” بجدار سميك، وفي البدايات كان من دون طين، وهو قليل الارتفاع، بسبب الفقر، ووجود نسوة يرتدين ثياباً ساترة طوال اليوم، وتحقق درجة القرابة بين المتجاورين، لذلك نجد أن كل منطقه سكنية سميت باسم قاطنيها، وفيما بعد أصبح السور عالياً، إذ يصل ارتفاعه إلى ثلاثة أمتار، والأبواب كبيرة وواسعة، لتمكين دخول الماشية وبعض الأدوات البسيطة».

وحول مكونات البيت الرقي، يقول النجم: «كان ضمن “الحوش” غرفتان متلاصقتان تتجهان نحو الجنوب، وإلى الشرق كان يتوضع المطبخ، وفي الجنوب تتوضع زرائب الماشية، وأحياناً توضع زرائب الماشية في الشمال خلف الغرف، وكون الغرفتان تشكلان مستطيلاً ضلعه الطويل من الشرق إلى الغرب لذلك سميت الغرف، بالغرفة الشرقية والغرفة الغربية، وكان الباب من الخشب، ذا تفصيلة بسيطة، ألواحه طولية باتجاه الأسفل، تتماسك بألواح عرضية، أبعادها أقل من الطولية سماكة وعرضاً، وتتباعد عن بعضها، ويفتح الباب ويغلق على رزات بدائية، تثبتان في أعلى الباب وفي أسفله، ويفضي هذا الباب إلى مساحه تقدر بـ/1،5×1،5/م تدعى العتبة، وهي مساحة من الغرفة أقل ارتفاعاً من مستوى الغرفة، وتستعمل للغسيل، حيث لم يكن يوجد حمامات، وتصرف مياه الاستحمام من تحت الباب.

السقف، وهو عبارة عن أعمدة خشبية في الاتجاه القصير تبعد عن بعضها من /30-40/سم، يغطيه نبات السوس الكثيف أو الزل المنسوج، ثم أصبح فيما بعد يغطى بالألواح الخشبية، ثم بطبقة طينية سماكتها من /20-30/سم، ثم طبقة من الرماد، تليها طبقه ترابية، وله ميول باتجاه الجنوب لتصريف مياه الأمطار بواسطة “المزراب”.

تبلغ سماكة الجدار من /60ـ70/سم وترتفع نحو /3،5/م، وفيها نوافذ للتهوية والتخزين، وكان في البداية يتكون من اللبن، ثم أصبح من اللبن والفخار على طبقات متناوبة، ثم من الفخار، الذي يأتون به من أسوار الرافقة، فالحجر الحواري الأبيض، بعد أن منع الناس من نقل الفخار، وتملأ الفراغات ما بين الأحجار الكبيرة بالطين والأحجار الصغيرة، ثم تصقل الجدران بالجص من الداخل والخارج، ليشكل طبقه أكثر تماسكاً وأكثر تحملاً للظروف الجوية».

ويتابع “النجم” حديثه حول مكونات البيت الرقي، قائلاً: «كانت الغرفة الغربية تتجه نحو الجنوب بالباب والنوافذ، وارتفاع النافذة يصل إلى /130-150/سم تنتهي بقوس من الأعلى، وتبقى النافذة مستقيمة من الداخل والقوس ينفذ من الجص، يقابل هذه النوافذ على الجدار الشمالي نوافذ صماء تستعمل لتخزين الملابس أو الأدوات القليلة الاستعمال أو الحاجات الثمينة، وهي بمثابة الخزانة الجدارية، ولهذه الغرفة نافذة ثالثة تتجه إلى الغرب، الغاية منها الاستفادة من الهواء الغربي في أيام القيظ.

أما الغرفة الشرقية فهي نفس الغرفة الغربية بالتفاصيل، ولكن لا يوجد لها نافذة غربية أو شرقية، حيث يستهلك الجدار الشرقي كله للنضد، وهو عبارة عن عدد من الفرش والأغطية والوسائد تستعمل عند النوم، والفراش يدعى “دوشك”، ويدعى الغطاء

باللحاف، ويتوضع “النضد12231106_591518474336255_1733308193_n” على مصطبة، ترتفع عن الأرض من /80ـ100/سم، وتدعى “دجة”، وكانت تبنى بناءً، وتحولت الدجة إلى “موبيليا” خشبية متحركة تدعى “المنضاد” أو السادر، وهو يستعمل حتى يومنا الحاضر.

يكون تجاه المطبخ عادة إلى الشرق من الغرف وضلعه الطويل من الشمال إلى الجنوب، ويفتح الباب إلى الغرب، وتوجد له نوافذ إلى الغرب والشرق، وله نفس سماكة الجدران والإكساء الخارجي والداخلي من الجص، وللباب عتبة لكنها لغسل الأواني والصحون، والسقف يميل باتجاه الشرق، في معظم الأحيان، ويعتبر المطبخ من أهم الغرف، حيث كانت تتواجد فيه العائلة في معظم الأحيان، للطبخ، وللطعام، والسهر شتاءً على الجمر، وعند النوم يذهبون إلى الغرف الأنفة الذكر.

أما مدخل غرفة الزخرة فهو من فراغ المطبخ، وهي غرفه صغيرة لحفظ المؤونة، وتسمى بغرفة (الزخرة)، وهي تحريف لكلمة (الذخرة)، وهي ما يدخره الإنسان، يوضع فيها القمح والطحين والسمن والدبس والكشك وغيرها، وفيها خزانة تسمى “النملية” أو “الشعرية” يحفظ بها بقايا الطعام حتى موعد الوجبة الثانية، كذلك هناك سلة تعلق في أحد أعمدة سقف المطبخ وهي من القصب لحفظ الطعام المتبقي.

المرحاض: لم يكن هناك مرحاض في البيوت الرقية في البداية ولم يكن يعرفها أحد، فقد كانت النسوة يتغوطن في زرائب الحيوانات والرجال لهم البرية الواسعة وهناك روايتان، لأول مرحاض في “الرقة”، الأولى، أن أول مرحاض قد بناه القادمون من براجيك (البرجكليين) حيث نقلوا معهم الكثير من مظاهر الحضارة للرقة ومن ضمنها استخدام المرحاض، والثانية، أنه في عام /1900/ وهو بداية قدوم الشركس إلى “الرقة” أنهم بنوا مرحاضاً وتقاطر أهل الرقة لمشاهدة هذا الأمر الغريب، وتعلم أهل “الرقة” منهم بناء المراحيض، وكان له حفرة فنية، وهي عبارة عن بئر تحت مكان التغوط مباشرة، فيما بعد أصبح البئر يبتعد عن المرحاض، ويلحق بالمنزل عادة بئر ماء، ومياه هذا البئر، ليست للشرب لأنها مالحة وتستعمل فقط للغسيل وسقاية الماشية، وكان أهل “الرقة” يشربون من نهر الفرات الذي يجلب إلى البيوت بعدة طرق هي الأواني التي تحمل على رؤوس النساء، والخطرات التي تحمل على الحمير، أو عن طريق السقا، وفي أحد الزوايا الشرقية للحوش يتوضع التنور، الذي يستخدمه الجيران أيضاً، وتتوضع أمام الغرف “السكية”، وهي تقابل “الفرندا” حالياً.

وعند زواج أحد الأبناء يمكن أن تبنى أيضاً غرفتان مقابل الغرفتين السابقتين، وتتجه نحو الشمال، ولها نفس “السكية” والنوافذ والأبواب، ويمكن تكرار هاتين الغرفتين ثلاث أو أربع مرات، حتى يضيق “الحوش” بساكنيه، ولكن يبقى المطبخ مشتركاً للجميع.

البقجة: وهي كلمة تركية، وتعني الحديقة المنزلية، كانت جميع بيوت الرقة تتوسطها شجرة كبيرة وارفة الظلال كالتوت والرمان والكينا، ويحيط بها حوض بشكل صندوق مفتوح، جوانبه السكيتان الشمالية والجنوبية والحائط الغربي، ويزرع في هذا الحوض أزهار الخطمية والجوري والعسلة والحشيش الإفرنجي، وغيرها وكان البيت بذلك جنة غناء قياساً إلى تلك الأيام».

ويتحدث “النجم عن دخول نماذج لبيوت جديدة، بقول: «أدخل نموذج جديد إلى مدينة الرقة قادماً من مدينة دير الزور، وهو الغرفتان وصالون، حيث يكون مباشرة إلى الشارع الذي يطل عليه الحوش والدخول يتم إلى الصالون الذي يلعب دور الموزع بين الغرف والحوش، مع الاحتفاظ بالمدخل الرئيسي للحوش فهذا المدخل خا
ص للأخ المتزوج، هنا يفقد الاتجاه دوره كأساس في توضع البناء فقد أصبح هناك شوارع، ويجب أن يراعى فيها الدخول، في البداية كانت الغرفتان وصالون لها جدران سميكة كما كانت سابقتها، ولكن مع دخول الاسمنت أصبحت الجدران أقل سماكة ومدخل الصالون الخارجي أكثر تزييناً.

تتكرر الغرفتان وصالون أكثر من مرة في الحوش الواحد، حيث تتكون ممرات ضيقه وطويلة أو قصيرة تصل إلى المنازل التي أصبحت داخلية وليس لها أي إطلالة على الشارع، وتسمى هذه الممرات بـ”الزابوقة”، وفي بعض الأحيان تتكون “الزوابيق” للفصل بين منازل الإخوة لتصبح فيما بعد، أزقة ضيقة تابعة لأملاك الدولة، أما المنزل الثاني، فهو “القناق”، وهذا المنزل كان موجوداً منذ البداية، ولكنه لميسوري الحال، و”القناق” هو منزل من طابقين، وقدم إلى المنطقة مع القادمين من تركيا، وهذا المنزل أيضا له حوش كبير، بحيث يكون في الطابق الأرضي عدد من الغرف تطل على ممر مسقوف، ينزل إليه من الحوش بـ/30-45/سم، وهذا الممر يطل على أرض الحوش بأقواس جميلة، ويكون ارتفاع الممر والغرف في الطابق الأرضي من /250-275/سم مستفيداً من فرق المنسوب بين أرض الحوش ومستوى الغرف، ونوافذ الغرف تطل على الشارع المجاور، ويكون ارتفاع الجلسة في هذه النوافذ صغيراً من الخارج وكبيراً من الداخل، وتقابلها نوافذ تطل على الممر المسقوف، وهنا لابد من الإشارة إلى أنه كان يوجد حمام للاغتسال وهو موجود ضمن المطبخ، أما الطابق الأول فيتم الصعود إليه بدرج بارتفاع من /200-250/سم، وينتهي فوق الممر المسقوف لتبدأ “البرنده”، وتعتبر بمثابة “السكية”، ويشرف عليها عدد من الغرف كما في الطابق الأرضي، والطابقين الأرضي والأول مسقوفان بنفس الطريقة السابقة من أعمدة خشبية بالاتجاه القصير وشرائح خشبية ثم طبقه من الطين، وسقف الطابق الأول ميوله إلى الخارج».12233358_591518477669588_791715389_n

ويختتم النجم حديثه، قائلاً: «بقيت مدينة الرقة على هذه الهيئة من الأبنية، التي كان معظمها من اللبن وقليل من الفخار والطين، حتى قدوم المهاجرين من “القفقاز”، وتقول “سونيا الفرا” برسالتها لنيل شهادة الماجستير إن المهاجرين من “القفقاز” جاؤوا إلى الرقة على دفعتين، الأولى عام /1906/، والثانية عام /1917/، وان الدفعة الثانية كان عددها أكبر من الدفعة الأولى،

حيث كان عددهم نحو /200/ عائلة، ويقول الباحث “حمصي فرحان الحمادة”: “إن الشركس لهم هجرة واحدة فقط وهي الأولى”، ووزعت عليهم الحكومة آنذاك أراض غرب السور العباسي ليسكنوا فيها، وأراضي زراعية للعمل.

نلاحظ هنا نشوء أول مخطط عمراني نظامي في المدينة، شوارع مستقيمة ومقاسم متساوية الأبعاد، حيث تم بناء معظم هذه المساكن من بقايا السور العباسي وكان ينقل القرميد بعربات تجرها الحيوانات وقد عرفت لأول مرة مع قدوم “الشركس”، ثم بدأت بلدية “الرقة” بإنشاء مبانٍ إسمنتية وتوزعها على العاملين في قطاع الدولة، وتقع إلى الشمال من مدينة الرقة، حالياً شرق مشفى التوليد، ومن ثم بدأت الأبنية بالارتفاع الشاقولي طابقين، فقد زاد عدد السكان بسبب الهجرات، خصوصاً بعد بناء سد الفرات عام /1970/، فقد أصبحت هناك ضابطة بناء، وتقلصت مساحة الحوش، وكثرت الأزقة الضيقة فكان لابد من الانتشار الأفقي، خارج حدود السور العباسي ومنطقة الشراكسة، فولدت أحياء جديدة، وكذلك تم تنظيم منطقة”الثكنة، في البداية بضابطة بناء من طابقين، ومن ثم قلبت ضابطة البناء إلى سبعة طوابق فشكلت فوضى معمارية لا يمكن السيطرة عليها»

شارك على مواقع التواصل الاجتماعي:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »