قــلــيــــلاً مـــن الــــوعــــي
أديب البردويل
إن وجود القبائل في الجزيرة العربية قد سبق قدوم اليهودية والمسيحية والإسلام بردح طويل من الزمن . كما ان هذه القبائل تنتمي الى أصول واحدة استناداً الى التوضيح الديني والاجتماعي العلمي , بالإضافة الى ان العلاقة بينها سلبية كانت أم ايجابية , عراكاً وسبياً من خلال الغزوات أم تقارباً وتوادداً , فهي ستؤدي بحكم الإطار الجغرافي الى الإحتكاك والتلاقح التواصلي اقتصادياً وثقافياً وعرقيا , كما إن التزاوج عن طريق الحب أو السبي بينها كان قائماً وبقوة , مما جعل تلك القبائل أكثر تأصلا واندماجاً على صعيد السلالة والتكوّن الاجتماعي مستقبلياً . لذلك وبالبداهة نستطيع القول : إن اعتناق تلك القبائل الأديان المختلفة من يهودية ومسيحية واسلام , لا يعني أبداً فك أواصر القربى من أعمام وأخوال وجدود . وهذا لأن الإختلاف النظري والفكري والعقائدي مهما بلغ من عمق واتساع ،لا يستطيع أن يمحو الجينات البشرية ،أو أن يفت بالعصب ويذهب بالدم الواحد .ناهيك عن أن جميع شروط النظريات التي تتناول تكوّن المجتمعات والأمم , يتوفر عليها تقريباً وجود قبائلنا العربية عرقاُ وجغرافية ولغة واقتصاداً , هذا يعني أنها على صعيد علم السلالة تنتمي الى مكونات واحدة . فحين يتأكد لنا هذا بالنص الديني والتفسير العلمي سوف نخلص الى القول : بأن خليفة المسلمين عمر بن الخطاب ،رضي الله عنه ،والذي عاش في الجزيرة العربية ووصل الى بلاد الشام قد يكون من جدود { جوروج صليبا …} مثلاً ،والذي يسكن في حي القصاع ـ باب توما في دمشق ،أو جد احد الكهنة والمطارنة ،أو أي شيخ عقل من شيوخ الموحدين الدروز المولودين في بلاد العرب .وقد يكون القس ورقة بن نوفل ابن عم خديجة جد { ابو أحمد بائع الفول الأردني } أو أنه جد من جدود احد المؤذنين في المملكة العربية السعودية ,من هنا وعلى هذا لا يجوز لأحد أن يعادي أو يشتم جده بسبب اختلافه عنه بمعتقد أو رأي ,بل من الواجب منطقياً وأخلاقياً على {جورج أو يحي أو علي } أن يدافع عن جده ويحمي غيابه ,إذا ما تعرض للشتم أو الذم أو الإهانة ,إن الإختلاف العقائدي لا يهب الحق لأحد أن يعتبر جدوده غرباءاً . ان الطائفية والمذهبية الموتورة ,و التي تسود الفكر الديني والآيديولوجيا الإجتماعية العامة في ديارنا العربية المتخلفة ,كثيراً ما تتماهى بهلوسة مشينة وتتباهى بتخريفها وجهلها ,حيث لا عمل ولا غاية لها سوى كيل الشتائم والأحقاد لرموز وأشراف غيرهم من الأديان والمذاهب الأخرى . الطائفية هنا , بالإضافة الى انها لا تختلف عن اي شعور أو إحساس تمارسه الكائنات غير العاقلة ,لم تمارس عماها المعرفي فحسب ,بل سقطت في كارثة الجهل الدموي العائش على ثارات عمرها عشرات المئات من السنين .إن ما للطائفية وما عليها من سوء تفكير وهمجية سلوكية لهو معروف ومُقدر ,لكن أن يكون أصحاب فكر وآيديولوجيات وتيارات ورجالات وأحزاب سياسية تدعي العلمية والتقدمية والمدنية تقوم بمهمة الجهل والطائفية ذاتها ,وتدجج ما تدعيه من علمية وعلمانية بلاعقلانية لا تقل عصبية وكيدية سخبفة عن اية طائفية او قبلية حيال مسألة جدودنا ,واقع يثير الذهول واللامعقول . هذه اللمحة السريعة التي أشارت بملحوظة جدية وتقريرية إلى أننا نحن العرب نشارف لأن نكون عائلة واحدة ,تؤكّد على أنه عائق أخلاقياُ ومعاقٌ فكرياً وعقلياً من يذم بأبي بكر الصديق أو خالد بن الوليد رضي الله عنهما , وذلك استناداً على أنّه مسيحيٌ أو شيعي أو علوي بينما هما مسلمان أومختلفان عنه مذهبياُ .سأستشهد بقولين من أقوال كثيرة لعظماء فكريين وشعراء مشهورين عالمياً وقادة عسكريين يشهد لهم التاريخ : ” قال نابليون بونابرت الأول” حاكم فرنسا وإيطاليا والقائد العسكري المشهور : “إن محمدا الرسول – عليه الصلاة والسلام – كان نموذجا ناجحا لما تقوم عليه استراتيجيات القادة في العصر الحديث أمّا “لامارتين” الشاعر الفرنسي قال: “من ذا الذي يجرؤ من الناحية البشرية على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد؟ ومن هو الرجل الذي ظهر أعظم منه عند النظر إلى جميع المقاييس التي تقاس بها عظمة الإنسان؟ قليلاً من الوعي سوف لن يسمح لأيُّ أحد من متنطعي الآيديولوجيا والطائفية والمذهبية العرب , ومبشري الحداثوية والعلمانوية المدعية أن يستهين بجدوده وجدودنا بتوجيه ادانة او ذميمة لهم , أو أن يتمادى بعقمه وانحطاطه العقلي , ويحاول أن يطال الرسول {ص} والصحابى الذين شاركوه بناء فكره وغايته ونشر رسالته العظيمة , وإرساء أسس ٍ لحضارة اسلامية عربية انسانية شهد لها الشرق والغرب .
*كاتب سوري